الجمعة، 29 يناير 2021

قصتي مع الشعر (الجزء الثاني)

 


كنت دائما مُقلّا في المشاركة في المسابقات الشعرية. طبعا يمكنني من الناحية النظرية أن أسوق مبرّرات عديدة لذلك، من طينة عدم الثقة في نزاهة اللجان وضعف العمل في الورشات (إن وُجدت) بما يصعب معه حصول تطوير حقيقي للمستوى والديناميكية داخل مثل هذه المناسبات التي عادة ما تقرّب أولاد الدار وتقصي "الدخلاء"، وكلّ ذلك موجود فعلا. ولكنّ الحجّة الحقيقيّة لا تعدو أن تكون نرجسيّة الشاعر. طالما كان يصعب عليّ أن أسلّم نصّا كتبته بدم قلبي إلى الغرباء ينهشونه. كنت أرى ذلك جرحا في كبريائي يغرقني في غضب مكظوم غالبا ما يتحوّل إلى شعور عميق بالأسى.

لذلك كانت مشاركاتي معدودة، حقيقة (بمعنى أنه يمكن أن أعدّها فعلا) وليس مجازا. لم يكن المعهد النموذجي بأريانة من أمكنتي المفضّلة لكن بفضله وقفت لأوّل مرّة لأُسمع العموم شعري. بين سنتي 2002 و2004، دأب المعهد ببادرة من الأستاذتين عائدة الفرشيشي وريم عُمار على تنظيم أمسيات شعرية يوم 8 أفريل من كلّ عام. كان تنظيم هذه الأمسيات على درجة عالية من الحرفية وقلّما حضرت بعد ذلك أمسيات في نفس مستواها. أتيحت لي الفرصة لأسمع حينها لأوّل مرّة شعراء بارزين في تونس مثل جمال الصليعي وجميلة الماجري وخالد الوغلاني الذي قدّم في إحدى المرّات عرضا مميّزا للغاية يجمع بين الشعر والموسيقى رفقة الموسيقار مراد الصقلي. كانت للمعهد قاعة عروض حسنة التجهيز أتاحت أن تجري هذه الأمسيات في ظروف جيّدة تقنيّا.

اشتملت هذه الأمسيات كذلك مسابقة شعريّة مفتوحة لأبناء المعهد. كنت قد أتممت قصيدة "القدّيسة" في العام الأوّل من هذه الأمسيات، ولمّا أعلمتنا أستاذة العربية خولة الشابي بشأن المسابقة، كنت الوحيد الذي أكتب الشعر في القسم، وأخال أنّ أحد الزملاء حينها فضح أمري، فحثّتني الأستاذة على المشاركة ففعلت دون حماس كبير. في تلك الليلة، اصطحبني أبي، راعيّ الفنّي الدائم، إلى الأمسية. كنت شديد الارتباك، وكان ذلك باديا عليّ، فلأوّل مرّة تُعرض إحدى "بناتي" على الملأ. كانت أستاذتي تجلس في الصفّ الذي أمامي، وحانت منها التفاتة فلاحظت توتّري. ابتسمت وخاطبتني قائلة: لا تخش شيئا، فقد فزت بالجائزة الثانية. سريّ عنّي حينها وتنهّدت في راحة. صعدت بعدها إلى الركح لألقي نصّي، وكنت أحفظه، فألقيته كما تُلقى المحفوظات. فيما بعد، تعرّضت لنقد لاذع من أبي حول طريقة إلقائي ودافعت عن نفسي بالقول أنّ جو القصيدة كان يستدعي شيئا من الخشوع ويجب أن ينأى عن الاستعراض. كنتُ أكابر، فإلقائي كان تعيسا حقّا. والحقيقة أنّني طالما اعتبرت مسألة الإلقاء ثانوية للغاية أمام جودة النص، ولم أعتن بها فعلا إلا في فترة متأخّرة.

