‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبث. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 أغسطس 2014

قهوة مؤقّتة

يلخّص أحد الأصدقاء علاقتنا بالمقاهي بقوله "يجب أن لا تقلّ مدّة الجلوس بالمقهى عن ساعة. أقلّ من ذلك يجعلها استراحة قهوة". نحن لا نذهب إلى المقاهي في مهمّة محدّدة ودقيقة تقضي بتناول مشروب ما، فذلك منوط بالكافيتيريات، بل أنّ المقاهي هي عندنا مكان التفاعل الاجتماعي (الحقيقي لا الافتراضي) بامتياز. ما نتناوله هناك هو إمّا مجرّد ذريعة لنتواصل مع غيرنا، أو مشروب مقدّس له طقوسه الّتي لا تقبل التهاون بها، وخاصة: لا تقبل العجلة. أمّا إذا تعلّق الأمر بلعبة ورق أو مشاهدة مباريات أو بتدخين شيشة، فعند ذلك نعلن تحرّرنا التام من الزمن، وندخل مرحلة "النيرفانا"...

ورغم أنّ هذه العلاقة الحميمة لا تخفى على أحد، فإنّ ذلك لم يمنع السيّد رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي ليدعو إلى تحديد توقيت تناول المشروبات الساخنة بالمقاهي، زاعما أنّ الدول الأروبية تحدّده بنصف ساعة (أيّ دول؟؟؟)، ومؤكّدا أنّ أصحاب المقاهي يتحمّلون خسائر كبيرة بسبب غياب مثل هذا التحديد وأنّهم يلجؤون إلى البيع المشروط لهذا السبب  بالذات.

ولا أفهم عن أيّ خسائر يتحدّث الرجل. فعلى حدّ علمي، كلّ المقاهي "تدخّل الخير والبركة" وقلّما سمعت عن مقهى أغلق بسبب قلّة الدخل. أمّا عن البيع المشروط، فمن المعروف أنّ القهواجية لا ينتظرونك لتطيل الجلوس كي يفرضوا عليك قارورة الماء أو قطعة المرطّبات أو الماركة الإيطالية (في آخر الأسبوع وفي أوقات الذروة، لا تتحدّث ماكينة القهوة إلّا بالإيطالية)، بل يبدأ ذلك فور دخول المحلّ. 

كما لا أفهم كيف ستكون الخطوات العمليّة لتكريس تحديد التوقيت. هل سيتمّ نصب ساعة لاحتساب الوقت قرب كلّ حريف؟ هل ستعطى سلطة تقديريّة مطلقة للنادل؟ هل سيتمّ تكريس نظام اللعب لجولة واحدة في أطراح "الرامي"؟ هل سيتمّ اللجوء إلى القوّة العامة لطرد الحريف الذّي يرفض الخروج بعد انتهاء وقته؟
هذا الاقتراح علامة على أنّ المؤقّت ضرب أطنابه في كلّ جوانب حياتنا حتّى مسّ أكثرها تحرّرا من الوقت. وإذا سلّمنا جدلا بجديّة هذا الاقتراح، فلا توجد إلّا كلمة واحدة تبرّره: الجشع. فبعد الحديث عن التحرير الكلّي لأسعار المشروبات الساخنة، يأتينا هذا الاقتراح ليمسّ من الهواية الوطنيّة الأولى (أو الشغل الوطني الأوّل باعتبار أعداد العاطلين عن العمل)، ويمكن اعتباره، بشكل من الأشكال، مسّا من المقدّسات.
يا سيّدي، في كلّ أمور حياتنا كثر "الجري واللهيط"، فاتركنا على الأقلّ نحتسي قهوتنا على مهل.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عندما تموت الضحكة اكتئابا

