الأحد، 4 يناير 2026

الهشاشة الذهنية… العطب المسكوت عنه في المنتخب التونسي

 


تابعتُ كغيري من التونسيين مباراة منتخبنا الوطني أمس ضدّ مالي. كان الانسحاب مؤلما، وإن لم يكن مفاجئا. منذ فوزنا بكأس إفريقيا سنة 2004، لم نتجاوز ربع النهائي إلا في مناسبة واحدة، وهذا ما يضعنا في مصاف منتخبات الصف الثاني في القارة. وحال بطولتنا لا يحتاج بيانا، ولولا أنّنا كنّا محظوظين ببعض اللاعبين المولودين خارج البلاد، فربّما لم نكن لنتجاوز مرحلة التصفيات.

بقطع النظر عن الأسباب الهيكلية لتردّي حالة كرتنا، هناك عامل أخاله لم يأخذ حظّه من التحليل، وهو الهشاشة الذهنية للاعبينا. أصبح الأمر يشبه القاعدة: كلما مررنا بمرحلة جيدة وحقّقنا نتائج محترمة، فإنّ أقلّ عثرة كفيلة بأن تبعث فينا الشكوك إلى أبعد الحدود. هذا ما حصل معنا إثر تصفيات كأس العالم التي تجاوزناها بسهولة ودون قبول أيّ أهداف، ممّا سلّط الأنظار علينا نوعا ما. وجاء تعادلنا مع البرازيل لنبلغ أوج الثقة، وحينها جاءت العثرة…التي كانت منتظرة.

أظنّ أنّ مشاركتنا في الكأس العربية للأمم لم تكن خطوة محسوبة جيّدا. شاركنا بتشكيلة لم تكن فريقنا الأوّل، وفي نفس الوقت كان فيها عدّة عناصر منه. وعكس منتخبات أخرى (كالمغرب) التي اتخذت قرارا واضحا بأن يشارك المنتخب الثاني بقيادة مدرب منتخب المحليين أو مدرب المنتخب الأولمبي، ذهبنا إلى قطر بقيادة الإطار الفنّي لمنتخبنا الأوّل. أوحى ذلك، بعد تعادل البرازيل، أننا ذاهبون هناك للظفر باللقب، وأظنّ ذلك لم يكن واقعيا بالمرة، لأنّه قبل يوم واحد من مباراتنا ضد سوريا، كان معسكر المنتخب لا يزال منقوصا من تسعة لاعبين على الأقل. يفترض ذلك أحد أمرين: إما أننا لم نكن ننوي الانتصار ضدّ سوريا، أو أننا ظننّا أن المباراة سهلة للغاية! وطبعا اتضح أنها ليست سهلة بالمرة، رغم سيطرتنا على مجريات المقابلة.

بعد خسارتنا أمام سوريا، يبدو أنّ الشكوك بدأت تتسرّب، وكان لا بدّ من الترشّح إلى الدور الموالي لتبديدها. ولكنّ مباراة فلسطين لم تلبث أن أكّدتها، فرغم تقدّمنا بهدفين، قدّمت فلسطين أداء بطوليا مكّنها من العودة في النتيجة، وهو ما أعلن بشكل حاسم نهاية أسطورة الدفاع الحديدي. ولم تنجح مباراة قطر، نظرا لطابعها الشكلي تقريبا، في تجاوز ذلك، رغم أني أزعم أنّها تمثّل الأداء الحقيقي لمنتخبنا حين يكون متحرّرا من الضغوط، إذ حققنا انتصارا سهلا على بطل آسيا بتشكيلته الأولى في عقر داره.

خروجنا من الدور الأول في كأس العرب جعلنا ندخل بمعنويات مهتزة. رغم الانتصار أمام أوغندا، جاءت هزيمتنا أمام نيجيريا لتؤكّد معاناتنا التاريخية كلمّا واجهنا أحد كبار القارة، حتى إن لم يكن في أفضل حالاته. عندما وصلت النتيجة إلى ثلاثية نظيفة في ساعة ونيف، فكلّ شيء كان يوحي بالانهيار، رغم تداركنا النسبي في النهاية. وآنذاك، ارتسم في الأذهان أنّ مواجهة أيّ منتخب سيكون عقبة كأداء، حتى إن كان منتخبا متوسطا يلعب منقوصا منذ منتصف الشوط الأوّل.

أظنّ أنّ القراءة الجيدة لذهنية لاعبينا كانت تتطلّب، منذ البداية، التضحية بالكأس العربية. من الواضح أنّ لاعبينا الناشطين في الدوريات العربية ليسوا في المستوى الذي يخوّل لهم المنافسة على اللقب، لا سيّما في ظلّ الغيابات العديدة في المباراة الأولى. كان أحرى أن يذهب منتخب شاب بغير المدرّب الأوّل، ولن يلومه أحد على الانسحاب المبكّر، في حين أنّ أيّ نتيجة إيجابية كانت ستعزّز المعنويات بشكل كبير.

هذه ليست ظاهرة طارئة. لنا تاريخ طويل يؤكد معطى الهشاشة الذهنية لمنتخبنا. لنذكر عهد روجي لومار. يمكن أن نقسّمه إلى فترتين: الأولى زاهية توّجنا خلالها بكأس إفريقيا وترشحنا إلى كأس العالم وقدمنا أداء محترما في كأس القارات، وفترة ثانية كان فيها الأداء مهزوزا وانحدر فيها المنتخب إلى الصف الثاني في القارة. ما كانت نقطة التحوّل؟ مباراة هامشية خضناها ضدّ غينيا في كأس إفريقيا 2006. كنّا فزنا في المبارتين الأوليين بسهولة، وخضنا المباراة الثالثة بالتشكيلة الثانية، رغم أنّ غينيا كانت فريقا جيدا للغاية، وانهزمنا بثلاثية. عندها، كأننا نسينا كلّ ما بُني في المنتخب منذ 2002، وغرقنا في المخاوف. وكانت النتيجة أننا لم نعد قطّ إلى نفس المستوى السابق.

لنذكر كذلك تصفيات كأس العالم 2010. كنّا خضناها بأداء محترم إلى حدّ المباراة الأخيرة، ولا شكّ أنّ الكثيرين يذكرون الأداء المميز ضد نيجيريا في لاغوس (2/2). ولكنّ هزيمتنا ضدّ الموزمبيق قلبت كلّ شيء رأسا على عقب. وقتها أقيل المدرب كويلهو وجيء بفوزي البنزرتي في مناخ متشنج للغاية، كتشنج البنزرتي نفسه في حادثة "كليكايا نيقاتيف"، وكانت النتيجة الحتمية الانسحاب من الدور الأوّل لكأس افريقيا رغم أنّنا كنّا نملك فريقا جيدا للغاية على الورق، فالمساكني والدرّاجي والذوادي وحقّي على سبيل الذكر لا الحصر كانوا آنذاك في أوج عطائهم. صحيح أنّ هزيمة الموزمبيق كانت قاسية، وحرمتنا من التأهل لكأس العالم للمرة الرابعة على التوالي، ولكن لم يكن الفريق بالسوء الذي يبرّر هدمه والبناء من جديد في فترة قصيرة للغاية.

تحتاج هذه الهشاشة الذهنية دون شكّ إلى مزيد التحليل، خاصة وأنّ لها تمظهرات أخرى. مثلا، لماذا يفشل اللاعب التونسي في الاحتراف بأوروبا؟ لماذا يبلغ اللاعبون المصريون والجزائريون والمغاربة مستويات عالمية، في حين أنّه لا يتجاوز اللاعبون التونسيون عموما مستوى الفرق المتوسطة؟ دون فهم معمّق للعامل النفسي، سيظلّ تغيير المدربين مجرّد إجراء اعتباطي لا غاية تُرجى منه إلا تخفيف حدّة الانتقادات، وهي انتقادات يتفنن في إلقائها شعب الله النبّار.


الخميس، 6 نوفمبر 2025

نحن، من تنفسنا الحرية...



