الخميس، 12 فبراير 2009

الوطن الرحباني: أطلنتس الضائعة (2)


الوطن الرحباني كوطن رمزي


من "التهم" الّتي وجّهت إلى الرحابنة أنّهم تجاهلوا في الأعمال الّتي قدّموها طبيعة العلاقات الاجتماعيّة و السياسيّة القائمة في لبنان و رسموا لبلدهم صورة طوباويّة موغلة في المثاليّة للبنان "أخضر حلو"، وطن "للندى و الزنبق"، يغنّي "الميجانا" و يرقص "الدبكة" و ينشد للحبّ و السلام، و بعبارة أخرى، وجّهت للرّحابنة تهمة تخدير شعوبهم بالتغنّي عن وطن أشبه بـ "إرم" لا يوجد إلا في مخيّلتهم في حين كان لبنان على شفا الانفجار، و هو ما وقع سنة 1975 محطّما آمال شعب في وطن لم يوجد قطّ...أعتقد أنّ هذه النظرة تعكس خلطا غير مقبول بين الخيال و التخدير، فإذا كانت المخدّرات تغييبا سلبيّا يترجم هربا و استسلاما من مواجهة مشاكل الواقع، فإنّ الحلم هو خطوة ضروريّة لتجاوز مرارة الواقع و الارتقاء بالنفوس المتصارعة إلى ما فوق التناحر و الانشقاق، و كيف يقع الانعتاق من قسوة الواقع إن توقفنا عندها و غرقنا فيها و في وحشيّتها لم نتحدّث إلا عنها و لم نتخيّل صورة نريد أن يكون الواقع عليها و كما يقول توفيق الحكيم "الفاصل الوحيد بين الإنسان و الحيوان هو "الخيال".إنّ اليوم الّذي يستطيع فيه الحيوان أن يحيا دقيقة واحدة، خارج الواقع و المادة...اليوم الّذي يلجأ فيه الحيوان إلى طرق معنويّة غير مباشرة للوصول إلى غاياته...اليوم الّذي يستطيع فيه الحيوان أن يمضي الليل "يحلم" في غابته المقمرة بدلا من مطاردة الفريسة، هذا اليوم يكون آخر عهده بالحيوانيّة..."الحلم" هو العالم العلوي الّذي لا يدخله حيوان"...هذا ما حاول الرحابنة انجازه، أن يسموا باللبنانيين فوق ذلك الواقع الدموي الملفوف بالتمّزق و التشرذم إلى دعوة للمشاركة في حلم يكون فيه لبنان قطعة من السماء...و حتّى عندما انفجر لبنان، لم يزحزح الانفجار إيمانهم بحلمهم قيد أنملة، بل ظلّ راسخا كالطود، كإيمان الأنبياء...ففي أحلك الفترات الّتي عاشها لبنان كان صوت فيروز يأتي صادحا مؤكّدا أنّ لبنان "ما بيموت" و أنّه "راجع بأصوات البلابل"...و عندما كانت بيروت تدمّر، غنّت في ثقة "الإيمان الساطع" "ارجعي يا بيروت...ترجع الأيّام"...


هذا الإيمان بالوطن تجاوز صداه حدود لبنان فشارك في عيش الحلم الرحباني أفراد فرّقتهم حدود البلدان و الملل و لكن جمعهم صوت فيروز فكان لهم وطنا يجمعهم من دون باقي الأوطان...صوت لعلّ أصدق ما قيل فيه:" أغمض عينيك عندما تستمع إلى فيروز...إنّنا لا نستطيع أن نرى الملائكة، و لكن يحدث أحيانا أن نسمعها تغنّي"...صوت غنّى للبنان دون أن يشعرك بأنّ لبنان وطن بعيد عنك، لا تعنيك همومه بل تؤمن إذا استمعت إليه أنّه وطنك الّذي تنتمي إليه، لا سيما و نفس الصوت يغنّى لتونس و سوريا و مصر و العراق و غيرها من البلدان محطّما تلك الحدود الّتي لا توجد إلا في أذهان من رسموها...صوت غنّى للسيّد المسيح و السيّدة العذراء كما تغنّى بمدح النبيّ صلّى الله عليه و سلّم و بمكّة فكسر بذلك قيودا طالما كبّلت العقل عن الصراع بين الأديان...عندما تستمع لفيروز، فإنّك تحسّ أنّك تصلّي دون أن تكون مضطرّا لأن تركع أو تسجد أو أن تؤدّي أيّ طقس من الطقوس...فقط تحرّر جسدك من كلّ ما يقيّده و تستسلم لذلك الشعور بالخشوع الّذي يتملّكك و أنت تصغي لصوت آت من السماء...صوت قدّيسة...من يستمع إلى فيروز و يزعم أنّه لا يحسّ بروحه تعلو خفّاقة إلى الملأ الأعلى فاعلم إنّه إمّا عنيد مكابر أو أرضيّ شديد اللصوق بالثرى، قد سلبت روحه فلا يستطيع إلى السماء ارتفاعا...


