الأحد، 4 يناير 2026

الهشاشة الذهنية… العطب المسكوت عنه في المنتخب التونسي

 


تابعتُ كغيري من التونسيين مباراة منتخبنا الوطني أمس ضدّ مالي. كان الانسحاب مؤلما، وإن لم يكن مفاجئا. منذ فوزنا بكأس إفريقيا سنة 2004، لم نتجاوز ربع النهائي إلا في مناسبة واحدة، وهذا ما يضعنا في مصاف منتخبات الصف الثاني في القارة. وحال بطولتنا لا يحتاج بيانا، ولولا أنّنا كنّا محظوظين ببعض اللاعبين المولودين خارج البلاد، فربّما لم نكن لنتجاوز مرحلة التصفيات.

بقطع النظر عن الأسباب الهيكلية لتردّي حالة كرتنا، هناك عامل أخاله لم يأخذ حظّه من التحليل، وهو الهشاشة الذهنية للاعبينا. أصبح الأمر يشبه القاعدة: كلما مررنا بمرحلة جيدة وحقّقنا نتائج محترمة، فإنّ أقلّ عثرة كفيلة بأن تبعث فينا الشكوك إلى أبعد الحدود. هذا ما حصل معنا إثر تصفيات كأس العالم التي تجاوزناها بسهولة ودون قبول أيّ أهداف، ممّا سلّط الأنظار علينا نوعا ما. وجاء تعادلنا مع البرازيل لنبلغ أوج الثقة، وحينها جاءت العثرة…التي كانت منتظرة.

أظنّ أنّ مشاركتنا في الكأس العربية للأمم لم تكن خطوة محسوبة جيّدا. شاركنا بتشكيلة لم تكن فريقنا الأوّل، وفي نفس الوقت كان فيها عدّة عناصر منه. وعكس منتخبات أخرى (كالمغرب) التي اتخذت قرارا واضحا بأن يشارك المنتخب الثاني بقيادة مدرب منتخب المحليين أو مدرب المنتخب الأولمبي، ذهبنا إلى قطر بقيادة الإطار الفنّي لمنتخبنا الأوّل. أوحى ذلك، بعد تعادل البرازيل، أننا ذاهبون هناك للظفر باللقب، وأظنّ ذلك لم يكن واقعيا بالمرة، لأنّه قبل يوم واحد من مباراتنا ضد سوريا، كان معسكر المنتخب لا يزال منقوصا من تسعة لاعبين على الأقل. يفترض ذلك أحد أمرين: إما أننا لم نكن ننوي الانتصار ضدّ سوريا، أو أننا ظننّا أن المباراة سهلة للغاية! وطبعا اتضح أنها ليست سهلة بالمرة، رغم سيطرتنا على مجريات المقابلة.

بعد خسارتنا أمام سوريا، يبدو أنّ الشكوك بدأت تتسرّب، وكان لا بدّ من الترشّح إلى الدور الموالي لتبديدها. ولكنّ مباراة فلسطين لم تلبث أن أكّدتها، فرغم تقدّمنا بهدفين، قدّمت فلسطين أداء بطوليا مكّنها من العودة في النتيجة، وهو ما أعلن بشكل حاسم نهاية أسطورة الدفاع الحديدي. ولم تنجح مباراة قطر، نظرا لطابعها الشكلي تقريبا، في تجاوز ذلك، رغم أني أزعم أنّها تمثّل الأداء الحقيقي لمنتخبنا حين يكون متحرّرا من الضغوط، إذ حققنا انتصارا سهلا على بطل آسيا بتشكيلته الأولى في عقر داره.

خروجنا من الدور الأول في كأس العرب جعلنا ندخل بمعنويات مهتزة. رغم الانتصار أمام أوغندا، جاءت هزيمتنا أمام نيجيريا لتؤكّد معاناتنا التاريخية كلمّا واجهنا أحد كبار القارة، حتى إن لم يكن في أفضل حالاته. عندما وصلت النتيجة إلى ثلاثية نظيفة في ساعة ونيف، فكلّ شيء كان يوحي بالانهيار، رغم تداركنا النسبي في النهاية. وآنذاك، ارتسم في الأذهان أنّ مواجهة أيّ منتخب سيكون عقبة كأداء، حتى إن كان منتخبا متوسطا يلعب منقوصا منذ منتصف الشوط الأوّل.