أنا من جيل تربّى على الخوف. كنا نتعلّم الصمت قبل النطق، ونفهم أن الحديث عن الشأن العام ليس شأننا. كبرنا في بلد يكتسي البنفسجي ويقدّس الرقم سبعة. علّمونا أنّ التفاعل الوحيد الممكن مع الخطابات الجوفاء هو التصفيق.
ثم جاءت الثورة، ففُتح الباب على مصراعيه. اكتشفنا أن الكلام لا يقتل. اكتشفنا أنه من الممكن أن نسمع أكثر من صوت ونرى أكثر من لون. اكتست تلك السنوات العشر بالفوضى، كما اكتست بالحياة. جرّبنا كلّ شيء ولم نحجم. جرّبنا السياسة والنقاش والمبادرات والاحتجاجات، والفشل أيضا. أخطأنا كثيرا، لكننا كنا أحياء. الحرية إدمان جميل، كلّما ذقنا منها، اشتدت حاجتنا إليها.
لكن شيئا ما انكسر في الطريق. في لحظة إعياء جماعيّ، أو ربما غفلة، تركنا الباب يُغلق من جديد. تسلّل الخوف مرّة أخرى، لكن هذه المرّة بوجه آخر لم نتعوّده: وجه متجهّم إلى حدّ الكوميديا. صارت القبضة الحديدية تلوّح مقهقهة، لا تخفي استهتارها، ولا تسعى حتى أن تجد تعلات لتغوّلها. عدنا إلى الصوت الواحد، ولكنه هذه المرة صوت لا يسمع إلا نفسه. لا يسعى لإقناعنا، ولا يحترم ذكاءنا. بل أنه لا يعتبرنا موجودين أصلا!
تضيع البلاد من بين أيدينا كما يتسرّب الرمل من الكفّ. ليس لأن أحدا انتزعها منّا، بل لأننا نحن تخلّينا عنها قليلا كلّ يوم. لا مبالاتنا صنعت هذا المسخ الذي نسميه واقعنا اليوم. هذا القوس الأسود سينتهي بلا شك، فكلّ استبداد يحمل بذرة فنائه. لا يمكن لهذه الرداءة المعممة أن تدوم، ببساطة لأنها رداءة! هي تداري عجزها وترقّع ثوبها لكنّ مآلها أن تنكشف، كالتلميذ الرديء الذي يمكن أن يغشّ أو يمثّل ثمّ يسقط عندما يوضع في امتحان حقيقي. لكنّ الثمن سيكون فادحا. سنفيق على مؤسسات مهدّمة، واقتصاد يترنّح، ونخبة أنهكها العجز أو الصمت.
حينها، سنضطر أن نبني كلّ شيء من البداية، ونحن نحمل بذرتها في أنفسها، حتى وإن توارت خلف الظلّ لفترة. البداية تكون بالحرية. نحن لا نستحقها فقط، نحن لا نكون من دونها. هي التي تجعلنا نرى أنفسنا، ونحمل البلاد معنا ونرى الممكن حقا دون أوهام أو تهيّؤات.

الأحد، 19 أكتوبر 2025

الأمن...فوق الجبل


منتزه النحلي من أماكني المفضلة. أشعر أني محظوظ لأني أسكن على مقربة منه. هو فسحة يندر أمثالها في العاصمة وضواحيها لاستنشاق جرعة من الهواء النقي وقضاء وقت هادئ.

في ذلك اليوم، كُنت قد بدأت أشفى من نزلة برد حرمتني من ممارسة الركض هناك لعدّة أيام. قرّرت أن أقضي عدّة ساعات هناك كنوع من الاستشفاء الجسدي والنفسي.

بعد أن أتممت لفّتين أو ثلاثا من الركض في المسلك الصحي، اخترتُ مكانا للجلوس تحت أشجار الصنوبر بعيدا عن المسلك الرئيسي، فعلى رغم هدوء المكان عموما، فلا يخلو الأمر أحيانا من بعض المشاة ذوي الأصوات العالية، ولم تكن لي رغبة بالمرة في مواجهة مثل هذا الإزعاج.

يمرّ الوقت هناك دون أن أشعر به. عادة ما أقضيه في التأمّل وتقليب الأفكار والكتابة والمطالعة. كنت بصدد ممارسة هذا الروتين لمّا طرقت مسامعي أصوات سنابك الخيل. لم أستغرب ذلك، فطالما رأيتُ أعوانا من وحدات التدخل يأتون بشاحنات كبيرة محمّلة بالخيل إلى المنتزه، وافترضتُ أنّ تدريبها يقتضي إطلاقها في أماكن فسيحة كالنحلي.

كانت الأصوات تقترب منّي دون أن أعيرها اهتماما. كنتُ منشغلا في الكتابة. بعد ثوان، كان رجل أمن يقف على صهوة جواده أمامي. ألقى التحية فرددتها عليه. سألني: أتركض هنا؟ أجبته دون أن أرفع عيني عما أكتبه: نعم، وها أنذا أستريح. قال: هات بطاقة التعريف!

نظرت إليه مذهولا. لم أكن أظنّ أنني سأحتاج في خلوة على الجبل إلى الاستظهار بهويتي، وفي الحقيقة أنني نادرا ما أحملها حين الركض، ولم أكن متأكدا من أنها معي في تلك اللحظة. همست في تردّد وكأني أتأكد: ماذا؟ أجابني بصوت معروف لدى عموم المواطنين: طقتتعريف!

تحسست الحقيبة الصغيرة التي أضع فيها قارورة الماء بتوجّس، ثم تنفست الصعداء. يبدو أن العناية الإلهية أوحت إليّ أنني سأتعرض لمثل هذا الموقف، فألقيت بحافظة أوراقي وسط الحقيبة قبل أن أخرج.

مددت إليه البطاقة دون أن أغادر مكاني، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة. طبعا، واجبي كمواطن أن أجعل الأمور أيسر على السيد العون. نهضتُ متثاقلا ومددت إليه البطاقة. نظر إليها وقلّبها ثم قال: ألم ترتكب شيئا؟ أجبت: لا. قال محذّرا: يمكنني أن أتأكد من ذلك. أجبته: افعل إذا شئت.

ردّ إليّ البطاقة وقال فيما يشبه التفسير: إنه مجرد 'كونترول' فلا تقلق. لم أدر لم كان عليّ أن أقلق. تذكرت صديقا من أستراليا كان يقول ساخرا: "عمليات المراقبة هذه لا تجدها إلا في الدول المتخلفة، كتونس وفرنسا! ففي الدول التي تحترم مواطنيها ليس من حقّ الأمني أن يتعرّض لك بأيّ شكل إلا إذا كان هناك داع لذلك". أجبت العون على كلّ حال: أفهم ذلك. تركني ومضى.

عدت إلى مكاني تحت الشجرة، وقد تكدّر صفوي. كنت أنوي قضاء صباح هادئ في مكاني المفضل وسط الطبيعة، فوجدتُ نفسي عرضة للاستجواب الأمني. من حسن حظي أني كنت أحمل بطاقة تعريفي. يجب أن تكون معي دائما، حتى لو كنت أغوص في أعماق البحر! ماذا كان يحدث لو أنها لم تكن معي؟ ربما كنت ستتصدر صورتي نشرات الأخبار مع عنوان بارز "القبض على عنصر من العناصر التي تتدرّب في الجبل". تنهّدت وأنا أفكّر في حماقتي إذ أنشد شيئا من السلام في بطن الطبيعة. ظننت أني أتحرر هناك. لعلّ الحرية مجرّد استراحة قصيرة بين عمليتي تفتيش.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