موت الوطن


دخل الوطن الرحباني في حالة "موت سريري " منذ انفصال الأخوين رحباني عن فيروز و هو انفصال كان كما قال أحد الكتّاب "أشبه بزلزال و تصدّع فنّي..و ما حصل في الوجدان العربي كان أشبه ما يكون بنكسة جديدة و انحدار جديد لم يكن هذه المرّة سياسيّا و إنّما كان انحدارا فنيّا"...اتّجهت فيروز إلى العمل مع ابنها زياد فلم تعد "فيروزا" إذ فقد غناؤها لونه السماوي و نقاوته و قيمته، فزياد ، على نبوغه، اختار أن يكفر بالوطن الرحباني فجاء فنّه محمّلا بهموم الواقع و مشاكله و تعابيره فكانت فيروز زياد أرضيّة، شديدة البعد عن السماء و فقدت بذلك صفتها كـ"جارة للقمر" و "سفيرة للنجوم" و بذلك حرم زياد الإنسانيّة من صلة كانت تعصمه من الغرق في الماديّة، و لعلّه بذلك أكثر استحقاقا لأن يحاكم من أجل جرائم ضدّ الإنسانيّة من مجرمين مزعومين آخرين...

أمّا الأخوان رحباني فقد حاولا أن يتعاملا مع أصوات أخرى تواصل حمل رسالتهم و لكن أنّى يجود الزمان بقدّيستين؟ فقد جاءت أعمالهما بعد فيروز محاولة باهتة لإنعاش جسد هامد...ثمّ مات عاصي سنة 1986 و بقي منصور وحده وفيّا لتقاليد وطن بناه بيديه و رفض أن يتخلّى عنه فبقي في ذلك الوطن نفَس يتردّد و يعيش على أمل واه بالعودة يوما... حتّى رحل منصور و برحيله أسدل الستار نهائيّا على وطن...هوى كأطلنتس و ابتلعته مياه المحيط و طمست آثاره...إلا من ذكرى مضيئة لا تزال تخفق بها قلوب كلّ من كانوا مواطنين في ذلك الوطن الكبير.



الجمعة، 30 يناير 2009

الوطن الرحباني: أطلنتس الضائعة (1)

من المقولات الشهيرة لأمادو همباتي با: "في إفريقيا، إذا مات شيخ فإنّ مكتبة تحترق"، فالتراث في تلك المنطقة من العالم بقي في جزء كبير منه شفويا محفوظا في صدور الرّجال، لم يخطّ في صفحات الكتب، فإذا مات أحدهم فإنّ جزء من التراث يضيع إلى الأبد فالشيوخ هناك يقومون بنقله من جيل إلى جيل، و هو دور هام جدّا، لا شكّ في ذلك، فالتراث جزء من هويّة أيّ وطن من الأوطان، و بالتالي، فإذا مات شيخ هناك فإنّ جزء من الوطن يموت معه...و لكن في مناطق أخرى من العالم، هناك أشخاص إذا ماتوا تموت معهم أوطان بكاملها...

مات منصور رحباني، لحق بشقيقه عاصي إلى السماء الّتي كانا لها لسانا ردحا من الدهر و أصبح "الأخوان رحباني" صفحة تقرأ في تاريخ الفنّ...رحل آخر من تبقّى من أعمدة "الوطن الرحباني"، فغمرت مياه المحيط العاتية هذا الوطن الّذي اختفى، تماما كجزيرة أطلنتس الأسطوريّة الضائعة إلى الأبد...وطن كان شهابا مارا، و لكن شديد الشعاع...هو وطن طمست معالمه منذ أكثر من ربع قرن، لكن ظلّ منصور حاملا رايته طيلة تلك المدّة حتّى لبّى داعي الرحيل، و لعلّه كان يردّد في نفسه قبل أن يركب السفينة:"اللي بدّو يصير ما عاد يهم، أنا لعبت الدور و الدور المهم"، و كيف لا و هو قد ساهم في تكوين وطن رحباني بمعناه الفنّي و الرمزي.


الوطن الرحباني كوطن فنّي


لو شئنا اعتماد التعابير الشائعة، لتحدّثنا عن مدرسة رحبانيّة...لكن هذا المصطلح غير كاف للتعبير عن إضافة الرحابنة للموسيقى العربيّة إذ أنّهم لم يكونوا مجرّد اتّجاه له بعض الخصائص في إطار نموذج سائد بل كان فنّهم قلبا لجميع المعايير و القوالب الّتي سبقتهم حتّى أنّه يمكن الحديث عن فنّ "قبل رحباني" و فنّ "بعد رحباني". لقد كان الرحابنة كعلّيسة الّتي غادرت وطنها لتؤسّس في مكان بعيد وطنا جديدا...و يمكن القول أنّ الرحابنة قدّموا التجربة الوحيدة الّتي يمكن أن تعتبر مشروعا فنّيّا متكاملا..."وطنا فنيّا".