أظنّ أنّ القراءة الجيدة لذهنية لاعبينا كانت تتطلّب، منذ البداية، التضحية بالكأس العربية. من الواضح أنّ لاعبينا الناشطين في الدوريات العربية ليسوا في المستوى الذي يخوّل لهم المنافسة على اللقب، لا سيّما في ظلّ الغيابات العديدة في المباراة الأولى. كان أحرى أن يذهب منتخب شاب بغير المدرّب الأوّل، ولن يلومه أحد على الانسحاب المبكّر، في حين أنّ أيّ نتيجة إيجابية كانت ستعزّز المعنويات بشكل كبير.

هذه ليست ظاهرة طارئة. لنا تاريخ طويل يؤكد معطى الهشاشة الذهنية لمنتخبنا. لنذكر عهد روجي لومار. يمكن أن نقسّمه إلى فترتين: الأولى زاهية توّجنا خلالها بكأس إفريقيا وترشحنا إلى كأس العالم وقدمنا أداء محترما في كأس القارات، وفترة ثانية كان فيها الأداء مهزوزا وانحدر فيها المنتخب إلى الصف الثاني في القارة. ما كانت نقطة التحوّل؟ مباراة هامشية خضناها ضدّ غينيا في كأس إفريقيا 2006. كنّا فزنا في المبارتين الأوليين بسهولة، وخضنا المباراة الثالثة بالتشكيلة الثانية، رغم أنّ غينيا كانت فريقا جيدا للغاية، وانهزمنا بثلاثية. عندها، كأننا نسينا كلّ ما بُني في المنتخب منذ 2002، وغرقنا في المخاوف. وكانت النتيجة أننا لم نعد قطّ إلى نفس المستوى السابق.

لنذكر كذلك تصفيات كأس العالم 2010. كنّا خضناها بأداء محترم إلى حدّ المباراة الأخيرة، ولا شكّ أنّ الكثيرين يذكرون الأداء المميز ضد نيجيريا في لاغوس (2/2). ولكنّ هزيمتنا ضدّ الموزمبيق قلبت كلّ شيء رأسا على عقب. وقتها أقيل المدرب كويلهو وجيء بفوزي البنزرتي في مناخ متشنج للغاية، كتشنج البنزرتي نفسه في حادثة "كليكايا نيقاتيف"، وكانت النتيجة الحتمية الانسحاب من الدور الأوّل لكأس افريقيا رغم أنّنا كنّا نملك فريقا جيدا للغاية على الورق، فالمساكني والدرّاجي والذوادي وحقّي على سبيل الذكر لا الحصر كانوا آنذاك في أوج عطائهم. صحيح أنّ هزيمة الموزمبيق كانت قاسية، وحرمتنا من التأهل لكأس العالم للمرة الرابعة على التوالي، ولكن لم يكن الفريق بالسوء الذي يبرّر هدمه والبناء من جديد في فترة قصيرة للغاية.

تحتاج هذه الهشاشة الذهنية دون شكّ إلى مزيد التحليل، خاصة وأنّ لها تمظهرات أخرى. مثلا، لماذا يفشل اللاعب التونسي في الاحتراف بأوروبا؟ لماذا يبلغ اللاعبون المصريون والجزائريون والمغاربة مستويات عالمية، في حين أنّه لا يتجاوز اللاعبون التونسيون عموما مستوى الفرق المتوسطة؟ دون فهم معمّق للعامل النفسي، سيظلّ تغيير المدربين مجرّد إجراء اعتباطي لا غاية تُرجى منه إلا تخفيف حدّة الانتقادات، وهي انتقادات يتفنن في إلقائها شعب الله النبّار.


الخميس، 6 نوفمبر 2025

نحن، من تنفسنا الحرية...