كان "جومانجي" أوّل فيلم أشاهده في قاعة سينما. كنت في الحادية عشرة من العمر. كنت على ما يكفي من الطفولة لأستمتع وأضحك ملء في. في نفس الفترة تقريبا، شاهدت على شاشة التلفاز "السيّدة دوبتفاير"، وتحوّل بسرعة إلى أحد كلاسيكيات الضحك لديّ. كلا الفيلمين ربطا إسم روبن ويليامز بالضحك من الأعماق. وتتابعت الأفلام التي شاهدتها بعد ذلك لتؤكّد ذلك الربط: "صباح الخير فيتنام"، "مجتمع الشعراء الأموات"، "الملك الصيّاد"، "فلابر"، "صاحب المائتي عام"، "غود ويل هانتينغ"، "رجل العام"... كنت أترقّب الضحك في كلّ فيلم يظهر فيه، مهما كان نوعه، حتّى أنّني لدى مشاهدتي فيلم "أرق"، وهو أبعد ما يكون عن الضحك، ظللت أترقّب انقلابا كوميديّا مفاجئا، فقط لأنّ روبن ويليامز ظهر فيه. لم يحصل ذلك الانقلاب الكوميدي، وفهمت وقتها أنّ إسمه يمكن أن يرتبط بغير الضحك...بالموت الذي يتيه معه كلّ معنى...بالعبثيّة.
ولعلّه لم يفعل بانتحاره سوى أن أكّد أنّه مهما قهقهنا، فلن تظلّ الحياة غير تراجيديا نخدّر أنفسنا خلالها بالضحكات بين الفينة والأخرى..الرجل الذّي أضحكنا حد الاستلقاء طوال السنوات الأخيرة كان سكّيرا مدمنا بلغ به الاكتئاب حدّ الانتحار...صانع الضحكات الذّي خفّف عنّا أعباء الحياة انتهى به الأمر أن لم يعد يجد لحياته معنى. 
خان مماته جميع ما أهداه إلينا في سنين حياته. كيف لنا أن نسترق الضحكات إذا كان المُضحك الأوّل قد خاتلنا، قد باعنا الضحكات الصافية من قلب مريض مهموم بالحياة؟ كيف لنا أن نصدّق أنفسنا إذا ضحكنا؟
ربّما علينا أن نتناسى النهاية ولا نذكر سوى الطريق...

الأحد، 2 فبراير 2014

رواية أخرى لقصّة الصرّار والنملة

حدّث يوحنّا الينبوعي قال:
في ظهيرة يوم من أيّام الصيف الحارة، والطرق قد خلت من جميع المارة، كانت النملة تدحرج أمامها حبّة قمح، وتكدح لذلك أشدّ الكدح، تمنّي النفس بطعام وافر، متى جاء الشتاء بغيثه الغامر، وعندما أوصلت حملها إلى دارها، تنبّهت إلى غياب جارها، ذلك المغنّي الصرّار، فعلى غير العادة لم تسمعه طيلة النهار، فأطلّت برأسها لعلّها تراه قريبا، فألفته حذو شجرة جاثما كئيبا، يدندن في همس لحنا شجيّا، متقطّعا لا يريد أن يكون سويّا، فاقتربت منه سائلة، أين كنت إلى حين القائلة؟ فرفع رأسه وقال: دعيني أيّتها النملة، لعلّي أنهي اليوم هذه الجملة، فقالت له: لا زلت في هذيانك، لا تنظر في شأن شرابك وطعامك، أما كان خيرا لك لو جمعت بعض المؤونة، فلا تسألني أيّام البرد المعونة؟ قال لها الصرّار: أ رأيتني إن فعلت ما تفعلين، فما منتهى ذلك للعاملين؟ قالت: حسبي ما يكفيني للعيش، وبعد ذهني على خلافك من نوازع الطيش، فقال: ليس مثلي من يقول حسبي، يأبى ذلك قلبي، فقالت: فإني تاركتك هذه السنة للجوع، عسى أن يكون منك لقولي خضوع، فقال: افعلي ما تشائين، فلست لك من المتّبعين، ثمّ قام وقال: لك منّي سلام، فما أظنّني ألقاك في قادم الأيّام، ومضى مسرعا حتّى غاب بعيدا، فتنهدت النملة وقالت: طالما كان مجنونا عنيدا.
وتعاقبت الفصول، وشأن الصرّار مجهول، حتّى كادت النملة تنسى ذكره، ويغيب عنها كلّ أمره، حتّى كان شتاء، بليت الكائنات فيه أشدّ البلاء، فلم تنزل فيه قطرة من مطر، واشتدّ على الجميع من العطش الخطر، وجفّت فيه فروع الأشجار، ومالت الوجوه فيه إلى الاصفرار، وتعالى الدعاء بكشف الغمّة، واستمطار الرحمة.
وفي ليلة شديدة القر، والكلّ يداري نفاد الصبر، تناهى إلى الأسماع صوت عزف حزين خافت، كأنّه ما بقي بالقلوب من نور باهت، يخرج من أعماق قرار، فأطلّت النملة تستطلع الأخبار، فإذا بالعازف جارها الصرّار، فصاحت به: عدت أخيرا أيّها الأفّاق، فلم يردّ إذ كان مستغرقا في عزفه أشدّ استغراق، كأنّه في غير دنيا المكان، أو يسبح بين أطراف الزمان، وفجأة ارتفع صوت العزف، وفي نفس اللحظة قصف الرعد أشدّ قصف، وتسارعت النغمات، كأنّها تناجي السماوات، ومع تسارعها بدأ المطر ينزل رذاذا، وكان وقعه في القلوب أخّاذا، وبدأت موسيقى الصرّار شيئا فشيئا تكتسي بالألوان، والغيوم تلبّيها وبها تزدان، حتّى صار المطر كأفواه القرب، وعجبت الكائنات من أمر الصرّار أشدّ العجب، وصرخت النملة: حسبك قد أحسنت، فاحتم ببيتي وإلا غرقت، فلم يلتفت إلى كلامها ولا زال عازفا لا ينقطع، ينوّع على مقطوعته والسماء لا تمتنع، وحجبه عن الأنظار الانهمار، وما عاد وجوده معلنا بغير الأوتار، وبعد ساعة أو بعضها صمت الصوت أو خمد، وانقطع من السماء المدد.
وخرجت الكائنات تبحث عن الصرّار، فلم يعثروا له على أيّ آثار، وقال قائلهم: أحسب أنّه قد جرفته السيول، بعد ما كان من شديد الهطول، فابكوا ذاك البطل المجهول، فدمعت العيون، وندبه النادبون، ورثاه الراثون، والنملة بينهم باهتة ناظرة، ثمّ انقلبت إلى بيتها حائرة، وقضمت من حبّة القمح قضمة، وبنفسها شيء من بقايا نغمة...