بعد تلك الأمسية بفترة قصيرة، دعتني أستاذتي للمشاركة في المسابقة الشعرية لمهرجان عيد الورد بأريانة. لم يكن لديّ نصّ جاهز ولكنّي وعدت بالمشاركة. اقترب الأجل ولم أكتب شيئا، وصار الموضوع يؤرّقني. صرت أفتح جميع الدواوين التي بحوزتي راجيا أن أستلهم بعض الأفكار. جاء الغوث من ابن الرومي، إذ بذرت إحدى قصائده فكرة ما في رأسي، ولمّا كنت أستحمّ، تحوّلت هذه الفكرة إلى بيت، ولم يطلع الصبح إلّا وقد استوت القصيدة على سوقها. حاز هذا النصّ (نشيد الورد) جائزة المهرجان، غير أنّه ظلّ طويلا من أبغض النصوص إلى قلبي. كتبته بصنعة متكلّفة ودون أيّ إحساس، فقط بغرض الفوز وقد فُزت! تزامن حفل تسلّم الجائزة مع حدث مأساوي، إذ تحطّمت طائرة مصرية على جبل النحلي. أعلن مدير المهرجان أنّه نظرا للظرف الحزين الّذي تعيشه مدينتنا، لن يقع تسليم الجوائز يومها ويؤجّل ذلك إلى موعد لاحق. لا أعرف الرابط بين الأمرين، لكنّي إلى حدّ الآن لم أتسلّم سوى شهادة تقدير لمجهوداتي في إنجاح عيد الورد.

الاثنين، 25 يناير 2021

قصّتي مع الشعر (الجزء الأوّل)



يمكنني أن أحدّد بشيء من الدقّة متى كتبت الشعر أوّل مرّة. كان ذلك في الثلاثية الأخيرة من سنة 1999. كنّا شرعنا وقتها في دراسة العروض على يد أستاذتي شيراز سلامة، وبدأنا بحور الشعر بالمتقارب. كتبتُ وقتها قطعة من ثلاثة أو أربعة أبيات على مجزوء المتقارب مطلعها:

أقول وسهد أذاني... ألا تشعرين بحالي

لم أر ضيرا حينئذ في تكثيف الجوازات الشعرية، حتّى إن كانت ثقيلة. كلّ الهدف كان ملاحقة الوزن. أبهرني العروض حدّ الهوس. تلك المقاطع الصوتيّة التي تتتالى في انتظام موسيقي بديع أذهلتني، حتّى صرت شغوفا بالتقطيع العروضي لكلّ ما يعترضني، حتّى إن كان مقالا في صحيفة. لم أبلغ نهاية ذلك العام إلّا وقد أحطت علما بجميع بحور الخليل، حتّى ما لم يدخل منها في البرنامج الدراسي، عمدتي في ذلك كتاب شاعرنا نور الدّين صمّود "العروض المختصر" الّذي صار رفيقي الدائم.

في أوائل سنة 2000، قسّمتنا الأستاذة إلى فرق بهدف إعداد بحث عن موضوع الحرب والسلام، وضمن فريقي، كنت مكلّفا بكتابة مقال حجاجي حول الموضوع. كنت مزهوّا بهذه القدرة الناشئة على النظم، فاخترت، بحثا عن التميّز، ألّا أكتب مقالا بل قصيدة. كتبت نصّا من خمسة عشر بيتا، كان أوّل ما أعدّه قصيدا مكتملا لا مجرّد قطعة، كان مطلعه:

الكون باكٍ بعد كونه باسما... للارتياح وللسكينة عادما

لسبب لا أذكره، ألغيت الحصّة التي كانت مقرّرة حول هذا الموضوع. ولكنّني كنت شديد الفخر بنصّي ذاك، واندفعت في كتابة الشعر. بسبب إهمالي، ضاع شيء ممّا كتبته في هذه الفترة المبكّرة إذ أنّي كنت أكتب ما يخطر لي على أيّ ورقة منفصلة ولم أعبأ بجمعه. ليس في الأمر خسارة عظمى على أيّ حال، فلم تكن تعدو أن تكون سوى خربشات منظومة لم يكن فيها شعور حقيقي بل مجرّد استعراض لغوي إيقاعي، شعر عمودي "مضروب بالسفود" كما يقول شاعرنا يوسف رزوقة. لو كان ما كتبته حينها بقي، أخالني كنت سأتنصّل منه.