أنا من جيل تربّى على الخوف. كنا نتعلّم الصمت قبل النطق، ونفهم أن الحديث عن الشأن العام ليس شأننا. كبرنا في بلد يكتسي البنفسجي ويقدّس الرقم سبعة. علّمونا أنّ التفاعل الوحيد الممكن مع الخطابات الجوفاء هو التصفيق.
ثم جاءت الثورة، ففُتح الباب على مصراعيه. اكتشفنا أن الكلام لا يقتل. اكتشفنا أنه من الممكن أن نسمع أكثر من صوت ونرى أكثر من لون. اكتست تلك السنوات العشر بالفوضى، كما اكتست بالحياة. جرّبنا كلّ شيء ولم نحجم. جرّبنا السياسة والنقاش والمبادرات والاحتجاجات، والفشل أيضا. أخطأنا كثيرا، لكننا كنا أحياء. الحرية إدمان جميل، كلّما ذقنا منها، اشتدت حاجتنا إليها.
لكن شيئا ما انكسر في الطريق. في لحظة إعياء جماعيّ، أو ربما غفلة، تركنا الباب يُغلق من جديد. تسلّل الخوف مرّة أخرى، لكن هذه المرّة بوجه آخر لم نتعوّده: وجه متجهّم إلى حدّ الكوميديا. صارت القبضة الحديدية تلوّح مقهقهة، لا تخفي استهتارها، ولا تسعى حتى أن تجد تعلات لتغوّلها. عدنا إلى الصوت الواحد، ولكنه هذه المرة صوت لا يسمع إلا نفسه. لا يسعى لإقناعنا، ولا يحترم ذكاءنا. بل أنه لا يعتبرنا موجودين أصلا!
تضيع البلاد من بين أيدينا كما يتسرّب الرمل من الكفّ. ليس لأن أحدا انتزعها منّا، بل لأننا نحن تخلّينا عنها قليلا كلّ يوم. لا مبالاتنا صنعت هذا المسخ الذي نسميه واقعنا اليوم. هذا القوس الأسود سينتهي بلا شك، فكلّ استبداد يحمل بذرة فنائه. لا يمكن لهذه الرداءة المعممة أن تدوم، ببساطة لأنها رداءة! هي تداري عجزها وترقّع ثوبها لكنّ مآلها أن تنكشف، كالتلميذ الرديء الذي يمكن أن يغشّ أو يمثّل ثمّ يسقط عندما يوضع في امتحان حقيقي. لكنّ الثمن سيكون فادحا. سنفيق على مؤسسات مهدّمة، واقتصاد يترنّح، ونخبة أنهكها العجز أو الصمت.
حينها، سنضطر أن نبني كلّ شيء من البداية، ونحن نحمل بذرتها في أنفسها، حتى وإن توارت خلف الظلّ لفترة. البداية تكون بالحرية. نحن لا نستحقها فقط، نحن لا نكون من دونها. هي التي تجعلنا نرى أنفسنا، ونحمل البلاد معنا ونرى الممكن حقا دون أوهام أو تهيّؤات.

الأحد، 19 أكتوبر 2025

الأمن...فوق الجبل


منتزه النحلي من أماكني المفضلة. أشعر أني محظوظ لأني أسكن على مقربة منه. هو فسحة يندر أمثالها في العاصمة وضواحيها لاستنشاق جرعة من الهواء النقي وقضاء وقت هادئ.

في ذلك اليوم، كُنت قد بدأت أشفى من نزلة برد حرمتني من ممارسة الركض هناك لعدّة أيام. قرّرت أن أقضي عدّة ساعات هناك كنوع من الاستشفاء الجسدي والنفسي.

بعد أن أتممت لفّتين أو ثلاثا من الركض في المسلك الصحي، اخترتُ مكانا للجلوس تحت أشجار الصنوبر بعيدا عن المسلك الرئيسي، فعلى رغم هدوء المكان عموما، فلا يخلو الأمر أحيانا من بعض المشاة ذوي الأصوات العالية، ولم تكن لي رغبة بالمرة في مواجهة مثل هذا الإزعاج.