الطائر الهاوي...تجربتي الأولى مع الموت

حدث ذلك في عُطلة، أخالها عطلة الربيع، لمّا كنتُ في سنّ السادسة. كعادتي وعادة لداتي من أبناء العائلة، كُنت أقضي أغلب أوقات الفراغ، إن لم نقل كلّها، بدار جدّتي. كنّا نلهو طول الوقت متمتّعين باللمجات التي لا تنتهي التي تمدّنا بها ميما. كان يوما معتدلا مناسبا للعب في الفضاء الخارجي. كنّا نتقاذف الكرة في الفناء الاسمنتي المجاور للمطبخ. لا أدري كيف كان ذلك المكان الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار مربعة يسعنا.
قطع لهونا صوت خافت يشبه الزقزقة. لم نبحث طويلا. قرب الحائط الخارجي، كان هناك عصفور صغير واقع على الأرض. أظنه كان من نوع الدوري (البوزويش). لم نكن نعلم تحديدا من أين أتى، ولكن كان هناك عشّ مُقام على عمود الإنارة على الجهة المقابلة من النهج، وافترضنا أنه سقط من هناك، وإن لم نلحظ أثرا لعصافير أخرى من نفس النوع يومها.
تحلقنا حوله. كان بالكاد يتحرك، ويبدو أنه يتنفس بصعوبة. لم نعرف ماذا نفعل معه. كيف بالإمكان أن ترعى طائرا لا يقدر على الطيران؟ خمنّا أنه لا شكّ عطشان وجوعان. كان لنا شيء من الحبوب التي كنّا نطعم بها الصيصان التي نشتريها والتي لا تعيش إلا لساعات أو أيام على أقصى تقدير. جئناه بشيء منها فلم يتناول منه شيئا. ولكن لمّا جئناه بالماء، شرب منه شيئا قليلا، وهلّلنا كلنا لذلك.
قضينا ساعات برفقة ذلك الطائر. كنّا ننتبه لكلّ حركة يبديها ويخيّل إلينا أنها دليل على أنه يتعافى. حفظنا ملامحه حتى خلنا أنه بإمكاننا أن نميّزه عن أقرانه، بذلك الاحمرار الخفيف الذي يمتزج بالبنّي في أعلى رأسه وجناحيه، وبتلك البقعة السوداء الصغيرة أسفل منقاره، وبذلك الملمس الناعم لزغبه الأبيض الذي يغطي بطنه وبتلك الرنة الخافتة في صوته المتعب.  بل أننا بدأنا ننسج مخططات لمستقبله: هل نخصص له قفصا يكمل فيه تعافيه بعيدا عن القطط والكلاب التي تتربص به؟ أم يجدر أن نطلقه في الطبيعة فورا؟
من العجيب أنني لم أمنحه اسما. كنت مولعا بتسمية كل شيء، كأنني أقفو أثر جدّي آدم. لكنّ التسمية امتلاك، ولعلّي كنت أستبطن أنّه مما لا يمكنني امتلاكه.
بعيد الغداء، أردنا تفقّده، ولكنه لم يكن يتحرك. ما باله؟ ألم يكن يومئ برأسه ويشرب الماء قبل قليل؟ ألم تتحسن حاله حتى خلنا أنه سيعود إلى الطيران قريبا؟ في خضمّ تلك الحيرة، لا أدري تحديدا من نطق بتلك الجملة "لقد مات"...
وجدت نفسي أنفجر في نوبة طويلة من البكاء. ربما كان ذلك حزنا على ذلك الكائن الرقيق الذي أفقده حادث عارض حياته. ربما كان ذلك أسفا على صداقة مأمولة بدأت أنسج أحلامها. ربّما كان ذلك خوفا من هذه النهاية المفاجئة التي تعصف بالأرواح...
أخذ الجميع يواسونني ويحاولون تهدئتي، ويعدونني باقتناء طائر أجمل. لكني لم أكفّ عن البكاء. تفتقت قريحة ابن عمي عن فكرة سرعان ما رضيت عنها: سنقيم مراسم دفن لهذا العصفور. أعددنا ما يشبه التابوت من الأخشاب التي كانت بورشة جدي. حفرنا حفرة صغيرة قرب مدخل الدار ووضعنا جثة العصفور هناك، وغطيناها بتلك الأخشاب. لعلّ أحدنا نطق ببعض الكلمات التأبينية حينها. وهكذا ودّعت ذلك الكائن الذي عبر حياتي لساعات... 

الاثنين، 29 سبتمبر 2025

إغراء الوردة

أن ترى وردة
تتفتح ذات صباح
تحيط بها غيمة من ندى
تتثاءب والعطر ييمم شطرك
تُفتح فيك حواس جُددْ
أنت تسبح في عالم من أثير
يهيل الضباب على يومك المتكرر
تغمض عينك 
تهمس: أيّ مدد؟
لتحاذرْ وأنت تجدّد روحك
من ذلك الظلّ فيك
تراه يراود ذاك النزوع القديم
ينادي لتقطفها
لتصير بين يديك
مِلكا بلا شركاء 
ودون أحدْ
ربّما تنتشي لحظة
ثمّ تنسى...
وتصبح روحك قبرا لها
حينها تتبخّر لحظتك الساحرهْ
وتعود إلى ملل اليوم
تغدو أسير الأبدْ...

الاثنين، 22 سبتمبر 2025

متى نقطع مع اقتصاد الرخص؟


مرّت سبعون عاما تقريبا على الاستقلال، وأكثر من خمسين على قانون 1972، ولا يزال الاقتصاد التونسي يقوم على مبدأ واحد: الرخص.

يتجلّى هذا الرخص أولا في الأجور. الأجر الأدنى 528 دينارا، أي 150 أورو، عُشر ما هو معمول به في فرنسا. هناك يمكّن الأجر الأدنى من حياة كريمة، وهنا لا يكفي لتغطية أبسط الحاجات. كل زيادة تُمرّر بخوف: خوف من هروب المستثمر الأجنبي، والعياذ بالله!

يكمن الرخص أيضا في علاقتنا بالقوى المصنّعة. نحن لا نصنّع منتَجا كاملا، بل نكتفي بقطع وأسلاك. في الماضي كنّا نركّب سيارات وحافلات، أما اليوم فلا إرادة ولا سياسة لتجاوز موقع المُناولة (الذي، للمفارقة، ألغيناه داخليا).

وفي زيت الزيتون، الأمر أدهى وأمر. نحن من كبار المنتجين عالميا، لكننا لا نتمتّع به إلا بعد أن يُلبَّى طلب الخارج. والأسوأ أنه في الغالب يُصدَّر دون تعليب، لتشتريه شركات إسبانية وإيطالية وتضع أسماءها عليه. مسؤولون خرجوا لتبرير هذه السياسة، دون أن تخطر ببال أحدهم خطة لصناعة علامة تونسية تفرض نفسها.

أما السياحة، فهي الرخص يمشي على قدميه. بعض الأوروبيين يتبجّحون بأن قضاء عطلة في تونس أرخص عندهم من البقاء في بيوتهم. في المقابل، صار على المواطن التونسي أن ينفق راتب شهر كامل ليقضي نهاية أسبوع في نزل ببلده. هذا دون أن ننسى أنها قطاع هشّ لا يوفّر سوى شغلا هشّا، في مقابل بضع عملات صعبة.

هذا ليس قدرا. إنه خيار اتخذته الدولة في مرحلة مبكرة وكان من المفروض أن يكون وقتيا وأن يقع تجاوزه تدريجيا. المقابل الوحيد الممكن للرخص هو الكرامة. وما أحوجنا إلى سياسات عمومية تعيد إلينا كرامتنا.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

ثمن السهولة


ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة. يكفي أن ترى كيف ينفق الذين حازوا أموالا طائلة عن طريق الرهان ما كسبوه، ومثل ذلك من يرثون ثروات كبيرة. لكنّ الأمر يتجاوز الجانب المالي. أعتقد أنّ نفس الشيء ينطبق على العلاقات، لا سيّما العاطفية منها. إذا كان كلّ شيء يسيرا ميسّرا منذ البداية ولمدة طويلة، فمن المرجّح ألّا تدوم العلاقة طويلا. إذا لم تكتسب العلاقة جانبا يحتوي على نوع من التحدّي أو المغامرة، فمن المحتمل أن يملّها أحد الطرفين أو كلاهما بعد بعض الوقت. قد يكون التوافق في الطباع والميول مدهشا، ولكن ما فائدة أن يعيش المرء مع نسخة من نفسه؟ إذا لم يكن هناك صراع ما، حتى إن كان طفيفا، فستذوي جذوة الاهتمام. الأمر شبيه تماما باللعب: إذا كانت اللعبة سهلة للغاية، فلن تضحي مسلية بعد فترة. كما إذا كانت صعبة للغاية، فسينفد الصبر منها. الأمر كلّه يتعلّق بدرجة الصعوبة وطبائع التعامل معها.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

وليمة الظل

يتغذى الوحش على النقاء. هو وحش، تعتمل فيه الغرائز البدائية، لا يعرف غيرها ولا يطيع إلّاها. إلا أنّ له ما يكفي من الوعي ليفهم أنه يُنظر إليه بمرتبة أقلّ من الآدمية، فيهتاج ويثور.

ليس له إلا فراؤه، فلا سبيل له لأن يتّخذ هنداما أنيقا يرد به المحافل والملاهي. لا صوت له إلا العواء، فلا مطمع له من ذلاقة اللسان ما يفتح له الأبواب المغلقة.

يجد لنفسه سبيلا أخرى. يختار لنفسه فريسة. يسعى في اختيارها أن تكون غريرة، لا تعرف شيئا عن طبائع الهوام ولم يفسدها بعد تبدّل الأقنعة.

يستدرجها إلى مكان معزول، حيث يُجهز عليها. لا يكون همّه في تلك اللحظة أن يقتات، بل أن يصعد بقوائمه فوق براءتها. ينهش عظامها ويمزّق لحمها، ثم يعوي فوق ما تبقى منها. يشعر لبرهة أنّ دماء نقية تجري في جسده.

الخميس، 17 يوليو 2025

الأربعون...عندما هرمتُ دفعة واحدة


عندما بلغ المنفلوطي سنّ الأربعين، كتب مقالة يقول في افتتاحها: "الآن وصلتُ إلى قمة هرم الحياة، والآن بدأتُ أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيع أن أهبط بهدوءٍ وسكونٍ حتى أصل إلى السفحِ بسلام، أو أعثر في طريقي عثرة تهوي بي إلى المصرعِ الأخير هويّاً."