أحسب أنّ أوّل قصيدة لا أزال أفتخر بنسبتها إليّ إلى الآن هي "القدّيسة" التي كتبتها سنة 2001. كُنت في بدايات تعرّفي إلى فيروز، وفي حالة تشبه الوجد الصوفي، كتبت نصّي ذاك الّذي ظلّ على مدى سنوات أحبّ النصوص إلى قلبي، وإن كنت لم أوقّعه باسمي. كنت أمهر كلّ ما كنت أكتبه باسم "أبي معاذ المطوي". لم يكن ذلك لميول سلفية ولا لرغبة في التخفّي. كنت غارقا في نصوص الشعراء القدامى، وأولعت بشكل خاص بشعر حبيب بن أوس، المكنّى بأبي تمّام الطائي، فاخترت لنفسي كنية مماثلة. انتسبتُ إلى بلدة آبائي، وتكنيّت باسم كان يمكن أن يكون اسمي. حين ولدتُ، لم يكن الأمر حُسم في شأن تسميتي. كان اسم "حمزة" مطروحا بقوّة (ولعلّ ذلك من تأثيرات فيلم الرسالة) ولكن كانت هناك اقتراحات أخرى من بينها "معاذ" الذي كان اقتراح عمّي رحمه الله. لحسم المسألة، اقترحت خالتي أن تكتب جميع الاقتراحات على قصاصات وأن يُنظر على أيّها تقع يدي، فكان أن وقعت على اسم حمزة. يا لها من بداية شعرية للحياة: الرجل الذي اختار اسمه!


الثلاثاء، 5 يناير 2021

ما كُنت من الثائرين... مسارات شخصية في عشريّة الثورة (الجزء الأوّل)


عشر سنوات مرّت على انطلاق الثورة... من العاديّ لشخص تزامنت زهرة شبابه مع هذه المدّة أن يعتبر أنّها مرّت بسرعة، كما من المفروض أن تمضي سنين الشباب. الشعور بالزمن نسبيّ للغاية. لكنّها في الحقيقة لم تكن بهذه السرعة. إذا عُدّت هذه الفترة بالأحداث التي احتوتها، فلا شكّ أنّها مرادفة لثلاثين أو أربعين سنة ممّا سبقها. تذكرون تلك السنوات؟ لم يمرّ فيها شيء يُذكر. انقضت كلّها تقريبا بين نفس الألفاظ (من طينة "العناية الموصولة" و"معا من أجل تونس"...) ونفس الوجوه (التي حتّى إن تغيّرت، تبقى نفسها!) ... أذكر أنّه عندما سقطت طائرة في جبل النحلي، خرج المواطنون أفواجا لمواكبة هذا الحدث. طبعا تعلّق الأمر بكارثة، لكن كان في وجوه الجميع فرح طفولي لا يقدرون على إخفائه: شيء ما وقع في هذه البلاد!

يمكن أن يتجادل الجميع (دون أيّ نقاش حقيقيّ): قبل الثورة خير؟ بعد الثورة خير؟ غدوة خير؟ أنتمي إلى تلك الفئة التي تحاول منذ مدّة أن تحافظ على تفاؤلها، ولكنّي أراني أكاد أعجز عن ذلك. الثورة حدث قلب مسار حياتي بشكل كامل، ولعلّ أكبر فضل له عليّ أنّه حرّرني من جانب كبير من الخوف، ولكنّني أجد نفسي بعد عشر سنوات مكبّلا بمخاوف أخرى.

مسار التحرّر من الخوف: 2011-2014

سنة 2011 كانت بالتأكيد سنة غير عاديّة. كانت سنة التغييرات الكبرى، على الصعيد الوطني والشخصي. أوقدت شعلة في داخلي ظلّت شديدة اللهيب إلى حدود 2014.

ما قبل 14 جانفي: بين اليأس والمثالية والواقعية

عندما انطلقت شرارة الثورة في سيدي بوزيد، استقبلتها ببرود كبير... شخص يحرق نفسه احتجاجا على مصادرة عربته... وهل سيسترجعها الآن إذ تفحّم؟ ليس الأوّل ولن يكون الأخير، ولن يكون مآل لهيب الاحتجاجات إلا الخمود، كما حدث قبل ذلك بثلاث سنوات بالحوض المنجمي... لم يكن برودي ناتجا عن قلّة اهتمام بالشأن السياسي، فقد كنت متابعا جيّدا للسياسة منذ صغر سنّي. قبل عام ونيف، كنت قدّمت استقالتي من وزارة الشؤون الخارجية بعد شهرين فقط على التحاقي بها (إثر مناظرة دخلها خمسة آلاف مترشّح اختير منهم ثمانية عشر فقط!)، لأنّني لم أحتمل الجوّ الخانق هناك، لا سّيما في سنة مثل 2009 كان عنوانها التهليل لفوز جديد في الانتخابات وخاصة بعدما كنت تعوّدت في السنة الأولى من الماجستير على مناخ من الحريّة النسبية يمكنك فيه أن تنقد بعض الشيء ما دمت ملتزما بالضوابط الأكاديمية. عدت وقتها إلى إكمال مذكّرة الماجستير، فالتدريس بصفة عرضية في كليّتي.