يمرّ الوقت هناك دون أن أشعر به. عادة ما أقضيه في التأمّل وتقليب الأفكار والكتابة والمطالعة. كنت بصدد ممارسة هذا الروتين لمّا طرقت مسامعي أصوات سنابك الخيل. لم أستغرب ذلك، فطالما رأيتُ أعوانا من وحدات التدخل يأتون بشاحنات كبيرة محمّلة بالخيل إلى المنتزه، وافترضتُ أنّ تدريبها يقتضي إطلاقها في أماكن فسيحة كالنحلي.

كانت الأصوات تقترب منّي دون أن أعيرها اهتماما. كنتُ منشغلا في الكتابة. بعد ثوان، كان رجل أمن يقف على صهوة جواده أمامي. ألقى التحية فرددتها عليه. سألني: أتركض هنا؟ أجبته دون أن أرفع عيني عما أكتبه: نعم، وها أنذا أستريح. قال: هات بطاقة التعريف!

نظرت إليه مذهولا. لم أكن أظنّ أنني سأحتاج في خلوة على الجبل إلى الاستظهار بهويتي، وفي الحقيقة أنني نادرا ما أحملها حين الركض، ولم أكن متأكدا من أنها معي في تلك اللحظة. همست في تردّد وكأني أتأكد: ماذا؟ أجابني بصوت معروف لدى عموم المواطنين: طقتتعريف!

تحسست الحقيبة الصغيرة التي أضع فيها قارورة الماء بتوجّس، ثم تنفست الصعداء. يبدو أن العناية الإلهية أوحت إليّ أنني سأتعرض لمثل هذا الموقف، فألقيت بحافظة أوراقي وسط الحقيبة قبل أن أخرج.

مددت إليه البطاقة دون أن أغادر مكاني، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة. طبعا، واجبي كمواطن أن أجعل الأمور أيسر على السيد العون. نهضتُ متثاقلا ومددت إليه البطاقة. نظر إليها وقلّبها ثم قال: ألم ترتكب شيئا؟ أجبت: لا. قال محذّرا: يمكنني أن أتأكد من ذلك. أجبته: افعل إذا شئت.

ردّ إليّ البطاقة وقال فيما يشبه التفسير: إنه مجرد 'كونترول' فلا تقلق. لم أدر لم كان عليّ أن أقلق. تذكرت صديقا من أستراليا كان يقول ساخرا: "عمليات المراقبة هذه لا تجدها إلا في الدول المتخلفة، كتونس وفرنسا! ففي الدول التي تحترم مواطنيها ليس من حقّ الأمني أن يتعرّض لك بأيّ شكل إلا إذا كان هناك داع لذلك". أجبت العون على كلّ حال: أفهم ذلك. تركني ومضى.

عدت إلى مكاني تحت الشجرة، وقد تكدّر صفوي. كنت أنوي قضاء صباح هادئ في مكاني المفضل وسط الطبيعة، فوجدتُ نفسي عرضة للاستجواب الأمني. من حسن حظي أني كنت أحمل بطاقة تعريفي. يجب أن تكون معي دائما، حتى لو كنت أغوص في أعماق البحر! ماذا كان يحدث لو أنها لم تكن معي؟ ربما كنت ستتصدر صورتي نشرات الأخبار مع عنوان بارز "القبض على عنصر من العناصر التي تتدرّب في الجبل". تنهّدت وأنا أفكّر في حماقتي إذ أنشد شيئا من السلام في بطن الطبيعة. ظننت أني أتحرر هناك. لعلّ الحرية مجرّد استراحة قصيرة بين عمليتي تفتيش.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