الأحد، 24 يناير 2010

عندما غضب الأقطاب...

سال حبر كثير، و انعقدت محاكمات، و وجّهت اتّهامات، و أدلى كلّ من يعرف و من لا يعرف برأيه...أشعلت شيش (جمع شيشة) و شربت كابوسانات و ألونجيات و هدرت الأصوات في أكثر النقاشات حدّة، كيف لا و هي تمسّ مسألة حياة أو موت: من المسؤول؟ أ هي الجامعة؟ الإطار الفنّي؟ لماذا لعب فلان على اليمين؟ ماذا يفعل فلتان إذا كان راقدا؟ أ كانت الإعدادات رديئة إلى هذه الدرجة؟ و لكن لم يعرف أحد السبب الحقيقي في هذه الخيبة رغم أنّه بسيط للغاية، و لكنّي توصلّت إليه بفضل من الله توفيقه و الحمد لله على نعمة العقل...

لم ينتبه أحد إلى إشهار اتّصالات تونس عن المنتخب الوطني، ذاك الّذي تتحوّل فيه "نمدح الأقطاب و رجال تونس بالجملة" إلى "نمدح الأولاد و رجال تونس في الكورة". إشهار طريف بلا شكّ، و لم يقصد صاحب الفكرة ضررا، فقط كانت "فازة" مبتدعة لشحذ الهمم و رفع العزائم و تأكيدا لثقتنا الكبيرة جدّا في "لولاد" و مدرّبهم القطب الأعظم الّذي بايعته الجماهير الغفورة (كما يقول فيلمون وهبي) ليسافر بأحلامنا و طموحاتنا و آمالنا إلى بلد الأهوال. و لكنّ الإشهار مسّ، دون قصد طبعا، أولئك الراقدين تحت التراب الّذين تعيش البلاد ببركتهم و تستمطر السماء بأسمائهم، أقطاب تونس.

حار الأقطاب و تعجّبوا من هذه الخيانة و تساءلوا:إذا كنّا قدّسنا لأنّا قرّبناهم من الله، فلماذا يقدّس هؤلاء؟؟؟ أ أتى علينا زمان يزاملنا فيه سيدي خالد القربي مجترح المعجزات في لوبانغو و سيدي زهير الذوادي (ليس الباحث في الجامعة التونسية) الولي الأعسر المظلوم؟ كان سيدي سالم أكثرهم غضبا، كيف لا و "عليك نغنّي يا سيدي سالم" إلى "عليك نعمّل يا فوزي البنزرتي" ( مع أنّها مقارنة مشرّفة، ففوزي البنزرتي كان محل إجماع وطني لم يحصل منذ مدّة طويلة). و في النهاية قرّر الأقطاب أن يمنعوا بركتهم عن المنتخب. و كان ذلك جليّا في كلّ المقابلات: لم يحضر الأقطاب ليعينوا الدرّاجي على التعافي إثر مقابلة زمبيا، و لم يعينوا جمعة على تجسيم توزيعة الذوادي في مقابلة الغابون، و امتنعوا عن مساندة الميكاري أمام المرمى في مقابلة الكاميرون. هذا واضح أشدّ الوضوح !