منذ قرأت هذه المقالة، ولمّا أكن جاوزت العشرين، وأنا أفكّر فيما عساني أقول إن بلغتُ هذه السنّ. كانت هذه اللحظة تتراءى لي بعيدة للغاية، في وقت كان فيه البعد الرومنطيقي-التراجيدي غالبا عليّ، فزعا ربّما من شبح الشيخوخة وطموحا إلى شباب أبديّ كالذي ناله أبو القاسم الشابي مثلا. وربّما كنت أعزّي النفس بالتفكير أنّها سنّ النبوة. من يدري؟ لعلّي إن بلغتُها أكون قد اقتربتُ فعلا من تلمّس شيء من "الحكمة".

جاءت هذه اللحظة أخيرا. لم ينزل عليّ الوحي حينها، ولم أبق فتيا كالشابي. وإنّما كنتُ في منعرج جديد على طريق الحياة. لا شكّ أنّني مررتُ بمنعرجات عديدة قبله، لكنّ هذا هو أخطرها بلا مراء. وجدتُ نفسي في هذه السنّ أتحمّل مسؤولية قرارات اتّخذتها عن وعي واستعداد لدفع الثمن، كما وجدتُ نفسي أتحمّل مسؤولية كلّ القرارات التي تردّدت في اتخاذها وأحجمت عن خوضها. كلّ ما خفتُ منه وتجنّبته طيلة سنوات عاد ليلسعني في قدمي كالعقرب، لأرتدّ متوجّعا حائرا أتساءل إن كان عليّ أن أبدأ الطريق من جديد.

تسقط طواحين الهواء في الأربعين. هي لا تتحلّل شيئا فشيئا، بل تتبخّر كأن لم تكن، لتتركك في مواجهة الواقع وصفعاته. ربّما اتّقيت بمثالياتك الكثير من السموم، ولكن ما كان بوسعك أن تظلّ بمعزل عنها إلى الأبد. أبيت أن تكبر، ثمّ هرمتَ فجأة، في لحظة واحدة.

في الأربعين، تصير حصينا تجاه الخيبات. قد تلقّيت منها جُرعات عديدة، فلم يعد لديها أيّ أثر عليك. آمنت، في لحظة ظننتها استثنائيةـ سُمّيت لاحقا بالانفجار غير المسبوق- أنّ كلّ شيء سيتغير وأنّ التاريخ نفسه سيتّخذ مسارا آخر نحو الحرية والكرامة والعدالة لكيلا تظلّ حكرا على أمم دون أخرى. ثمّ أفقت وأنت تقرّع نفسك أن لم تكن قفزت من المركب قبل أن تغرق.

في الأربعين، لا شيء مهمّ سوى المتع الصغيرة. أضحت السرديات الكبرى تثير لديك ضحكة ساخرة. أصبحتَ تبحث فقط عن قطع صغيرة من السلام: جلسة طويلة تحت شجرة صنوبر، غطسة في بحر معزول، ضحكة مجلجلة من طفلك، حضن دافئ، قطعة من موسيقى اكتشفتَها للتو، ثمالة قهوة نسيت وجودها في الفنجان…

لم يعش المنفلوطي حتى يحدّثنا عن الخمسين وما بعدها. من يدري ما كان عساه يقول؟ لعلّه كان يجد في الانحدار من أعلى هرم الحياة مباهج لم تخطر له ببال. أو ربمّا أنا فقط أعلّل النفس بالآمال أرقبها… 

السبت، 17 مايو 2025

صديقي الخنزير الوحشي


 
في المرّة الأولى التي واجهت فيها خنزيرا وحشيّا، ظننتُ أنّي على وشك الموت.

كان ذلك منذ ثماني أو تسع سنوات. كُنتُ أسير في منتزه النحلي، في طريق العين القديمة تحديدا. بدا لي أن أطيل نزهتي، من باب الرياضة، فسلكت سبيلا غير مطروق ومشيتُ فيه لساعة أو نحوها حتّى حسبت أنني على وشك أن أضلّ. كُنتُ على بعد كيلومترات من المدخل الرئيسي، لمّا رأيته.

كان ينزل من أعلى الجبل ماشيا الهوينى. وصل إلى المسلك الذي كنتُ أتبعه وتوقّف للحظة ونظر إليّ. جمد الدم في عروقي، ولعلّ المشهد الذي استحضرته ذاكرتي في تلك اللحظة هو مقتل الطفل في شريط "ريح الفرنان" على يدي حيوان مماثل. هيّء إليّ حينها أنّ الواقف أمامي بحجم الثور. لم أعرف ما عليّ أن أفعل، فلا أحد على مقربة منّي بإمكانه أن ينجدني، ومن الأكيد أنّه لم يكن من الممكن أن أركض أسرع منه. المعلومة الوحيدة الّتي خطر لي أن أستعملها -وهي على الأرجح مأخوذة من وثائقيّ عن الدببة ولا علاقة لها بالخنازير- أن أظلّ واقفا مكاني دون حراك حتى لا أستفزّه. وكان ذلك ما فعلته.

لم يدم الموقف سوى بضع ثوان. لم يعرني ذلك المخلوق الضخم أيّ اهتمام، وأكمل طريقه نزولا. تنفّست الصعداء وحثثت الخطى نحو أقرب مكان عامر لأشعر بالأمان، ولم أذهب نحو تلك المسالك القصيّة منذ ذلك الحين. كُتب لي عمر جديد إذ نجوت من ذلك الحيوان الضاري. أوَ لم يقتل أدونيس الأسطورة على يدي خنزير وحشي؟ أوَ لم يتعرّض الملك روبرت باراثيون لنفس المصير؟ لا شكّ أنّني محظوظ جدّا لأنّي سلمت مما وقعت فيه هذه الشخصيات الخيالية.

لكنّ الخنزير الوحشي هو كذلك بومبا، رفيق النمس تيمون في مغامرات الصور المتحرّكة. وهو هناك مخلوق ظريف، رغم نتن رائحته، يعيش وفق مذهب الهاكونا ماتاتا (أي دون أيّ قلق). أخال خنازير النحلي من هذه الطينة. تعدّدت لقاءاتنا بعد هذه المصافحة الأولى، وأصبحت تغشى الأحياء القريبة من النحلي، كرياض الأندلس والنصر، فيمكن أن تشاهد سربا من الخنانيص تقطع الطريق باحثة عن الطعام في النفايات، ولا يبدو أنها آذت أحدا. يبدو أنّ نعت "وحشيّ" صار مجازا، إذ لم تعد هذه الحيوانات تخشى الناس، فهي لا تهرب حين رؤيتهم وإنما تواصل أكلها في هدوء. كما لم يعد الناس يخشونها. منذ أسابيع، شاهدت أبا وابنيه (الذين لم يكن أكبرهما يتجاوز ستّ سنوات) يقفون على مسافة مترين من الخنازير متأمّلين إيّاها بعجب، فيما الأب يصوّرها بهاتفه. قد أصبحت الخنازير الوحشية حيوانات أليفة الآن!

أقرأ أحيانا منشورات من المتساكنين يبثّون من خلالها تخوّفاتهم من تكاثر الخنازير، وعادة ما يعلّق عليها البعض أنّ هذه الحيوانات في بيئتها الطبيعية، وأنّ البشر هم من يزعجونها لا العكس. أبتسم لقراءة مثل هذه التعليقات، فلو كنّا حريصين فعلا على احترام الطبيعة وكائناتها، لَما بُنيت أحياء -بل مدن- بأسرها فوق غابات ومناطق جبلية، دون أيّ اعتبار للتنوّع البيولوجي ولحقّ الكائنات- من غير البشر- في الحياة. فات الأوان على هذا العيش المتناغم مع الطبيعة! أمّا إذا شئنا أن نعبّر عن تعاطفنا البالغ مع هذه الكائنات الوحشية المسكينة، فيُمكن مثلا أن نشيّد تمثالا ضخما لخنزير وحشي في مدخل النحلي (يسجّله مسؤول ما في قائمة إنجازاته) أو ننشئ فريقا رياضيا نُطلق عليه اسم "الخنزير الرياضي بالنحلي". ربّما سيأتي يوم يصبح فيه الخنزير الوحشي رمزا من رموز البلاد، فنراه على ورقة المائة دينار (عندما تصدر) أو يتصدّر حملات السياحة البيئية. حينها، سأحكي لابني أنني من الأوائل الذين صادقوه قبل أن يصير نجما. وسأضيف بفخر: لقد نظر إليّ في العين مباشرة... ولم يهاجمني!