الطائر الهاوي...تجربتي الأولى مع الموت

حدث ذلك في عُطلة، أخالها عطلة الربيع، لمّا كنتُ في سنّ السادسة. كعادتي وعادة لداتي من أبناء العائلة، كُنت أقضي أغلب أوقات الفراغ، إن لم نقل كلّها، بدار جدّتي. كنّا نلهو طول الوقت متمتّعين باللمجات التي لا تنتهي التي تمدّنا بها ميما. كان يوما معتدلا مناسبا للعب في الفضاء الخارجي. كنّا نتقاذف الكرة في الفناء الاسمنتي المجاور للمطبخ. لا أدري كيف كان ذلك المكان الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار مربعة يسعنا.
قطع لهونا صوت خافت يشبه الزقزقة. لم نبحث طويلا. قرب الحائط الخارجي، كان هناك عصفور صغير واقع على الأرض. أظنه كان من نوع الدوري (البوزويش). لم نكن نعلم تحديدا من أين أتى، ولكن كان هناك عشّ مُقام على عمود الإنارة على الجهة المقابلة من النهج، وافترضنا أنه سقط من هناك، وإن لم نلحظ أثرا لعصافير أخرى من نفس النوع يومها.
تحلقنا حوله. كان بالكاد يتحرك، ويبدو أنه يتنفس بصعوبة. لم نعرف ماذا نفعل معه. كيف بالإمكان أن ترعى طائرا لا يقدر على الطيران؟ خمنّا أنه لا شكّ عطشان وجوعان. كان لنا شيء من الحبوب التي كنّا نطعم بها الصيصان التي نشتريها والتي لا تعيش إلا لساعات أو أيام على أقصى تقدير. جئناه بشيء منها فلم يتناول منه شيئا. ولكن لمّا جئناه بالماء، شرب منه شيئا قليلا، وهلّلنا كلنا لذلك.
قضينا ساعات برفقة ذلك الطائر. كنّا ننتبه لكلّ حركة يبديها ويخيّل إلينا أنها دليل على أنه يتعافى. حفظنا ملامحه حتى خلنا أنه بإمكاننا أن نميّزه عن أقرانه، بذلك الاحمرار الخفيف الذي يمتزج بالبنّي في أعلى رأسه وجناحيه، وبتلك البقعة السوداء الصغيرة أسفل منقاره، وبذلك الملمس الناعم لزغبه الأبيض الذي يغطي بطنه وبتلك الرنة الخافتة في صوته المتعب.  بل أننا بدأنا ننسج مخططات لمستقبله: هل نخصص له قفصا يكمل فيه تعافيه بعيدا عن القطط والكلاب التي تتربص به؟ أم يجدر أن نطلقه في الطبيعة فورا؟
من العجيب أنني لم أمنحه اسما. كنت مولعا بتسمية كل شيء، كأنني أقفو أثر جدّي آدم. لكنّ التسمية امتلاك، ولعلّي كنت أستبطن أنّه مما لا يمكنني امتلاكه.
بعيد الغداء، أردنا تفقّده، ولكنه لم يكن يتحرك. ما باله؟ ألم يكن يومئ برأسه ويشرب الماء قبل قليل؟ ألم تتحسن حاله حتى خلنا أنه سيعود إلى الطيران قريبا؟ في خضمّ تلك الحيرة، لا أدري تحديدا من نطق بتلك الجملة "لقد مات"...
وجدت نفسي أنفجر في نوبة طويلة من البكاء. ربما كان ذلك حزنا على ذلك الكائن الرقيق الذي أفقده حادث عارض حياته. ربما كان ذلك أسفا على صداقة مأمولة بدأت أنسج أحلامها. ربّما كان ذلك خوفا من هذه النهاية المفاجئة التي تعصف بالأرواح...
أخذ الجميع يواسونني ويحاولون تهدئتي، ويعدونني باقتناء طائر أجمل. لكني لم أكفّ عن البكاء. تفتقت قريحة ابن عمي عن فكرة سرعان ما رضيت عنها: سنقيم مراسم دفن لهذا العصفور. أعددنا ما يشبه التابوت من الأخشاب التي كانت بورشة جدي. حفرنا حفرة صغيرة قرب مدخل الدار ووضعنا جثة العصفور هناك، وغطيناها بتلك الأخشاب. لعلّ أحدنا نطق ببعض الكلمات التأبينية حينها. وهكذا ودّعت ذلك الكائن الذي عبر حياتي لساعات... 

الاثنين، 29 سبتمبر 2025

إغراء الوردة

أن ترى وردة
تتفتح ذات صباح
تحيط بها غيمة من ندى
تتثاءب والعطر ييمم شطرك
تُفتح فيك حواس جُددْ
أنت تسبح في عالم من أثير
يهيل الضباب على يومك المتكرر
تغمض عينك 
تهمس: أيّ مدد؟
لتحاذرْ وأنت تجدّد روحك
من ذلك الظلّ فيك
تراه يراود ذاك النزوع القديم
ينادي لتقطفها
لتصير بين يديك
مِلكا بلا شركاء 
ودون أحدْ
ربّما تنتشي لحظة
ثمّ تنسى...
وتصبح روحك قبرا لها
حينها تتبخّر لحظتك الساحرهْ
وتعود إلى ملل اليوم
تغدو أسير الأبدْ...