قبل الرّحابنة، كان هناك نوع من النمط الّذي يحكم الأغنية العربية و الأغنية المثال في إطار هذا النمط هي أغنية باللهجة المصريّة(قد يكون ذلك راجعا لكون مصر كانت البلد الأكثر حركيّة على المستوى الثقافي في الوطن العربي و هو ما تعزّز مع دور الشوام المهاجرين إليها أيّام الحكم العثماني إضافة إلى ما يمكن تسميته بنزعة المركزيّة المصريّة الّتي تريد أن تجعل من مصر محور كلّ ما يقع من أمر في أيّ مكان من البلاد العربيّة، و هي نزعة كان لها فيما أرى أثر سلبي خصوصا على المستوى السياسي) ،و هي أغنية تدوم لمدّة طويلة إذ أنّ أغنية لا تتجوز بضع دقائق كانت تعتبر هذرا و في أحسن الحالات أغنية غير جادّة ، و هي كلماتها تدور حول نفس المعاني (الحبّ و الهجر و الرغبة في الوصال...) ألحانها لم توضع إلا لإبراز القدرات الصوتيّة لمؤدّيها، يتكرّر فيها المقطع الواحد عدّة مرّات لتمكين المستمعين من "الطرب" و بالجملة كانت الأغنية المثال هي أغنية التخدير...هذا النمط قام الرحابنة بهدمه من أساسه.


استعمل الرحابنة في أغلب أغانيهم لهجة لبنانيّة تنتقى فيها الكلمة كما تنتقى اللآلئ في عقد يهدى لملكة، أو كما قيل في كلام الإمام الشافعي "ما سمعته تكلم بكلمة إلا اعتبرها المعتبر لا يجد كلمة في العربية أحسن منها"...هي كلمات غاية في البساطة، يفهمها الجميع حتّى من غير اللبنانيين بعيدة عن التعقيد و المتاهات الفكريّة (و هنا أتحدّث عن الأعمال الرحبانيّة "الخالصة"، ممّا يستثني الأعمال الّتي كتبها غير الرحابنة، لا سيما سعيد عقل رائد الرمزيّة)...و هي مع ذلك بعيدة عن كل إسفاف و ابتذال بل أنّها ببساطتها تخلق عالما أقرب إلى الخيال (و هو ما سيتم التطرّق إليه في الجزء الثاني)...تقترب لغة الرحابنة من الفصحى و تدانيها حتّى تكاد تلامسها، و لعلّها بذلك ترسم مثالا لعربيّة مبسّطة أو عاميّة مهذّبة تقع في منتصف الطريق بين العاميّة المبتذلة و الفصحى المتقعّرة...

أمّا عن مدّة أغاني الرحابنة، فهي قصيرة نسبيّا إذ لا يتجاوز أطولها الربع ساعة و عادة ما تكون في حدود ثلاث أو أربع دقائق و أحيانا تنزل إلى دقيقة و نيف، ذلك أنّ الرحابنة أعداء التمطيط الاصطناعي و الممجوج و المملّ لمقطع بعينه فغاية الأغنية ليس الإطراب في حدّ ذاته، و هو ما كان سهل التحقيق في ظلّ وجود صوت كصوت فيروز(و ربّما استسلم الرحابنة لهذا الإغراء في بعض الأغنيات الـ "شبه طربيّة" كـ "غنّيت مكّة")، بل أنّ الهدف هو إيصال رسالة في الوقت الّذي يستوجبه ذلك، فلا حاجة إلى تكرار نفس الكلمات لمدّة ساعة إذا كان المعنى يدخل إلى قلب المتلقّي في دقيقة (و ربّما يضيق به ذرعا بعد ذلك)...و لعلّ أفضل مثال على ذلك أغنية "بيقولو صغيّر بلدي" الّتي تدوم دقيقة و أربعا و عشرين ثانية و مع ذلك فليست بحاجة إلى أيّ ثانية إضافيّة ليصل المعنى...