كان موقفي يأسا من هذا الشعب. قبل أكثر من ربع قرن، بمجرّد كلمة ألقاها "المجاهد الأكبر"، نسي فلذات أكباده الّذين احتوتهم القبور وتغاضى عن دمائه السائلة ليخرج مصفّقا مهللّا لـ"نرجعوا وين ما كنّا"...خان هذا الشعب من ناضلوا من أجله قبل ذلك وبعده كثيرا، فما الّذي تغيّر الآن؟ ألم تصبح الأوضاع أسوأ مع تفشّي عقليّة المحسوبيّة و"الأكتاف" والمناشدة و "الصبّان" و "مشّيلي ونمشّيلك" و "اخطى راسي واضرب" في كلّ الأوساط تقريبا؟ كنت أؤمن أنّ أيّ تغيير ممكن يستوجب عملا فكريّا وثقافيا كبيرا على مدى جيلين أو ثلاثة، وقبل ذلك فكلّ حركة احتجاجيّة لن تجد صدى يذكر وستقع خيانتها كما وقع ذلك مرارا وتكرارا. ولذلك، كنت أرى أنّ أيّ عمل حقيقي يجدر أن يكون مع الأطفال..."فات الفوت" فيما يخصّنا، لكن لعلّ البقيّة الباقية من الأمل يمكن أن تغرس فيهم...وفي الحقيقة، لم يكن موقف اليأس هذا يخصّ رأيي في الحياة العامة، بل أنّه كان من تداعيات اليأس الّذي ضرب أطنابه في كلّ جوانب حياتي ...في بداية جانفي 2011، ذهبت لإجراء مقابلة مع محامية بهدف العمل في مكتبها. بصراحة فجّة، قالت لي: لا أعترف بأيّ من آليات التشغيل التي تعتمدها الدولة، بإمكانك أن أمنحك مرتّبا قدره 300 دينار. لم أعتبر، وأنا الأوّل على دفعتي في الأستاذية والماجستير، ذاك العرض إهانة. قلت لها ببساطة: سأفكّر في الأمر. الأمر عادي، وقد "تعفّن قلبي من العادي" كما تقول الأغنية. كنت سأستسلم حينها إلى أيّ قدر تحملني إليه قدماي، لأنّي لم أكن أرى آفاقا غير هذا "العادي".

ومع ذلك، هُززت صباح العاشر من جانفي. كانت الاضطرابات قد وصلت إلى العاصمة، وكنت لا أزال غارقا في لا مبالاتي. صرخ أحدهم في وجهي "اتّخذ أيّ موقف، حتّى لمساندة السلطة، لكن لا تبقى بهذه السلبيّة!"...أصابتني هذه الكلمات في مقتل، ومع توارد الفيديوهات عن عمليات القنص في الوسط الغربي، لم يكن بإمكاني أن أحافظ على سلبيّتي.

منذ ذلك الحين، بدأت في القيام بشيء من التحريض ضدّ النظام، وخاصة ضدّ خطابي "400 ألف موطن شغل" و "أنا فهمتكم"، ولكن حتّى مع اتخاذي لموقف، شاب حماستي الكثير من التردّد... اقتصرت على الفضاء الافتراضي وبعض المحادثات في دائرة شخصيّة ضيّقة جدّا ولم أخرج يوما إلى الشارع. ذلك أنّه لم تكن لديّ أدنى فكرة عمّا يمكن أن تؤول إليه البلاد. لم أكن أثق لا بمعارضة الداخل ولا بمعارضة الخارج، فلم أكن يوما من المتحمّسين للخطابات السفسطائيّة والرجعيّة والطوباويّة ولا للإيديولوجيات الميّتة الّتي يراد إحياؤها.

طبعا كان يرافق هذا الموقف "المعقلن" الكثير من الخوف ممّا يمكن أن يقع لي لو تورّطت في مثل هذه الأحداث. منذ قرأت "شرق المتوسّط" لعبد الرحمان منيف وأنا في سنّ الخامسة عشرة، صرت أشعر بكثير من الإكبار تجاه من خاضوا عذابات التجربة السجنية، ممزوج بخوف عميق من عيشها. المثالية كانت تدفع إلى التشبّث بالمبدأ حتّى الموت في سبيله والواقعيّة كانت تدفع في اتّجاه طلب السلامة.