الاثنين، 22 سبتمبر 2025

متى نقطع مع اقتصاد الرخص؟


مرّت سبعون عاما تقريبا على الاستقلال، وأكثر من خمسين على قانون 1972، ولا يزال الاقتصاد التونسي يقوم على مبدأ واحد: الرخص.

يتجلّى هذا الرخص أولا في الأجور. الأجر الأدنى 528 دينارا، أي 150 أورو، عُشر ما هو معمول به في فرنسا. هناك يمكّن الأجر الأدنى من حياة كريمة، وهنا لا يكفي لتغطية أبسط الحاجات. كل زيادة تُمرّر بخوف: خوف من هروب المستثمر الأجنبي، والعياذ بالله!

يكمن الرخص أيضا في علاقتنا بالقوى المصنّعة. نحن لا نصنّع منتَجا كاملا، بل نكتفي بقطع وأسلاك. في الماضي كنّا نركّب سيارات وحافلات، أما اليوم فلا إرادة ولا سياسة لتجاوز موقع المُناولة (الذي، للمفارقة، ألغيناه داخليا).

وفي زيت الزيتون، الأمر أدهى وأمر. نحن من كبار المنتجين عالميا، لكننا لا نتمتّع به إلا بعد أن يُلبَّى طلب الخارج. والأسوأ أنه في الغالب يُصدَّر دون تعليب، لتشتريه شركات إسبانية وإيطالية وتضع أسماءها عليه. مسؤولون خرجوا لتبرير هذه السياسة، دون أن تخطر ببال أحدهم خطة لصناعة علامة تونسية تفرض نفسها.

أما السياحة، فهي الرخص يمشي على قدميه. بعض الأوروبيين يتبجّحون بأن قضاء عطلة في تونس أرخص عندهم من البقاء في بيوتهم. في المقابل، صار على المواطن التونسي أن ينفق راتب شهر كامل ليقضي نهاية أسبوع في نزل ببلده. هذا دون أن ننسى أنها قطاع هشّ لا يوفّر سوى شغلا هشّا، في مقابل بضع عملات صعبة.

هذا ليس قدرا. إنه خيار اتخذته الدولة في مرحلة مبكرة وكان من المفروض أن يكون وقتيا وأن يقع تجاوزه تدريجيا. المقابل الوحيد الممكن للرخص هو الكرامة. وما أحوجنا إلى سياسات عمومية تعيد إلينا كرامتنا.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

ثمن السهولة


ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة. يكفي أن ترى كيف ينفق الذين حازوا أموالا طائلة عن طريق الرهان ما كسبوه، ومثل ذلك من يرثون ثروات كبيرة. لكنّ الأمر يتجاوز الجانب المالي. أعتقد أنّ نفس الشيء ينطبق على العلاقات، لا سيّما العاطفية منها. إذا كان كلّ شيء يسيرا ميسّرا منذ البداية ولمدة طويلة، فمن المرجّح ألّا تدوم العلاقة طويلا. إذا لم تكتسب العلاقة جانبا يحتوي على نوع من التحدّي أو المغامرة، فمن المحتمل أن يملّها أحد الطرفين أو كلاهما بعد بعض الوقت. قد يكون التوافق في الطباع والميول مدهشا، ولكن ما فائدة أن يعيش المرء مع نسخة من نفسه؟ إذا لم يكن هناك صراع ما، حتى إن كان طفيفا، فستذوي جذوة الاهتمام. الأمر شبيه تماما باللعب: إذا كانت اللعبة سهلة للغاية، فلن تضحي مسلية بعد فترة. كما إذا كانت صعبة للغاية، فسينفد الصبر منها. الأمر كلّه يتعلّق بدرجة الصعوبة وطبائع التعامل معها.