و في ما يخصّ الألحان، بعث الرحابنة التراث اللبناني خلقا جديدا فخرجوا به من إطار الفلكلور الميّت الّذي يغنّيه الشيوخ متحسّرين على أيّام زمان و استلهموه، على اختلاف أشكاله(الحضري و الريفي و حتّى البدوي) في عدد كبير من الأغاني، حتّى أصبح من الصعب التمييز في أغلب الأحيان بين الأغنية التراثيّة و الأغنية الرحبانيّة...أصبح التراث مع الرحابنة نابضا عامرا بالحياة و أصبحت أغاني الرحابنة تراثا يغنّي "الدبكة" و "الميجانا"...و مع ذلك، لم ينغلق الرحابنة في حدود وطنهم و استفادوا من التجارب السابقة و حتّى المعاصرة لهم إذ تعاملوا مثلا مع محمّد عبد الوهّاب فقاموا بإعادة توزيع بعض أغانيه (كـ "يا جارة الوادي") و غنّت فيروز من ألحانه بعض أروع أغانيها ("اسهار" و "سكن الليل") كما أنّهم انفتحوا على الموسيقى الغربيّة و استعملوا آلاتها في بعض الأغنيات دون أن يظهر أثر للافتعال في هذا الإقحام (كما في أغنية "يا نسيم الدّجى" و "كنّا نتلاقى")...

و من مميّزات الوطن الرحباني تجربة المسرحيات الغنائية و هي تجربة فريدة، إذ لم تكن مسرحيّات الرحابنة مغنّاة من أوّلها إلى آخرها على غرار مسرحيات شوقي و لم تكن مسرحيّات "نثريّة" بل كانت مزيجا بين هذين النموذجين إذ يختلط السرد بالحوار و الغناء في إطار عجائبي تارة (كمسرحيّة "جسر القمر")، واقعي تارة أخر (كـ "لولو") و تاريخي طورا آخر (كـ"أيّام فخر الدّين")...


و زيادة على هذه الخصائص الّتي تهمّ شكل الفنّ الرحباني، قفز الرحابنة بمضمون تجربتهم إلى المستوى الّذي يخوّل الحديث عن وطن رحباني بالمعنى الرمزي للكلمة.
(يتبع)

الخميس، 13 نوفمبر 2008

مفهوم الصداقة بين الحقيقة و الخرافة

من أقوال العرب في الجاهليّة: "المستحيلات ثلاث: الغول و العنقاء و الخلّ(الصديق) الوفيّ". في رأيي أنّ في هذا القول تعسّفا في أحد جوانبه و حقيقة في الجانب الآخر. من قال أنّ الغول و العنقاء لا يمكن أن يوجدا؟ قد تتاح الفرصة لأحد من الناس ليصارع غولا (كما زعم "تأبّط شرّا" في شعره) أو يشهد بعث عنقاء من تحت الرّماد، و حتّى إن لم يوجدا حقيقة، فإنّ رمزيّة الكائن المتوحّش الخارج عن حدود البشريّة و الطائر الّذي يحترق ثمّ ينبعث من بعد موته جميلا فتيّا قويّة الحضور في كافة مستويات الحياة ممّا ينفي عنها صفة المستحيل. أمّا الجانب الثاني من القول فهو الّذي يكشف بحقّ عن حكمة العرب القدامى: الصداقة من المستحيلات. قد تختلف نظرتنا إلى الصداقة و لكنّني أراها أنّ مجمل التعريفات الممكنة لها لا تخرج في مجملها عن نظرتين: نظرة تجعلها منها شيئا مستحيلا فعليّا و نظرة تجعلها شيئا مفروضا علينا بشكل يؤدّي أيضا إلى القول بعدم وجودها.