لم يكن لي نشاط سياسي حقيقي قبل الثورة. كان لي بعض الأصدقاء المنتمين إلى حزب كرتوني حضرت معهم بعض المناسبات إلى أن سوّلت لي حماقتي الإدلاء بتعليق ساخر حول الطابع الديكوري لذلك الحزب لأمينه العام، فوجدت كلّ الأعين ترمقني شزرا، وردّ عليّ السيّد الأمين العام  (الّذي أصبح اليوم محلّلا سياسيا) بخطابة متوجّسة، فلم أعد بعد ذلك إلى حضور مثل تلك المناسبات. في 2005، شاركت في تظاهرة منظمّة في الكليّة للاحتجاج على زيارة شارون المرتقبة إلى تونس في إطار قمة مجتمع المعلومات، وهي تظاهرة تدخّل الأمن لتفريقها. 

عندما كنت في المعهد، كانت لي تجربة فريدة تركت أثرا عميقا في نفسي. أردتُ ومجموعة من الزملاء تنظيم شيء ما للاحتجاج على غزو العراق. لم نتمكّن إلا من جمع عدد ضئيل من المتحمّسين (لا أظنّهم كانوا يتجاوزون أصابع اليدين)، ومع ذلك سرنا معا حتى وصلنا إلى كليّة العلوم القانونية فوجدنا جمعا كبيرا هلّلوا لمجيئنا، على قلّتنا ويفاعتنا، ومشينا معهم في محيط محطّة 10 ديسمبر يحيط بنا عن كثب جمع من رجال الشرطة الّذين ما لبثوا أن رفعوا هراواتهم وشرعوا في ضرب المحتجّين. كنت في الصفوف الأماميّة، لكنّي اكتشفت في نفسي عدّاء ماهرا، فما أسرع أن ركضت حتّى وجدت نفسي أبتعد عن ساحة المعركة في ظرف دقيقة. كان هناك من الزملاء من لم يكن في سرعتي لكنّ الطلبة قاموا بإدخالهم إلى الكليّة وحمايتهم حتّى خلا الجوّ فعادوا إلى المعهد. لعلّي اتّخذت قراري بالالتحاق بكليّة العلوم القانونية منذ تلك اللحظة. 

المفارقة تكمن في كوني لم أعرالنشاط الطلّابي اهتماما يذكر حين التحقت بالجامعة. كنت شديد الحرص على فرديّتي، راغبا في إعمال النقد في كلّ شيء ولم تقنعني البتّة الإضرابات العديدة التي كان اتّحاد الطلبة يقوم بها، ولا يزال من السخف بالنسبة إليّ حتّى الآن الإضراب دفاعا عن الحقّ في الترسيم الرابع أو الالتحاق الآلي بالماجستير. أظنّ أنّ النشاط الطلابي الوحيد، خارج الإطار الدراسي، الذي حضرته كان ناديا يسمّى "نادي الحكمة" يناقش مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية، ولم يلبث أن تعطّل بعد لقائين أو ثلاثة. دعاني أحد أعضائه (صار فيما بعد من كبار الناشطين السلفيين) مرّة إلى المشاركة في تظاهرة بمقرّ الحزب الديمقراطي التقدّمي، لكنّي تهيّبت ذلك. كان مجرّد المواظبة على اقتناء جريدة "الموقف" داعيا لبائع الصحف إلى مساءلتي، فما بالك بالانتقال إلى حضور الأنشطة؟؟ 

رغم إعجابي وقتها بجرأة الديمقراطي التقدّمي وجريدته، كان لي موقف متحفّظ منه لسبب ظلّ يلاحقني بعد ذلك في كلّ المجالات: أنّه لا يملك مشروعا. كتبت مرّة مقالا نقديّا في مدوّنتي تجاه إعلان أحمد نجيب الشابي ترشّحه لانتخابات 2009، وقد تفاعل معه هو شخصيّا ممّا أثار إعجابي، ولكن لم يغيّر موقفي من حزبه، وهو موقف أظنّه الآن موغلا في المثالية، كما كانت عادتي في أغلب ما أكتبه. 