علينا الآن عوضا عن "الرويق الفارغ" في وسائل الإعلام أن نعدّ "وعدة" لكلّ قطب من الأقطاب حتّى يسامحونا على تقصيرنا الكبير في حقّهم، و من يدري، لعلّهم يرضون فنرفع كأس إفريقيا 2012. و على أيّ حال، لن يضرّ ذبح بعض العجول، فهو أرخص بكثير من إصلاح جامعة الكرة أو إصلاح مراكز التكوين أو انتداب مدرّب أجنبي.

الخميس، 13 نوفمبر 2008

مفهوم الصداقة بين الحقيقة و الخرافة

من أقوال العرب في الجاهليّة: "المستحيلات ثلاث: الغول و العنقاء و الخلّ(الصديق) الوفيّ". في رأيي أنّ في هذا القول تعسّفا في أحد جوانبه و حقيقة في الجانب الآخر. من قال أنّ الغول و العنقاء لا يمكن أن يوجدا؟ قد تتاح الفرصة لأحد من الناس ليصارع غولا (كما زعم "تأبّط شرّا" في شعره) أو يشهد بعث عنقاء من تحت الرّماد، و حتّى إن لم يوجدا حقيقة، فإنّ رمزيّة الكائن المتوحّش الخارج عن حدود البشريّة و الطائر الّذي يحترق ثمّ ينبعث من بعد موته جميلا فتيّا قويّة الحضور في كافة مستويات الحياة ممّا ينفي عنها صفة المستحيل. أمّا الجانب الثاني من القول فهو الّذي يكشف بحقّ عن حكمة العرب القدامى: الصداقة من المستحيلات. قد تختلف نظرتنا إلى الصداقة و لكنّني أراها أنّ مجمل التعريفات الممكنة لها لا تخرج في مجملها عن نظرتين: نظرة تجعلها منها شيئا مستحيلا فعليّا و نظرة تجعلها شيئا مفروضا علينا بشكل يؤدّي أيضا إلى القول بعدم وجودها.

الصداقة المستحيلة
بالرجوع إلى المعاجم العربيّة، تغيب كلمة الصداقة تماما عن القاموس المحيط للفيروزآبادي، أمّا لسان العرب فيورد ما يلي: "الصَّداقةُ والمُصادَقةُ: المُخالّة. وصَدَقَه النصيحةَ والإخاء:أَمْحَضه له. وصادَقْتُه مُصادَقةً وصِداقاً: خالَلْتُه، والاسم الصَّداقة" و هو بذلك يعطي مرادفا و لا يقدّم تعريفا. و لعلّ غياب تعريف واضح للصداقة في أشهر المعاجم العربيّة يعود، و لو جزئيّا، إلى النظرة الموروثة من الجاهليّة و القائلة باستحالة الصداقة. و بالانتقال إلى معجم Encarta بالفرنسيّة، نجد التعريف الآتي، "إحساس بودّ عاطفي و بعطف نحو شخص معيّن دون أن يشكّل ذلك انجذاب حبّ". هذا التعريف يطرح مشكل أنّه لا يضع الحدود بين الصداقة و الحبّ إذ يفهم منه أنّ الصداقة حبّ لم يكتمل أو حبّ في طور البناء ممّا يعني أنّ عواطف الإنسان يمكن قياسها بمقياس ما، مثلا إذا بلغت عاطفة الإنسان نحو شخص آخر 20 درجة فذاك احترام و في 25 درجة يتحوّل إلى إعجاب و في 30 درجة يتحوّل إلى صداقة أمّا في الأربعين فيصبح حبّا. هذا التعريف "التدرّجي" للعاطفة الإنسانيّة يبدو غير مقبول لأنّه يجعل منها شيئا أحاديّ الطبيعة خاضعة لنفس المقياس في حين أنّ العواطف الّتي تعتمل في فؤاد الإنسان متناقضة تستعصي على مثل هذا التحديد، كما أنّها قابلة للتغيير المفاجئ من الطرف إلى الطرف دون أن تمرّ ضرورة بالمراحل الّتي قد يوحي بها وجود مقياس.
لننتقل إلى مستوى آخر، مستوى التعريف التيليولوجي(باستعمال الأهداف) و لنطرح السؤال بالطريقة التالية: ما الّذي ينتظره الناس من الصداقة؟
أجاب أحدهم على هذا السؤال "يجب أن تمازج روحه روحي فيفهمني من غير كلام و يساعدني من غير طلب و أن يكون مرآة صادقة لي أرى فيها عيوبي و خصالي...أريده أن يعظني دون أن يلبس عمامة الواعظ و ينتشلني من همومي دون أن يدّعي حكمة الحكماء و أن يضحيّ بنفسه دون أن يظهر بمظهر الشهيد...أريده صادق اللهجة مثل أبي ذر، قويّا في الحقّ مثل عمر، حليما مثل الأحنف، وفيّا مثل السموأل، مؤثرا على نفسه مثل كعب بن مامة". قد يبدو هذا الكلام شديد العاطفيّة، موغلا في المثاليّة إلى حدّ الطفوليّة و لكن يكفي أن تستعمل أحد محرّكات البحث على الانترنات لتعرف أنّ الجواب العام عن سؤال "ما هو الصديق؟" لا يختلف كثيرا. من الواضح أنّنا هنا إزاء كائن صبّت فيه جميع الفضائل الإنسانيّة صبّا، كائن يتعالى عن البشريّة ليكون أقرب ما يكون إلى الملائكة، و باختصار هو كائن خرافي وجود العنقاء و الغول أيسر منه منالا.
و لئن كان هذا التعريف يؤدّي إلى القول بعدم وجود الصداقة، فإنّ "تعريفا اجتماعيّا" يؤدّي إلى نفس النتيجة رغم اختلافه الجذري عن سابقه.