الصداقة المستحيلة
بالرجوع إلى المعاجم العربيّة، تغيب كلمة الصداقة تماما عن القاموس المحيط للفيروزآبادي، أمّا لسان العرب فيورد ما يلي: "الصَّداقةُ والمُصادَقةُ: المُخالّة. وصَدَقَه النصيحةَ والإخاء:أَمْحَضه له. وصادَقْتُه مُصادَقةً وصِداقاً: خالَلْتُه، والاسم الصَّداقة" و هو بذلك يعطي مرادفا و لا يقدّم تعريفا. و لعلّ غياب تعريف واضح للصداقة في أشهر المعاجم العربيّة يعود، و لو جزئيّا، إلى النظرة الموروثة من الجاهليّة و القائلة باستحالة الصداقة. و بالانتقال إلى معجم Encarta بالفرنسيّة، نجد التعريف الآتي، "إحساس بودّ عاطفي و بعطف نحو شخص معيّن دون أن يشكّل ذلك انجذاب حبّ". هذا التعريف يطرح مشكل أنّه لا يضع الحدود بين الصداقة و الحبّ إذ يفهم منه أنّ الصداقة حبّ لم يكتمل أو حبّ في طور البناء ممّا يعني أنّ عواطف الإنسان يمكن قياسها بمقياس ما، مثلا إذا بلغت عاطفة الإنسان نحو شخص آخر 20 درجة فذاك احترام و في 25 درجة يتحوّل إلى إعجاب و في 30 درجة يتحوّل إلى صداقة أمّا في الأربعين فيصبح حبّا. هذا التعريف "التدرّجي" للعاطفة الإنسانيّة يبدو غير مقبول لأنّه يجعل منها شيئا أحاديّ الطبيعة خاضعة لنفس المقياس في حين أنّ العواطف الّتي تعتمل في فؤاد الإنسان متناقضة تستعصي على مثل هذا التحديد، كما أنّها قابلة للتغيير المفاجئ من الطرف إلى الطرف دون أن تمرّ ضرورة بالمراحل الّتي قد يوحي بها وجود مقياس.
لننتقل إلى مستوى آخر، مستوى التعريف التيليولوجي(باستعمال الأهداف) و لنطرح السؤال بالطريقة التالية: ما الّذي ينتظره الناس من الصداقة؟
أجاب أحدهم على هذا السؤال "يجب أن تمازج روحه روحي فيفهمني من غير كلام و يساعدني من غير طلب و أن يكون مرآة صادقة لي أرى فيها عيوبي و خصالي...أريده أن يعظني دون أن يلبس عمامة الواعظ و ينتشلني من همومي دون أن يدّعي حكمة الحكماء و أن يضحيّ بنفسه دون أن يظهر بمظهر الشهيد...أريده صادق اللهجة مثل أبي ذر، قويّا في الحقّ مثل عمر، حليما مثل الأحنف، وفيّا مثل السموأل، مؤثرا على نفسه مثل كعب بن مامة". قد يبدو هذا الكلام شديد العاطفيّة، موغلا في المثاليّة إلى حدّ الطفوليّة و لكن يكفي أن تستعمل أحد محرّكات البحث على الانترنات لتعرف أنّ الجواب العام عن سؤال "ما هو الصديق؟" لا يختلف كثيرا. من الواضح أنّنا هنا إزاء كائن صبّت فيه جميع الفضائل الإنسانيّة صبّا، كائن يتعالى عن البشريّة ليكون أقرب ما يكون إلى الملائكة، و باختصار هو كائن خرافي وجود العنقاء و الغول أيسر منه منالا.
و لئن كان هذا التعريف يؤدّي إلى القول بعدم وجود الصداقة، فإنّ "تعريفا اجتماعيّا" يؤدّي إلى نفس النتيجة رغم اختلافه الجذري عن سابقه.


الصداقة المفروضة
أقصد بالتعريف الاجتماعي رؤية معيّنة شائعة للصداقة عزّزتها في الوقت الحالي الشبكات الاجتماعيّة الموجودة على الانترنات.
منذ أن يكون الطفل في سنواته الأولى في المدرسة، يعتاد أن يطلق لفظ "صاحبي" على كلّ من يدرس معه في نفس القسم، بغضّ النظر إن كانت تربطه به علاقة مميّزة أو لا. لا يختلف كثيرا الأمر فيما بعد، فـ"صاحبك" يصبح شخصا تعرفه في المقهى أو يدرس معك في الكليّة أو يعمل معك في نفس المكتب. و بعمليّة تأليفيّة، تجد أنّ كلّ شخص تربطك به علاقة اجتماعيّة تدعوه صديقا. هذه العادة تؤكّدها الشبكات الاجتماعيّة كالفايسبوك، و ما أدراك ما الفايسبوك، إذ تجد أنّ بعضهم قد يصل عدد "الأصدقاء" الموجودين عنده المئات و أحيانا الآلاف دون أن يكون على اتصال وثيق بهم و هو ما يترجمه وجود بعض المجموعات من نوع "إذا أضفتني كصديق في الفايسبوك، فقم على الأقلّ بالسلام عليّ ! "
حسب هذه النظرة إذن كلّ علاقة اجتماعيّة هي صداقة و بما أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع فهو مضطرّ لعقد علاقات اجتماعيّة و بالتالي يصبح كلّ شكل من أشكال التواصل الاجتماعي صداقة ! أمّا إذا شئنا معرفة الجواب على سؤال "ما الّذي تنتظره من الصديق؟" فإنّ الجواب يصبح حسب هذه الرؤية: لا شيء، و أتساءل عن أيّ معنى لصداقة لا يمكن أن تحقّق أيّ هدف.
كثرة الأصدقاء تعني أن لا أصدقاء بالمعنى الّذي قصده دعبل الخزاعي لمّا قال" أنّي لأفتح عيني حين أفتحها..على كثير و لكن لا أرى أحدا". و قد تكون هذه الصداقة المزعومة أيضا عبء ثقيلا، إذ قد تجد الأحيان شخصا لا تكاد تذكر وجهه يصيح إذ يراك "خويا !" و يسلّم عليك بالقبلات ثمّ يطلب منك خدمة من النوع الثقيل و يكون عليك أن تذعن لطلبه و إلا ستكون انسانا سافلا حقيرا جاحدا بالصداقة، و هذه الوضعيّة لخّصها ببراعة من قال : "الاستعباد كثرة الإخوان".


