تابعتُ كغيري من التونسيين مباراة منتخبنا الوطني أمس ضدّ مالي. كان الانسحاب مؤلما، وإن لم يكن مفاجئا. منذ فوزنا بكأس إفريقيا سنة 2004، لم نتجاوز ربع النهائي إلا في مناسبة واحدة، وهذا ما يضعنا في مصاف منتخبات الصف الثاني في القارة. وحال بطولتنا لا يحتاج بيانا، ولولا أنّنا كنّا محظوظين ببعض اللاعبين المولودين خارج البلاد، فربّما لم نكن لنتجاوز مرحلة التصفيات.
بقطع النظر عن الأسباب الهيكلية لتردّي حالة كرتنا، هناك عامل أخاله لم يأخذ حظّه من التحليل، وهو الهشاشة الذهنية للاعبينا. أصبح الأمر يشبه القاعدة: كلما مررنا بمرحلة جيدة وحقّقنا نتائج محترمة، فإنّ أقلّ عثرة كفيلة بأن تبعث فينا الشكوك إلى أبعد الحدود. هذا ما حصل معنا إثر تصفيات كأس العالم التي تجاوزناها بسهولة ودون قبول أيّ أهداف، ممّا سلّط الأنظار علينا نوعا ما. وجاء تعادلنا مع البرازيل لنبلغ أوج الثقة، وحينها جاءت العثرة…التي كانت منتظرة.
أظنّ أنّ مشاركتنا في الكأس العربية للأمم لم تكن خطوة محسوبة جيّدا. شاركنا بتشكيلة لم تكن فريقنا الأوّل، وفي نفس الوقت كان فيها عدّة عناصر منه. وعكس منتخبات أخرى (كالمغرب) التي اتخذت قرارا واضحا بأن يشارك المنتخب الثاني بقيادة مدرب منتخب المحليين أو مدرب المنتخب الأولمبي، ذهبنا إلى قطر بقيادة الإطار الفنّي لمنتخبنا الأوّل. أوحى ذلك، بعد تعادل البرازيل، أننا ذاهبون هناك للظفر باللقب، وأظنّ ذلك لم يكن واقعيا بالمرة، لأنّه قبل يوم واحد من مباراتنا ضد سوريا، كان معسكر المنتخب لا يزال منقوصا من تسعة لاعبين على الأقل. يفترض ذلك أحد أمرين: إما أننا لم نكن ننوي الانتصار ضدّ سوريا، أو أننا ظننّا أن المباراة سهلة للغاية! وطبعا اتضح أنها ليست سهلة بالمرة، رغم سيطرتنا على مجريات المقابلة.
بعد خسارتنا أمام سوريا، يبدو أنّ الشكوك بدأت تتسرّب، وكان لا بدّ من الترشّح إلى الدور الموالي لتبديدها. ولكنّ مباراة فلسطين لم تلبث أن أكّدتها، فرغم تقدّمنا بهدفين، قدّمت فلسطين أداء بطوليا مكّنها من العودة في النتيجة، وهو ما أعلن بشكل حاسم نهاية أسطورة الدفاع الحديدي. ولم تنجح مباراة قطر، نظرا لطابعها الشكلي تقريبا، في تجاوز ذلك، رغم أني أزعم أنّها تمثّل الأداء الحقيقي لمنتخبنا حين يكون متحرّرا من الضغوط، إذ حققنا انتصارا سهلا على بطل آسيا بتشكيلته الأولى في عقر داره.
خروجنا من الدور الأول في كأس العرب جعلنا ندخل بمعنويات مهتزة. رغم الانتصار أمام أوغندا، جاءت هزيمتنا أمام نيجيريا لتؤكّد معاناتنا التاريخية كلمّا واجهنا أحد كبار القارة، حتى إن لم يكن في أفضل حالاته. عندما وصلت النتيجة إلى ثلاثية نظيفة في ساعة ونيف، فكلّ شيء كان يوحي بالانهيار، رغم تداركنا النسبي في النهاية. وآنذاك، ارتسم في الأذهان أنّ مواجهة أيّ منتخب سيكون عقبة كأداء، حتى إن كان منتخبا متوسطا يلعب منقوصا منذ منتصف الشوط الأوّل.