كان اكتشاف عالم التدوين في أواخر سنة 2007 فرصة لي لأتحرّر بعض الشيء فأخوض في الشأن العام باسم مستعار. كنت أحاول أن أنقد ولكن بحذر مدروس، وأحيانا بشيء من التورية التي لا يخفى معناها (كما في نصّ: المقامة الكروية). خصّصت للخوف نفسه مقالا من أربعة أجزاء كان من أطول ما كتبت حينها، وإن أكن اهتممت وقتها بالخصوص بجذوره الدينية. تعرّفت في ذلك الحين على عدد من الأقلام الساخرة والناشطين السياسيين ممّن برز بعضهم بعد 2011. ولكن منذ 2009، أخذ حماسي في الفتور وارتفع منسوب الخوف خاصة لمّا سمعت باعتقال بعض المدوّنين الذين كنت أعرفهم.

لازمني هذا التخبّط في مقاربة الشأن العام حتّى جانفي 2011. ومع خطاب 13 جانفي، هنّأت نفسي على تردّدي تجاه الأحداث التي سبقته... خدعتني جموع المهلّلين والسيارات المستأجرة، وذكّرتني بجانفي 1984. فترت الحماسة (الّتي لم تكن كبيرة بطبيعتها) وظننت أنّنا وصلنا إلى آخر الطريق، وسيتمّ الاقتصار على بعض الإصلاحات البسيطة، الّتي سيتمّ تقديمها في شكل إنجازات، قبل محاولة امتصاص روحها فيما بعد...وعلى كلّ حال، ذلك خير من لا شيء! حتّى تلك الأمسية التلفزيونية التي قدّمها سامي الفهري ليلتها بدت لي مؤشّرا جيّدا للغاية، إذ لأوّل مرّة نشاهد حقوقيين كان يُضيّق عليهم يجاهرون بانتقادهم للنظام على قناة 7 وما أدراك ما قناة 7!

ولذلك لم أخرج يوم 14 جانفي...لم أكن كذلك أثق بالاتّحاد ولم أكن أنتظر الكثير من المظاهرة الّتي ينظّمها. يوم 14 جانفي نمت إلى منتصف النهار.

(يتبع)


الأحد، 1 نوفمبر 2020

نازلة دار الأكابر لأميرة غنيم... وشْيٌ مُتْقَن على صفحات مخفية‎

 لا أبالي كثيرا في العادة عندما أقرأ أيّ كتاب بالجوائز التي حصل عليها، فقد تعوّدت على الصدمات. الكثير من الأعمال المتوّجة مرارا وتكرارا كانت أكثر ما قرأت إضجارا، وهو ما يزهّدني في قراءة كلّ كتاب يكون أوّل لفظ في تقديمه "حاز". رُشّحت لي رواية "نازلة دار الأكابر" لأميرة غنيم الصادرة هذا العام عن دار مسكلياني، فذهبت لاقتنائها. غير أنّي لمّا وجدتها موشٌحة بذلك الشريط الأزرق المنتشي بفوزها بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة الكومار، تردّدت للحظة.

لكنّي سعيد أنني غالبت تردّدي. كانت الرواية، التي التهمتها في يومين أو ثلاثة، من أفضل الأعمال الروائية التونسية التي اطّلعت عليها في الأعوام الأخيرة.

تسرد هذه الرواية قصّة عائلة تونسية "بَلْديّة" عريقة وانقلاب حالها ذات ليلة من شهر ديسمبر سنة 1935. ولعلّ في لفظ "تسرد" شيئا من التجاوز، إذ لا يتعلّق الأمر بسرد خطّي كلاسيكي، وإنّما بمناظير عشر شخصيّات مختلفة إلى ما وقع، تُنقل إلينا منجَّمَة على حيّز زمني طويل، إذ أنّ أقرب الأحاديث لتاريخ الوقائع كان بعد حوالي ثماني سنوات (حديث سي المهديّ الرصّاع سنة 1943) أمّا أبعدها فرُوي بعد زهاء ثمانين عاما (حديث الخالة لويزة سنة 2013). الرواية إذن روايات، وناقلوها كُثُر. وإن تكن جمعت بينهم مدينة تونس العتيقة في وقت ما، فقد فرّق بينهم الانتماء الطبقي والمكانة الاجتماعية وتجارب الحياة وتباين الأعمار. كلّ سارد ينفض الغبار عن ذكرياته عن تلك الفترة وينقلها من منظوره الذاتي البحت إلى مُخاطَب مختلف في كلّ مرّة، حتى أنّه ليعسر علينا تبيّن حقيقة موضوعية من مجمل تلك الروايات فيضحي القارئ أشبه بمفتّش شرطة وهو يقارن بين الشهادات ويحاول أن يوازن بين ما تقاطع منها وما تناقض، وهو ما يمنح الرواية ما يُشبه أن يكون طابعا بوليسيا طريفا يعزّزه التفنّن في نقل الأحداث. كلّ رواية للوقائع تجلو بعض الغموض عمّا سبقها لكنّها تضيف غموضا في جوانب أخرى، ويتواصل هذا التشويق حتى النهاية إذ لا يرتوي، مع آخر الصفحات، ظمؤنا الطفولي إلى معرفة كلّ شيء ونظلّ نرتقب المزيد.