كيفما تمّ تعريف الصداقة إذن، تبقى في كلّ الأحيان مفهوما مستحيل التحقيق يتأرجح بين المثاليّة المفرطة و الواقعيّة الفجّة، مفهوما لا يمكن أن يتجسّم في مجتمع بشري و هو ما عبّر عنه الشاعر العتابيّ لمّا سئل: من تجالس اليوم؟ قال: من أبصق في وجهه و لا يغضب؟ قيل: من؟ فأجاب: الحائط !

الاثنين، 25 أغسطس 2008

ليلة سقوط السماء

لم أكن أنوي الذهاب...لكنّ نفسا مرّة كالعلقم، حادّة كشوك القتاد، معذّبة كبروموثيوس أمسكت بخناقي و صرخت و السياط تجلدها: لو فررت من قدرك إلى آخر الكون فسيظلّ يتبعك...أذعنت و عجت على الطلل القديم أسائله... جلت بين أرجائه مستذكرا: هنا غرست الورد و ارتقبت تفتّحه و لكنّه ذبل و مات مع قدوم الربيع...في تلك الزاوية عرّجت إلى السماء و شربت حتّى الثمالة من خمر الجنّة...هناك أطلق الرّصاص على الجواد المصاب و اغتيل منديل أو انتحرت يد...على ذلك الكرسيّ أوحي إليّ أن اقطع شرايينك و ليكن دمك مداد قصائدك...فجأة ظهر بلباسه الأبيض الفضفاض كأنّه شبح... نفس الابتسامة الهادئة على شفتيه و نفس الدّماء منذ أربع قرون على يديه...غير أنّي لم ألمح السماء...ربّما كان الغبار الكثيف يحجبها عنّي...رفعت مسدّسي بيد مرتعشة...ابتسم ساخرا و اقترب أكثر...صرخت فيه أن يقف مكانه لكنّه دنا حتّى كاد يلامسني...أغمضت عينيّ و ضغطت على الزناد...لمّا فتحتهما كان الظلام يعمّ المكان...خلت للحظة أنّي فقدت قدرتي على الإبصار...بعد ثانية، أحسست بالدّماء تنزف بغزارة من صدري...لم أر جثّته و لكن في ركن بعيد كان هناك قلب دام تُدقّ طبوله الأخيرة...أقبلت ثلاث فتيات في لباس الحداد...حملنه معا...غسّلنه بماء دموعي و كفنّه بمسودّة قصيدتي الأولى ثمّ دفنّه في أعماق سحيقة لا يصل إليها نور...أظلمت ثانية...ثمّ وجدت نفسي تحلّق من جديد غير أن لا سماء...لقد سقطت السماء...

الجمعة، 22 أغسطس 2008

ثقافة الخوف (4)