الأحد، 20 أبريل 2025

هذا ليس شعرا



إذا كنت تقرأ شعري
وفكّرت: ليس له أيّ معنى
فأنت محقّ
فكاتبه نفسه ليس يفهمه
وإذا ما رأيت الخيال نحيلا
كأنّ به علّة الموت
لا تتعجّب
فإنّ المداد رسول السواد
وإن جَرَحَتْ صورة ما شعورك
فاللطفَ أطلُبُ يا صاح
قد مرّ بي مثل ذاك
إذا ما كرهت نشاز القوافي
وقلت: عساه يعلّبها مثلما اعتاده الشعراء
فأنت تصيب فؤاد الحقيقة
لكنّها هكذا قَدِمَتْ
ليتها طَلَبت منك إذنا!
لعلك لست ترى ذاك شعرا
صدقت وأبررت
حتى أنا، كي أكون صريحا، أراه كذلك
لا لون فيه خلاف الرماد
ولكن تعال أخبّرك 
بعض المجانين يركب مكنسة
كي يطير تجاه الأعالي
فلا تأخذ الأمر جدّا
ودعني أحلّق فوق جوادي

الأحد، 13 أبريل 2025

الجدارة في مقابل التبادلية

 


في عالم مثالي، تكون الجدارة معيار التقييم الوحيد.  بمعنى أنه لينال الإنسان شيئا، ينبغي أن يكون مستحقّا له، سواء بالنظر إلى كفاءته الشخصية (كحقه في أن ينال عملا يناسب مؤهلاته) أو إلى حقوقه (كأن يتحصل على خدمة معيّنة لكونه مواطنا أو مستهلكا أو تلميذا أو غير ذلك من الصفات). ومن واجب القانون، كمنظومة مثالية نظريا، أن يكرّس مثل هذا التطابق.

لطالما آمنت بأن الجدارة هي الطريق الوحيد الذي يمكن سلوكه. ربما كان ذلك بفعل نزعة مثالية مزمنة جعلتني أميل إلى ما يجب أن يكون، لا ما هو كائن، أو ربما لأن تكويني القانوني رسّخ لديّ قناعة بأن الحقوق يجب أن تُمنح لا أن تُفتك، وأن الكفاءة يجب أن تُكافأ لا أن تُساوَم. كنت أرى الجدارة كمقياس طبيعي، إن اختلّ، اختلت معه قيم المجتمع ومعايير النجاح. كل ما عداها، في نظري آنذاك، لم يكن سوى تسميات مخففة للمحسوبية والفساد.

لكن مع الوقت، ومع خيبات شخصية صغيرة راكمتها التجربة، تجاوزت غرارة الصبا وبدأت أفهم. بدأت أرى كيف أن العالم، أو على الأقل مجتمعنا، لا يشتغل بمنطق الجدارة بقدر ما يتحرك بقوانين التبادلية.  الناس لا يتعاملون معك على أساس ما تستحقه، بل على أساس ما يمكنك أن تمنحهم إياه، أو ما تقدر على فعله من أجلهم. المحسوبية لم تعد تبدو لي انحرافًا عرضيًا عن المسار، بل صارت جزءًا من نظام كلّي له منطقه الخاص، منطق لا يعترف بالاستحقاق إلا إذا جاء مرفقًا بمنفعة متبادلة.

الأمثلة على ئلك أكثر من أن تعدّ. يكفي أن ترى كيف تُقضى الحوائج في الإدارات. إذا كنت مبعوثا من سي فلان، فستفتح أبواب كانت مغلقة. أمّا إذا لم يعرفك أحد، فحتّى الأبواب المفتوحة يمكن أن تُغلق. وأهل الإدارة بارعون في إيجاد الحجج التي تعفيهم من القيام بأيّ شيء. الوظيفة لا تعني خدمة الصالح العام، بل هي نفوذ ممنوح بسلطة تقديرية تمكّن صاحبها من إسداء خدمات معيّنة والحصول في مقابلها على خدمات مماثلة. أمّا إذا لم يكن لك ما تستند إليه سوى حقّك، فستكون أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام.

في الميدان الثقافي، وهو ميدان من المفروض أن يكون راقيا، الموهبة الصرف تضيع بسهولة إذا لم يكن لصاحبها ما "يفيد" به الفاعلين في المجال. جزء لا بأس به من الاستضافات في الملتقيات الأدبية يخضع لهذا المنطق: أستضيفك اليوم لتستضيفني غدا (غالبا على حساب المال العمومي في كلتا الحالتين) أو لتكتب عنّي أو لتقتني منّي نسخا من إصداري الجديد الذي كان ليتعفّن في قبو ما. أعرف عدد من الأصوات المميزة التي كانت تبشّر بمستقبل زاهر في الميدان الأدبي قبل أن يأكلها النسيان لأنّه لم يكن لها قيمة تبادلية في هذا المسار. هي موهوبة وكفى، فلتبق موهبتها دفينة ما دمت لن أستفيد منها شيئا! هذا ممّا يفسّر بشكل جزئي ركود الساحة الأدبية عندنا، فهي في الغالب لا تقوم على التميّز.

ويبلغ رهان التبادلية أقصاه في الميدان السياسي وبخاصة وقت الانتخابات. في وقت مضى، عندما كانت لنا بعض الحريات، كان هناك من يرفعون أصواتهم للتنديد بـ"المال السياسي الفاسد" في خضمّ الانتخابات. وفي الحقيقة، ليس المال إلا جزءا من المعادلة. من خلال قراءة كتاب جماعي صدر منذ بضعة شهور بإشراف المولدي الأحمر بعنوان "الانتخابات التشريعية في تونس بعد الثورة: نقد أسس المشروعية السياسية للنخب"، يمكن أن نفهم أنّ جزءا كبيرا من التحشيد الانتخابي لم يكن يستند لا على البرامج ولا على المواقف، وإنّما بالأساس على هذا المنطق التبادلي. بمعنى آخر، كفاءة المترشّح أو نزاهته أو فصاحته لا تهمّ بقدر ما يهمّ النفع الذي يمكن أن يقدّمه لي بشكل مباشر. إذا أمكنه توظيف ابني أو التوسّط لإخراج ابن أخي من مركز الإيقاف، فهو مرشّح جيّد وسأصوّت له. أمّا إذا لم يكن له من المزايا سوى برنامج يعد بالعدالة الاجتماعية وسيرة تزخر بالإنجازات الأكاديمية ومسيرة نضالية باهرة، فذلك لا يعني شيئا! وهكذا، خسر كثير من المتمرّسين في النضال السياسي المعارك الانتخابية لأنهم لم يفهموا كيف يفكّر الناخب.

ربّما حاولت الدولة الوطنية في بادئ الأمر تكريس معيار الجدارة، وما "المصعد الاجتماعي" الذي يكثر التحسّر عليه إلا عنوان لذلك، حيث كان يمكن للنجابة في الدراسة وحدها أن تكفل مستقبلا مشرقا لصاحبها. لكنّ حبال هذا المصعد تآكلت، حتّى لم يعد يمكنه أن يتجاوز القبو. أذكر مسؤولا رفيعا في العهد البائد كان مكروها من أهل بلدته، رغم كفاءته العالية التي أتاحت له شغل عديد المناصب. لم يكن ذنبه ليستحقّ هذه الكراهية إلّا لكونه "لم يخدم" أهل بلدته، بمعنى أنّه لم يمنحهم امتيازات فلم يربحوا منه شيئا! كلّ ذنب المسكين أنّه امتنع عن المحاباة!

المنطق السائد للنجاح اليوم يقترب من منطق العصابات. لنذكر دون كورليوني في فيلم "العرّاب" إذ جاءه من يطلب منه خدمة، فأجابه إليها بعد لأي، ولكن بشرط "في يوم ما، وقد لا يأتي هذا اليوم أبدا، قد أطالبك بردّ هذه الخدمة". هذه هي التبادلية في أوضح تجلياتها. ولعلّ مشكل الحالمين في هذا الوطن أنّ حلمهم منعهم من الانخراط في العصابات، فلم يبق لهم مكان غير الهامش.