الصداقة المفروضة
أقصد بالتعريف الاجتماعي رؤية معيّنة شائعة للصداقة عزّزتها في الوقت الحالي الشبكات الاجتماعيّة الموجودة على الانترنات.
منذ أن يكون الطفل في سنواته الأولى في المدرسة، يعتاد أن يطلق لفظ "صاحبي" على كلّ من يدرس معه في نفس القسم، بغضّ النظر إن كانت تربطه به علاقة مميّزة أو لا. لا يختلف كثيرا الأمر فيما بعد، فـ"صاحبك" يصبح شخصا تعرفه في المقهى أو يدرس معك في الكليّة أو يعمل معك في نفس المكتب. و بعمليّة تأليفيّة، تجد أنّ كلّ شخص تربطك به علاقة اجتماعيّة تدعوه صديقا. هذه العادة تؤكّدها الشبكات الاجتماعيّة كالفايسبوك، و ما أدراك ما الفايسبوك، إذ تجد أنّ بعضهم قد يصل عدد "الأصدقاء" الموجودين عنده المئات و أحيانا الآلاف دون أن يكون على اتصال وثيق بهم و هو ما يترجمه وجود بعض المجموعات من نوع "إذا أضفتني كصديق في الفايسبوك، فقم على الأقلّ بالسلام عليّ ! "
حسب هذه النظرة إذن كلّ علاقة اجتماعيّة هي صداقة و بما أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع فهو مضطرّ لعقد علاقات اجتماعيّة و بالتالي يصبح كلّ شكل من أشكال التواصل الاجتماعي صداقة ! أمّا إذا شئنا معرفة الجواب على سؤال "ما الّذي تنتظره من الصديق؟" فإنّ الجواب يصبح حسب هذه الرؤية: لا شيء، و أتساءل عن أيّ معنى لصداقة لا يمكن أن تحقّق أيّ هدف.
كثرة الأصدقاء تعني أن لا أصدقاء بالمعنى الّذي قصده دعبل الخزاعي لمّا قال" أنّي لأفتح عيني حين أفتحها..على كثير و لكن لا أرى أحدا". و قد تكون هذه الصداقة المزعومة أيضا عبء ثقيلا، إذ قد تجد الأحيان شخصا لا تكاد تذكر وجهه يصيح إذ يراك "خويا !" و يسلّم عليك بالقبلات ثمّ يطلب منك خدمة من النوع الثقيل و يكون عليك أن تذعن لطلبه و إلا ستكون انسانا سافلا حقيرا جاحدا بالصداقة، و هذه الوضعيّة لخّصها ببراعة من قال : "الاستعباد كثرة الإخوان".


كيفما تمّ تعريف الصداقة إذن، تبقى في كلّ الأحيان مفهوما مستحيل التحقيق يتأرجح بين المثاليّة المفرطة و الواقعيّة الفجّة، مفهوما لا يمكن أن يتجسّم في مجتمع بشري و هو ما عبّر عنه الشاعر العتابيّ لمّا سئل: من تجالس اليوم؟ قال: من أبصق في وجهه و لا يغضب؟ قيل: من؟ فأجاب: الحائط !