أظنّ أنّ القراءة الجيدة لذهنية لاعبينا كانت تتطلّب، منذ البداية، التضحية بالكأس العربية. من الواضح أنّ لاعبينا الناشطين في الدوريات العربية ليسوا في المستوى الذي يخوّل لهم المنافسة على اللقب، لا سيّما في ظلّ الغيابات العديدة في المباراة الأولى. كان أحرى أن يذهب منتخب شاب بغير المدرّب الأوّل، ولن يلومه أحد على الانسحاب المبكّر، في حين أنّ أيّ نتيجة إيجابية كانت ستعزّز المعنويات بشكل كبير.
هذه ليست ظاهرة طارئة. لنا تاريخ طويل يؤكد معطى الهشاشة الذهنية لمنتخبنا. لنذكر عهد روجي لومار. يمكن أن نقسّمه إلى فترتين: الأولى زاهية توّجنا خلالها بكأس إفريقيا وترشحنا إلى كأس العالم وقدمنا أداء محترما في كأس القارات، وفترة ثانية كان فيها الأداء مهزوزا وانحدر فيها المنتخب إلى الصف الثاني في القارة. ما كانت نقطة التحوّل؟ مباراة هامشية خضناها ضدّ غينيا في كأس إفريقيا 2006. كنّا فزنا في المبارتين الأوليين بسهولة، وخضنا المباراة الثالثة بالتشكيلة الثانية، رغم أنّ غينيا كانت فريقا جيدا للغاية، وانهزمنا بثلاثية. عندها، كأننا نسينا كلّ ما بُني في المنتخب منذ 2002، وغرقنا في المخاوف. وكانت النتيجة أننا لم نعد قطّ إلى نفس المستوى السابق.
لنذكر كذلك تصفيات كأس العالم 2010. كنّا خضناها بأداء محترم إلى حدّ المباراة الأخيرة، ولا شكّ أنّ الكثيرين يذكرون الأداء المميز ضد نيجيريا في لاغوس (2/2). ولكنّ هزيمتنا ضدّ الموزمبيق قلبت كلّ شيء رأسا على عقب. وقتها أقيل المدرب كويلهو وجيء بفوزي البنزرتي في مناخ متشنج للغاية، كتشنج البنزرتي نفسه في حادثة "كليكايا نيقاتيف"، وكانت النتيجة الحتمية الانسحاب من الدور الأوّل لكأس افريقيا رغم أنّنا كنّا نملك فريقا جيدا للغاية على الورق، فالمساكني والدرّاجي والذوادي وحقّي على سبيل الذكر لا الحصر كانوا آنذاك في أوج عطائهم. صحيح أنّ هزيمة الموزمبيق كانت قاسية، وحرمتنا من التأهل لكأس العالم للمرة الرابعة على التوالي، ولكن لم يكن الفريق بالسوء الذي يبرّر هدمه والبناء من جديد في فترة قصيرة للغاية.
تحتاج هذه الهشاشة الذهنية دون شكّ إلى مزيد التحليل، خاصة وأنّ لها تمظهرات أخرى. مثلا، لماذا يفشل اللاعب التونسي في الاحتراف بأوروبا؟ لماذا يبلغ اللاعبون المصريون والجزائريون والمغاربة مستويات عالمية، في حين أنّه لا يتجاوز اللاعبون التونسيون عموما مستوى الفرق المتوسطة؟ دون فهم معمّق للعامل النفسي، سيظلّ تغيير المدربين مجرّد إجراء اعتباطي لا غاية تُرجى منه إلا تخفيف حدّة الانتقادات، وهي انتقادات يتفنن في إلقائها شعب الله النبّار.