الخميس، 11 مايو 2023

قطّة المكتب

لمّا كنت أدخل إلى المكتب، اعترضتني تلك القطّة التي تعتبر كلّ المبنى بيتها. لطالما جالت بين الغرف بكامل الحريّة، ودلّلها الجميع تقريبا إذ كانوا يداعبونها ويقتنون لها من الأكل ما يشبعها. انتفخ بطنها في المدّة الأخيرة، وظننّا أنّ ذلك ربّما كان من عواقب التخمة. إلّا أنّها فوجئنا به فيما بعد وهي تضع أربع قطيطات. هرعنا جميعا وقتها لنشاهدها وهي تحتضن صغارها. وهيّء لها البعض مكانا في الخارج يكون لعائلتها مأوى.
لعلّي كنت أقلّ الناس احتفاء بها. ربّما لأنّي أنحدر من عائلة كلّ فتياتها يخشين القطط، وذلك ما دعاني إلى اتّخاذ موقف متضامن معهنّ، وإن بشكل غير واع. ربمّا يعود ذلك أيضا لأنّ لونها المائل إلى الخضرة كان يبدو لي منذ صغري، بالخطوط الداكنة التي فوقه، لونا قبيحا. كان وجودها في المكتب مزعجا لي إذ أنّها كانت تقتحمه متى شاء لها وتلتصق بالأرجل مصدرة قرقرة غريبة. دخلت مرّة مكتبي بعيد أن أنجبت، وجاءت تتمسّح على أقدامي. كنت شديد الانشغال بما أعمل عليه وغير مهتمّ بالمرّة بما تريده، فتجاهلتها تماما. بقيت هي برهة في ركن خفيّ عليّ ثم انصرفت. بعد ثوان، غزت رائحة كريهة أنفي. نظرت فرأيت بركة من السوائل والشعر وسط المكان الّذي كانت فيه. اشتدّ تقزّزي وغادرت المكان على الفور. صرت شديد النفور منها. مرّة كنت أهمّ بالدخول لمّا وجدتها وهي تحاول إيجاد منفذ إلى الداخل. اجتهدتُ حينها لكي أغلق الباب في وجهها، وكأنني أنتقم منها لفعلتها الشنيعة منذ أيّام.
لكنّها لمّا اعترضتني هذه المرّة لم تبد خوفا. وقفت أمام الباب، وتبادلنا النظرات. أدارت جسمها قليلا لكي يواجههني شقهّا الأيسر. كان المنطقة المحاذية للبطن خالية تماما من الشعر وفيها ما يُشبه آثار الجرح. كأنّ شيئا ما حاول أن يثقب جنبها نحو الخارج تاركا أثرا من بعض شعرات سوداء. لا أدري إن كان ناجما عن الولادة أو أصيبت به بعد ذلك أو كان بفعل فاعل. في كلّ الحالات، كان منظرا مؤلما. حاولت إغماض عيني عنه، ودخلت المبنى دون أن تُحوّل عنّي نظراتها، وكأنّها تشكو إليّ.
ظلّ المشهد يلاحقني كامل اليوم، مصحوبا بشعور بالغثيان. ما إن استغرق في أيّ شيء، حتّى تنفتح في خيالي نافذة عليه. كنت أحاول أن أطرده من رأسي. لا تنقصني هذه القطّة الحمقاء حتّى تضاف إلى جملة مشاغلي. لمّا بلغ اليوم نهايته، وجدتها تنتظرني أمام الباب. ألقت عليّ نفس النظرة، وقامت بنفس الحركة لتريني جرحها. كدت أصرخ فيها: ماذا تريدين منّي؟ فهمت أنّك متألّمة وأنا أرثي لحالك، أيّتها القبيحة البائسة، لكن ما عساني أفعل لك؟ لم تمهلني هي، وانسلّت مبتعدة عنّي.
حتّى في الليل، وجدت طيفها يهاجمني دون سابق إنذار. كنت أقرأ كتابا، من المفروض أنّه بعيد كلّ البعد عن القطط وعوالمها، كانت فيه فقرة عن رمزيّة القطط في مختلف الثقافات: كيف قدّسها المصريون وجعلوا من آلهتهم ما له رأس قطّة، وكيف تشاءم منها الغربيون وجعلوا من حيازة قطّة دليلا على ممارسة ضروب من السحر.
لا أدري إن كانت قطّة المكتب رمزا إلهيا أو نذير شؤم. كلّ ما أرجوه منها أن تعيد إليّ ما سرقته من نفسي.

الأربعاء، 17 أغسطس 2022

عندما جعلنا من "عرابنية" مطربة تونس الأولى

 

tunisiaslum.com

في أيّام مراهقتي، كنت مولعا بقراءة الجرائد. كان لكلّ يوم من الأسبوع جريدته الخاصّة به، وكان يوم الخميس مخصّصا لجريدة "الأخبار". كنت أتقصّى منها خاصة أخبار الرياضة، كما كانت تعجبني منها بعض المقالات ذات الطابع النقدي والساخر، ومنها ركن "عيون على التلفزيون" لنجيب الخويلدي.

على أنّ هذا الركن أثار حنقي ذات مرّة. كتب صاحبه طويلا في مدح أمينة فاخت، متحسّرا على أنّها لم تجد الصيت الّذي تستحقّه في العالم العربي في حين أنّ فنّانات محدودات المواهب نجحن في ذلك، مثل ماجدة الرّومي! ذهلت، وأنا الّذي لم أتجاوز السبعة عشر ربيعا آنذاك، بهذه المقارنة وقد كنت حينها في أوج افتتاني بالفنّانة اللبنانية. لم يخطر ببالي قطّ أنّ هناك من يجرؤ أن يقرن أمينة بفنّانة لها منجز فنّي مثل ذلك الّذي لماجدة الرومي، فما بالك بتفضيلها عليها! حبّرت رسالة طويلة إلى ذلك الصحفي ملخّصها فيما أذكر أنّ الأصوات الجميلة موجودة على قارعة الطريق، ولكن ما يصنع الفرق بين مغنّ وآخر هو حجم المشروع الفنّي الّذي يحمله، وبناء على هذا المقياس، فإنّ المقارنة بين مدرسة في تخيّر الكلمات وانتقاء الألحان بما يضمن دائما مستوى عاليا من الرقيّ وبين من يعيش على العرابن ولا يُنتج شيئا ليس إلّا ضربا من الخطل.

لم أرسل ما كتبته، ولعلّي كنت أشكّ في أنّه يمكن أن يغيّر شيئا. والحقيقة أنّني لم أذكر من أمر رسالتي تلك شيئا إلى حدود الآونة الأخيرة، لمّا أحيت أمينة فاخت حفلا بقفصة أثار (كما تقعل دائما) جدلا حول لباسها وحركاتها. قرأت الكثيرين ممّن يدافع عنها وعن مكانتها، وأنّ ما تفعله ليس سوى "هبال" محبّب يقبل منها في جميع الحالات باعتبارها "فنّانة كبيرة".

ما الّذي قدّمته أمينة إلى الفنّ لتستحقّ هذه المكانة؟ إن نزعنا من رصيدها الأغاني الّتي أخذتها من التراث، وتلك التي سرقتها من فنّانين تونسيين أو اقترضتها من فنّانين مشارقة، فما الّذي يبقى منه؟ حتما لا شيء ممّا يمكن أن يصنع "فنّانة كبيرة" أو حتّى فنّانة "حاف". أفهم أن يُعجب أحدهم بصوتها، أو أن تستثيره إيحاءاتها، وهو ما يمكن أن يجده في مغنيّة في كباريه، أمّا أن يزعم أكثر من ذلك، فقد ضلّ ضلالا بعيدا.

تعبّر أمينة فاخت عن عقليّة مكرّسة لدينا، تقدّس الكسل وتركن إلى التواكل وتبحث عن النجاح من أرخص أسبابه. وجدت لديها كنزا في صوتها الجميل، فلم تبحث عن استثماره وإنّما جعلته لها ريعا يدرّ عليها من مداخيل المهرجانات والأعراس ما يغنيها عن الاجتهاد والإنتاج، لا سيّما وقد "حرحرت" ذلك باللعب على إثارة الغرائز. لم يجعلها ذلك تنجح فحسب، بل ها هي منذ عشرين سنة أو أكثر وبلا إنتاج يُذكر تُعتبر لدى الكثيرين "مطربة تونس الأولى". لا أرى في ذلك سوى غوصنا في أعماق بئر لا قاع لها من الرّداءة.