المشكل ليس في الدّين نفسه، بل في القراءة الّتي نحملها عنه، فدلالة نفس النصوص تختلف اختلافا بيّنا بحسب الطريقة الّتي نقرأها بها، إذ أنّ المعنى الّذي يستخلصه المعتزلي من القرآن الكريم ليس هو نفس المعنى الّذي يفهمه الأشعري أو الصوفي من نفس النص، و ليس إسلام الغزالي مثل إسلام إبن رشد و ما إيمان إبن تيميّة كإيمان الفارابي و لا الدّين عند حسن البنّا هو الدّين كما فهمه الطاهر الحدّاد أو الحبيب بورقيبة... المشكل أنّ القراءة الطاغية اليوم هي قراءة الخوف و هي قراءة تنفي كلّ القراءات و ترميها بالخروج عن الدّين و تقدّم نفسها على أنّها القراءة الصحيحة الوحيدة يضلّ من خرج عنها ضلالا بعيدا، قراءة تمنع التفكير خارج دائرتها و ترفض كلّ فكر مخالف لها ولا تقبل بالآخر و لا تتسامح مع فكره إلا في أضيق الحدود (كالقبول بالـكشطة بديلا عن "العرّاقيّة"، الشاشية فيها خلاف )، قراءة زعمت الالتصاق بالنصّ حتّى "أزهقت" روحه و أهملت حكمته و عزلته عن سياقه و جمّدته في مكانه، قراءة قلّصت الدّين إلى نظام شمولي قمعي يراقب الفرد في أدقّ حركاته و سكناته و يمسك بخناقه و يحاصره بدائرة "الحرام" حتّى لا يكاد يترك له متنفسّا، قراءة تكرّر نفسها منذ قرون و تعجز عن إنتاج الجديد و مع ذلك تزعم لأتباعها أنّها الحقّ الّذي لا محيد عنه و تغرقهم في طمأنينة التأسّي بالسلف الصالح، طمأنينة الأفيون... في حين أنّ الدّين أرحب بكثير من أن يقف عند حدود هذه النظرة الضيّقة..." صحيح أنّ الدّين استعمل في بعض الأحيان لتخدير الشعوب لكن الدّين في جوهره استجابة لحاجة إنسانيّة، و هو يجيب عن تساؤلات عميقة عند الإنسان، حول مصيره و حول علاقة الدنيا بالآخرة و عن عديد الأسئلة الأخرى الّتي تصنع المعنى. و بما أنّ الدّين يستجيب لحاجة إنسانيّة فإنّه يمكن توظيفه لصالح الشعوب و قد أثبتت ذلك العديد من التجارب التاريخيّة الّتي قام فيها الدّين بدور محدّد في تحرّر الشعوب" (القولة لبورقيبة، أوردها لطفي حجّي في كتابه "بورقيبة و الإسلام")، و لا يمكن أن يكون الدّين تحرّرا أن اختزلناه في قراءة واحدة تزعم امتلاك الحقيقة و تمجّد الخوف و ترهب التقدّم في حين أنّ تاريخنا يزخر بقراءات متنوّعة "ثوريّة" (ستكون موضوعا لتدوينات قادمة إن شاء الله) همّشت و اضطهدت و قمعت في ظلّ هيمنة ثقافة الخوف، هيمنة لا تجب أن تدعنا ننساق إلى التبسيط الاستسهالي و المماهاة بين الدّين و ثقافة تزعم أنّها الدّين...
ليست هناك حلول جاهزة لكسر هيمنة ثقافة الخوف و لكن أعتقد أنّ ذلك لا يكون إلا بتعريتها و كشف مساوئها و فضح تهافتها و هو ما يمكن للفنّ أن يقوم في إطاره بدور هام...الفنّ ثورة دائمة على ما هو بال و التزام أزلي بمعانقة المثالي و إدانة متجدّدة للقمع و التخويف و التخدير( مسرحيّة خمسون مثال جيّد على هذا الدّور، رأيت المشاهدين يخرجون منها باسمين جذلين (بعضهم كان يقهقه كأنّه كاد يشاهد عملا بلغ الغاية في الإضحاك) و ما ذاك إلا لأنّهم نفّسوا عن أعباء ثقيلة جاثمة فوق صدورهم كابتة إيّاهم و ذلك عبر مشاهدة عمل يدين، أخيرا، خمسين سنة من الخوف)... و كنموذج لدور الفنّ، اخترت في نهاية هذا المقال أن أورد هذا النص الّذي لعلّه يلخّص التربية القائمة على الخوف . النصّ للأديب الراحل إحسان عبد القدّوس و مقتطف من آخر مجموعاته القصصيّة "لمن أترك كلّ هذا؟ "...الحوار التالي دار بين الأب رحمي الّذي صفع ابنته بعد أن ضبطها متلبّسة بـ"الشخبطة" (على الورق و ليس على الحيطان) و بين المربيّة سميرة:
"-لا يهم..إنك تجالسينها و تعملين عندي منذ قريب.. و أمامي فرصة لأختبرك.. و على كل حال إنّ ضرب البنات هو أحسن الوسائل لتربيتهن..إني أربّي ابنتي على الخوف..يجب أن تخاف منّي حتّى تخاف من أن ترتكب أيّ خطأ..و حتّى تخاف أن تخرج عن طوعي عندما تكبر..
و قالت سميرة :
-هذه أسوأ طريقة لتربية البنات..البنت الخائفة هي البنت المعذّبة..و البنت المعذّبة هي الّتي تلقي بنفسها في أوّل مصيبة تصادفها..
و قال رحمي و هو يلوي شفتيه احتقارا لما يسمعه و ربّما احتقارا لسميرة نفسها :
-لقد عاشت أمّها معي وهي خائفة دائما..كلّها خوف..و كانت من أنظف و أشرف و أعقل الزّوجات..
و قالت سميرة برنّة ساخرة :
-و لهذا ماتت..رحمها اللّه..
و تجهّم وجه رحمي أكثر و قال بلهجة حادّة:
-إنها خالفتني و تحرّرت من الخوف منّي بأن ماتت..لم أكن قد سمحت لها بالموت .. و أحطتها بكلّ ما يضمن لي أنّها لن تموت..و رغم ذلك ماتت..وأبشع ما فعلته أن تموت و تركت لي ابنتنا فوزيّة لأحمل همّها وحدي، و دون أن تقدّر أنّي لا أستطيع أن أكون أمّا و إن كنت اعتبر خير أب..
و قالت سميرة و هي تنظر إلى رحمي في تعجّب و دهشة:
-ربّما ماتت من الخوف.."