الأحد، 8 أغسطس 2021

عام ‏تحت ‏الشمس

في اللحظة التي جاء فيها زيد إلى هذا العالم، كنت أستمع إلى أغنية "ها هي الشمس تأتي"، وأخال أنّ هناك شمسا أشرقت فعلا في حياتي.
منذ الأسابيع الأولى، صرت وزيدا وأمّه نقضّي عدّة ليال معا. كنت متعوّدا على السهر لساعات متأخرة، ولكن أصبح للسهر مذاق آخر. لم تعد هواجسي أو رغبتي في إضاعة الوقت ما تبقيني مستيقظا، بل منادمتي للحياة وهي تخطو خطواتها الأولى وتكبر ليلة بعد ليلة.
منذ أوّل أيّامه، كان زيد طفلا بسّاما. صحيح أنّ الطب يقول أنّه لا يبتسم تفاعلا قبل أربعين يوما، وصحيح أن الثقافة الشعبية تقول أنه في ذلك العمر  تضحكه الملائكة، لكن شيئا في قلبي كان يخبرني إنه إنما كان يبتسم لي ولأمه لأنه يعرفنا من قبل.
لعلّ ذلك كان من أوّل ما شكّل علامات طفل استثنائي. من الجائز للغاية أن يكون يهيّأ إليّ ما يهيّأ لكل أب من طفله، لكنّ زيدا ما انفكّ يؤكّد ذلك. كنت في مرحلتي البيتلزية وقتها، وكنت أسمعه معي ما تيسّر من أغاني البيتلز. في شهره الرابع، بدأت ألاحظ أنه يتفاعل مع بعض الأغنيات بشكل خاص. وبمرور الوقت، بدأت أكتشف أنّ الرجل فعلا صار له ذوق، فيفضّل أغنيات على أخرى. أرى كذلك دهشته المبهرة وهو يقف فاغر الفم أمام لوحة ما. هل ترى فنّانا يكبر فيه؟
على غرار ما قال أنسي الحاج: في حياتنا لا مكان لزيدون... كلّ المكان هو لزيدون وحده. افتكّ هذا الصبيّ الوسيم مكانه في حياتنا بسرعة كبيرة. كلّ الكلام عنه. كلّ الانفعالات حوله. كلّ الدار له. لا شيء أحبّ إلى قلبي من أن أراه ومعالم شخصيته تترسخ شيئا ما كلّما سار على درب الحياة يوما.
لطالما كان لي توجّس من الأبوة لعظم مسؤولياتها، ولكنني مع زيد أراني أنغمس فيها ضاربا عرض الحائط بكلّ الريبيات. زيدون هو الصخرة التي يتكسّر عليه كلّ ذلك التمركز الرهيب على الذات، وأراني لمّا صرت أبا، أني في طريقي لأصير إنسانا أفضل...

الجمعة، 9 يوليو 2021

ما ‏كنتُ ‏من ‏الثائرين... ‏مسارات ‏شخصية ‏في ‏عشرية ‏الثورة ‏(الجزء ‏الثالث)

 


مسألة استمراريّة الدولة

رغم ارتباك محمد الغنوشي، ساندت بقاءه على رأس الحكومة، لسبب بسيط: استمرارية الدولة. في ذلك الظرف العصيب، لم يكن هناك أيّ شيء واضح: بدا أنّ الدولة تلفظ كل مشروعية لها وكنت أفزع من أن نشهد، ولو لمدة قصيرة، اضمحلالها فنسير إلى ما يشبه السيناريو الصومالي. كان الهاجس الذي يسيطر عليّ وقتها كيف ننهي تلك المرحلة بسلام، ثم ستأتي بقية ترتيبات إرساء نظام ديمقراطي، وعلى رأسها الانتخابات.

لكن لم يكن مثل هذا الرأي يحظى بشعبية كبيرة آنذاك. قام اعتصام القصبة 1 بالأساس على المطالبة برحيل كل رموز النظام السابق، وفي الحقيقة، كان الغنوشي استبقى عددا كبيرا منهم في حكومته الأولى بعد 14 جانفي. بالنسبة لي، كان وجود أحمد نجيب الشابي والمرحوم أحمد إبراهيم في الحكومة أحد أهم الضمانات، بما أنهما كانا دائما في صفّ معارضة النظام. لم أستسغ رفض مصطفى بن جعفر المشاركة في الحكومة، ويبدو لي الآن أنّ تصدّع العائلة الديمقراطية الاجتماعية بدأ وقتها، بين اتّجاه يتبنّى مقاربة تدرّجية لا تقطع فورا مع الماضي، واتّجاه يبني مقاربته على مسايرة الشارع حتى وإن لم تعرف عنه الراديكالية سابقا.

في تلك الفترة شديدة التشنّج، كتبت ما أعتبره أجرأ مقالاتي وكان بعنوان "حتى لا تنحرف الثورة" وكان مضادا للرؤى الاستئصالية السائدة آنذاك دعوت فيه، بعد الإقرار بكلّ الفساد والانحرافات الّتي عرفها التجمع الدستوري الديمقراطي، إلى التريّث قبل الحكم على محمد الغنوشي الذي لم يعرف عنه ضلوع في الفساد، وينطبق ذلك على جميع الكفاءات التي لم يكن لها خيار فعلا في الانضمام إلى الحزب-الدولة.

لو عدت إلى تلك اللحظة، لست متأكدا أني كنت لأكتب ذلك المقال. لم أعد أؤمن بدولة لا تحترم مواطنيها، ولا يبدو أنها تسير أبدا في ذلك الاتّجاه. كانت اللحظة مناسبة لإعادة تأسيس حقيقي للعلاقة بين الدولة والمواطن، لا التأسيس الشكلاني القانوني الذي حدث مع المجلس الوطني التأسيسي.

الأربعاء، 7 يوليو 2021

ما ‏كنتُ ‏من ‏الثائرين... ‏مسارات ‏شخصية ‏في ‏عشرية ‏الثورة ‏(الجزء ‏الثاني)

صورة لي في حراسة الحومة نشرت بمجلة l'humanité dimanche يوم 20جانفي 2011

يوم 14 جانفي
مساء 14 جانفي، بقيت كالكثيرين أتابع الأخبار. لا طبعا عن طريقها الرسمي، الذي لم يكن يعني شيئا، وإنما من خلال الفايسبوك والقنوات الإخبارية العربية. لمّا جاء الخبر عن فرار بن علي، لم أشعر بالفرحة قدر ما أصابني الوجوم. لماذا هرب؟ (ولا أعرف إلى الآن جوابا عن ذلك) هل ينوي العودة؟ لمن ترك البلاد؟ فيديو عبد الناصر العويني وهو يصرخ في شارع الحبيب بورقيبة أثّر فيّ كثيرا، لكن لم يكن من الممكن الوقوف لاستيعاب تلك اللحظة، لأنّ الأحداث ستتسارع بشكل مجنون منذ ذلك الحين. جاء محمد الغنوشي ليعلن تسلّمه الرئاسة بصفة وقتية وفق الفصل 56 من الدستور. لم أفهم، وأنا القانونجي الجديد، ما يحدث. هذا الفصل كان يعني أنّ بن علي فوّضه لذلك، وهو ما لم يكن بطبيعة الحال أمرا مقبولا. كان ترقيعا أخرق لفرار الرئيس، وفي حقيقة الأمر، لم يكن محمد الغنوشي رجل سياسة وكان أبعد الناس أن يكون رجل المرحلة. المهمّ أن الأمر وقع تداركه صباح الغد بإعلان المجلس الدستوري شغور منصب الرئاسة بشكل دائم وتولي فؤاد المبزّع مهامها. لكن كانت تلك الليلة كانت من أصعب الفترات في تاريخ تونس المعاصر. هي ليلة غابت فيها الدولة، وأخذ المواطنون بزمام الأمور. مع ما كان يبلغنا من أخبار عن عمليات النهب والتدمير وتضخم الإشاعات عن القناصة، تولّى الشعب زمام أمنه بيديه. كنت، مسلّحا بزلاط، واحدا من آلاف المواطنين الذين نزلوا إلى الشوارع لحماية أحيائهم. تلك اللحظة كانت من أكثر ما منحني أملا في الشعب التونسي، فعندما توارى جهاز الأمن الرسمي صاحب اليد الطولى في الممارسات القمعية، برهن التونسيون عموما عن روح  تضامنية وتنظيمية عالية. بدا وكأنّ قبضة الدولة هي ما كانت تخنق هذه الروح. من المؤسف أنه لم يقع البناء على هذه اللحظة، سوى ما كان من ممارسات شعبوية انحرافية كرابطات حماية الثورة. ربما لا تكون أفكار قيس سعيّد في البناء من الأسفل سوى محاولة لاستعادة نقاء تلك اللحظة.

الاثنين، 29 مارس 2021

الطريق نحو النهاية



مُرّي على بابي بذكرى مَوْلِدي

كي تُنشدي أخبار من لم يَخلُدِ

لم يبقَ منه سوى الذي تحكي شفا

هُكِ عَنه سرْدًا دون أيّ تردّدِ

ما كُنتُهُ يوما، لعلّك كُنْتِ قد

أطلَلتِ خلفَ سَحَابِيَ المُتَلبِّدِ

فرأيْتِ شيئا، ثمّ حِكْتِ غِلالة

مِنْ حوله من وَشْيِكِ المُتَفرِّد

تلك الأساطير الّتي تُضحي منا

زلنا السعيدةَ بعدَ طُول تشرُّد

قُصِّي إذا ما غِبْتُ كلّ رواية

ما قد شَهِدْتِ وكُلَّ ما لم تَشْهَدي

كمْ كان يَحْلو وَقْعُها لو أنّني

قبلَ الغيابِ حظيتُ منكِ بموعد

لا فَرْقَ عندي بين صَمْتِكِ بعدها

أو أن أصير لديكِ ثالثَ فَرْقَدِ

ما كُنتُ- لمّا كُنْتُ- غيْرَ ترحُّلٍ

مِن غُربَةٍ لِمَثيلها المُتجدِّد

عَبثًا ألاحِقُ في السَّدِيمِ منارةً

ما الفرقُ حين العتمِ إن لم أرْشُدِ؟

قد كُنْتُ أرقُب مبدأً لنُبوِّتي

كم كنتُ أرْسُفُ في جنونِ تَفَرُّدي

وكأنَّ كُلَّ الكون حولي دائرٌ

أنا قُطبُهُ، لا شأنَ إلّا سُؤدَدي

لم أخْشَ إلاّ نظرَةً نحْوَ المرا

يا لحْظةً فيها يكون تجمُّدي

لمّا أراني، ويحَ نفسي، بغتَةً

مُتَصاغرا أحكي انحناء السُجَّدِ

أغْدو على الأفكار أغْرِفُ حَفْنةً

لا أعرف الأضدادَ في ملء اليد

كُلُّ اليَقينِ على الرّصيف مُبَعْثَرٌ

وسط الطريق أظلُّ مَحْضَ ترَّدُد

ما نِمتُ يوْمًا والعُيونُ قريرةٌ

ما تمّ لي دفءٌ على مُتَوَسَّد

في كُلّ زاويةٍ أرى لحقيقتي

شبحا يؤول إلى مَصيرِ تَبَدُّد

جمَّعتُ شِعْرًا فيه بعضُ تَنَهُدي

أضرَمْتُ فيه النار دون تَعَمُّد

نَفْثٌ لمصدورٍ تطاول داؤه

مِن فيه يخرُجُ كالحميم الأسود

أضْغاثُ أحلامٍ جَهِلْتُ نقيعها

حتّى سرَتْ في عُمْرِيَ المُتمدّد

كانت وكان مثيلها كُثُرًا إذا

ما احتاجت الأنفاسُ بعضَ تَزَوُّد

هي والنّقاء وكلّ ما يرضي العبا

د وما وراءَ شُجونِ كُلِّ مُسهَّد

الكُلُّ أصنامٌ سَعيْتُ لرِفْدِها

وجميعها بَرْقُ الزّمان السرمدي

ما بينها أفنيْتُ روحي ذاكرا

أرجو الغنيمة من طويلِ تزهُّدي

لم أحيَ يوْمًا مثلما تبغي الحيا

ة ولا وجدتُ العيشَ في مثوى غَدي

الموت أمنيةٌ يعزُّ منالها

إذ لم تكن دُنياي غير تَجَلُّد

في النّاس كُنْتُ وحدي أمّةً أو هكذا

كان الهوى في قَوْلَةٍ مِن عُوَّدي

ما زلتُ في نفسي أحاور وحدتي

حتّى هدمتُ بفأسِ شكّي معبدي

فرأيتُ شيئا في السّماء جهِلتُهُ

لوناً نبا عن كلّ قوْلٍ مُسْنَدِ

ما صار يعرِفُه سواي من الورى

هو ظِلُّ ما أنا كُنْتُ فيه بأوحَدِ

قد خُلِّطَتْ خُطُواتُ عُمْري كلها

حتّى تبدّت لي بِلَوْنٍ مُفْرَد

فيه الضّلال تفنّنٌ في مزجه

أمَّا الهدى مُتكحِّلٌ بتَمَرّد

وإذا الحياة قصيدة لا تنتهي

نَغَمٌ يحلّ على لسان المُنشِدِ

 


الثلاثاء، 16 فبراير 2021

قصّتي مع الشعر (الجزء السادس)


ارتبط الشعر عندي عموما بالسواد. أكتب الشعر غالبا عندما أكون مكتئبا أو قلقا أو غاضبا، أو على غير ذلك من المشاعر السلبيّة. أو لم يقل ابن قتيبة: "الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل في باب الخير ضعف"؟ حتى عناوين دواويني تعكس ذلك: "ذهب الزمان الضائع" و"ماليخوليا". قد أكتب أحيانا بدافع من شعور إيجابي، لكن لا بدّ أن تخالطه جرعة من السلبية لكي يتحوّل شعرا. يمكن أن أكتب عن الحبّ مثلا، ولكن ينبغي أن يكون ذلك ممزوجا بخوف أو حيرة أو شكّ أو فراق. أمّا عندما أكون سعيدا تماما، فلا أكتب. الحياة السعيدة نعيشها ولا نكتبها كما يقول توفيق الحكيم.

بهذا المعنى، كان الشعر عذابا... كتلة داكنة عظيمة الحجم تسكن صدري، أنفث منها الشيء بعد الشيء كي أتنفس قليلا، لكنها ما تلبث أن تعود إلى حجمها الأوّل وتتعاظم جاثمة فوقي. ولعلّي إذ كنت أخرجها منّي كنت أطمع في أن تتحوّل بشكل سحري إلى جسر يقرّبني ولو قليلا من عالم الناس هذا. لم يحصل هذا قطّ. عندما كتبت نصّ "لا تلمسيني"، كنت أصرخ في وجوه من حولي: أنا وحيد بشكل قاتل. لم يسمعني أحد. وكان ذلك حال جميع نصوصي حتى ما كان منها صريحا بشكل فج كـ"يومان بعد موتي". في النهاية، يئست من أيّ تواصل. صرت أحيانا أتسلى، عابثا، ببثّ رسائل مشفّرة في بعض القصائد. في جميع الأحوال، لن يُفهم شيء! بهذا المعنى، خانني الشعر...
لكنّني خنت الشعر كذلك. في مراهقتي، كانت صورة الشاعر المثالية عندي هي سيرانو دي برجراك. هو "الشاعر" في ترجمة المنفلوطي. لم أحبّذ كثيرا غرامه بروكسان (لم أرها تستحقّه) لكن فيما عدا ذلك، كان نموذج من يعيش حياته بشعريّة في كل لحظة. يعيش كل حالة بأقصى ما يكون: هو أشجع الجنود وقت الحرب وأهزل الناس وقت العبث. وخير ما فيه: أنه كان لا يبالي عواقب الشيء ما دام يعتقد صوابه، فلا يكبر في عينه عظيم من القوم إن رام به سخرية، ولا يخشى الموت إن كان في سبيل ما يؤمن به. حاولت أن أحذو حذوه في تلك السنوات المليئة بالمثاليات، ولكن ما أسرع أن سرقتني الحياة. كم خنت سيرانو، حتى لم يبق لي منه إلا أنفه. ما أكثر ما أكْرَهُ على ما لست مقتنعا به، ولا أجابهه بغير تلك السلبية العدوانية التي أبغضها من نفسي والتي لا تزيد "السدّ" إلا تعاظما.
لست شاعرا في حياتي، وكأنني أفصل ما أعيش عمّا أكتب، ويا له من انفصام عظيم! في حفل توقيع مجموعتي الأولى، أخذ أبي الكلمة ليقول أنّه كان يتمنّى لو كان كاتبا، ولكنّه سعيد، إذ حرم ذلك، أن يرى حلمه يتجسّد من خلال ابنه. أثّرت فيّ تلك الكلمة. أبي شاعر في حياته إذ يعيشها، من دون أن يحتاج إلى كتابة الشعر. أمّا أنا، فقد أوتيت القدرة على كتابة الشعر دون أن أحياه. 
لعلّ ذلك كان مما يجعلني أتجنّب أن أعرّف نفسي في مختلف المحافل كشاعر، إلا نادرا. أذكر أنني حين أشرفت على مشروع "أكاديمية الشعراء"، لم يعرف المكوّنون والمشاركون أنني أكتب الشعر إلا في الأيّام الأخيرة من المشروع، عندما سوّلت لي نفسي أن أقرأ قصيدة. أخالهم دهشوا جميعهم: أنّى لهذا الفتى الصارم، "المربّع جدّا" (ترجمة حرفية) أن يكون من الشعراء وليس له من جنونهم شيء؟
أخالني أحتاج إلى قدر كبير من الجنون لكي تكون لي حياة، كما ينبغي أن تكون.

الأحد، 14 فبراير 2021

اغتيال



بي شهوة

أن أبصق الخوف القديم جميعه

فإذا استوى

-لزجا وأسود مثلما هو دائما-

حرّقته حتّى يصيح

بكلّ نار كان مطفئها

وأغرقه ليفقد وعيه

في لجّة العبرات إذ جمدت وراء العين

أطعنه بحلم منطو بين الدفاتر

ثمّ أخنقه بذكرى قد تبقّت

تلفظ الحبّ العتيق

إذا تناثر لحمه في الأرض

أكنسه عسى ألاّ يعود

وحينها 

سيَقِرُّ في صدري هواءْ...

جسدي الزجاج يذوب بعضه

ما تشبّع من سواد

لا أرى بأسا

إذا أحيا بلا أقدام في أرضي

فحسبي أن أعيدت لي السماءْ