الأحد، 10 أغسطس 2008

ثقافة الخوف (3)

نتاج هذه الثقافة إنسان خائف و الإنسان الخائف هو إنسان سلبي لا يفكّر و لا يفعل إلا إذا أذن له بذلك، وقلّما يؤذن له... يفكّرون بالنيابة عنه و يفعلون بالنيابة عنه و ليس أمامه إلا إحناء الرأس و الخضوع و إلا عدّ عاصيا فاسقا مارقا. الإنسان الخائف تحاصره المحظورات الكثيرة فتكبته و تسكته و تلجمه و تغتاله و تجعله يدمّر نفسه و يدمّر غيره و لا يجد طريقا للاحتجاج إلا في اللاشعور (من المثير للفضول أن يكون سبّ الدّين من الأمور الشائعة في حالات الغضب، أمّا مستويات السلطة الأخرى، فحدّث و لا حرج). الإنسان الخائف لا يستطيع أن يختار حياته لأنّها محدّدة سلفا بأطر ضيّقة يعدّ الخروج عنها انتحارا اجتماعيّا. الإنسان الخائف إنسان خائر العزم، لا يؤمن بنفسه لأنّه يعتقد أنّ مواهبه ستذهب سدى في ظلّ مجتمع لا يقدّرها بل و يرتاب منها بما أنّ ثقافة الخوف كفيلة بقتل أيّ شكل من أشكال الابتكار و الإبداع، أو على الأقلّ حصرها في أضيق نطاق ممكن(ككتابة قصص عن عذاب القبر)، لأنّ الإبداع لا يكون إبداعا إلا إذا كانت فيه جرأة، و الجرأة تثير في نفس من تربّى على الخوف أسئلة من قبيل : هل ما سأقوم به حرام؟ هل سيعاقبني الله إن قمت بذلك؟ و سيجيب نفسه في أغلب الحالات بما يمليه خوفه ، فحتّى إن كان العمل "مستساغا" فإنّ القواعد "الشرعيّة" من جنس "عدم الإلقاء بالنفس في المهالك" و "اتّقاء الشبهات" و الأمثال السائدة من نوع "اخطى راسي و اضرب" و "اللي خاف نجا" ستقوم بعملها. و إن تجرّأ و أبدع فإنّه سيخاطر أن يتعرّض للنبذ من مجتمع مستعدّ لأن يأخذ بأقوال أيّ من الّذين نصّبوا أنفسهم بوّابين للجنّة يدخلون إليها من يشاؤون و يخرجون منها من يريدون و الجاهزين على الدوام لإصدار فتاوى التكفير و الاتهامات بنشر الفسق و الفجور و البحث عن الشهرة الرخيصة و انتهاك المقدّسات و مخالفة النصّ الصريح و "إجماع العلماء" في حقّ أيّ مخلوق يمكن أن تصل به نفسه الأمّارة بالسوء إلى ارتكاب جريمة الإبداع و العياذ بالله !


و من المشروع التساؤل: لماذا يسود ثقافتنا كلّ هذا الخوف؟ لماذا يفرض علينا أن نخاف؟

لعلّ هذا السؤال يجد جوابه في هذه العبارة للأستاذ علي المزغنّي: " الخوف شعور من لا قدرة له على مواجهة الآخر"... التقينا بالآخر و علمنا أنّه "سبقنا إلى الحضارة بأحقاب" كما يقول ابن أبي الضياف فلم نقدر على مجاراته فآثرنا الانكفاء على أنفسنا و الاكتفاء بما نعرفه و لا نكاد نعرف غيره و هو ديننا. انكببنا عليه و ضخّمنا قشوره و فضلات قشوره و اعتبرناها الدّين نفسه، من تمسّك بها سلم و من حاد عنها ضل... غرقنا في تفاصيل تافهة عن الدّين و تشبّثنا بها و جعلنا منها قضايا مصيريّة (كالحجاب مثلا) و اتّهمنا من ناقشها بالتآمر مع الآخر لطمس معالم هويّتنا. نرفع رؤوسنا أحيانا فنجد أنّهم ابتعدوا عنّا شوطا آخر فلا نفكّر في اللحاق بهم بل ننكبّ أكثر على كتب السلف الصالح و نترحّم على زمنهم الّذي كنّا فيه سادة العالم (بل و نعيش في ذلك الزمن) و نظلّ نجترّ آراءهم و نكرّرها و لا نحيد عنها حتّى و إن كانت خرقا أبلاها الزمن ونظنّ بعد ذلك أنّنا تشبّثنا بهويّتنا و بلغنا طمأنينة المتمسّك بدينه..."هكذا نحن، فضّلنا الطمأنينة على مواجهة الأزمة، و لكنّها طمأنينة أفيون و ارتياح مؤسّس على تغييب للحاضر و إحضار للغائب"ّ(سليم اللغماني، المرجع السابق)...الخوف في الثقافة السائدة عندنا هو القيد الّذي يحول دون الانفلات من عقال "هويّتنا الدينيّة"، نربّى عليه حتّى لا نجرؤ على التفكير في التحرّر منها و نحن نراه أمامنا سيفا مشهرا في وجوهنا، و هو سلاح من فقد قدرته على الإقناع و لم يجد له ملاذا إلا الإرهاب و التخويف.

(يتبع: الجزء الرابع و الأخير)