نجد وراء كلّ هذه الأحداث طرفا من تاريخ تونس الاجتماعي والسياسي يغطّي ما يقارب قرنا من الزمن، بل أنّنا نجد تفاصيل دقيقة عن سير الحياة اليومية داخل البيوت التونسية تستعمل ألفاظا عتيقة قد يكون ذهن القارئ المعاصر خليّا عنها فلا يفهمها إلا بقراءة التفسير المصاحب أسفل الصفحة. تتقاطع الحقيقة، كما عرفناها وقرأناها في كُتب التاريخ، مع التخييل فتصدمنا صورة الطاهر الحدّاد في ثنايا الكتاب إذ نلقاه، لا مفكرا وشاعرا وصحفيا ونقابيا ورائدا لتحرير المرأة، بل عاشقا ومُتّهَما بجناية خطيرة بعد موته. ويلفت انتباهنا أنّه على الرغم من كون علاقته بزبيدة المحور الأساسيّ للأحداث، فإنّنا لم نسمع له ولا لها قولا فيما وقع. فما بلغنا عنهما ترويه شخصيّات أخرى، قد يكون موقعها من سيرورة الأحداث ثانويا، ممّا يزيد صورتهما سحرا، وخصوصا زبيدة الّتي تشعّ بألق استثنائي. هي تلك الفتاة المستقلة بتفكيرها، التي تلقّت تربية حديثة رغم أصولها المحافظة، والتي مع ذلك تتزوّج زواجا تقليديا تنالها منه شآبيب عذاب فلا نفهم على وجه اليقين مدى تمسّكها بالحفاظ عليه، أو لعلّها كانت ممزّقة بين نوازع هي نفسها لا تدرك جذورها، ومَن مِن شخصيات الحكاية لا يخلو من ذلك؟

تتقن أميرة غنيم في "نازلة دار الأكابر" وشيها للشخصيات والأحداث على نسيج من صفحات تاريخ نعلم بعضه ويخفى علينا بعضه الآخر. وأخال أنّ هذا العمل يمكن أن ينتقل بنجاح بالغ إلى الشاشة الصغيرة أو الكبيرة إن قُيّضت له أياد بارعة.



الجمعة، 10 يوليو 2020

العثور على البيتلز

طبعا كنت أعرف البيتلز، لكنّي لم أعرفهم حقّا. أعني أني لم أكن أعلم عنهم سوى العناوين: فرقة موسيقية بريطانية في الستينات، ولا شيء غير ذلك سوى ما اعترضني أثناء دراسة الأنجليزية من نصوص عنهم. في حقيقة الأمر، لم يكن يعنيني أمر الموسيقى الغربية كثيرا. صحيح أنني كنت أستمع قليلا إلى الموسيقى الكلاسيكية وأحضر حفلات الأركسترا السمفونية التونسية لكنّ ذلك لم يكن غير انفتاح عرضي وجزئي. كنت أعيش في عالم مغلق تهيمن عليه فيروز خصوصا والموسيقى اللبنانية بشكل عام. كوّنت لنفسي نظريات شديدة الصرامة عن ماهية الموسيقى الجيدة جعلتني أدور في إطار محدود للغاية لا يتجاوز بضعة أسماء.
في الفترة التي تلت تخرّجي من الجامعة، عرفت بعض الانفتاح. أصبح بإمكاني مثلا أن أستمتع بما يقدّمه زياد رحباني الذي كنت أعدّه فيما مضى عدوي الأوّل بما أنّه "دنّس" تراث الرحابنة الكبار. لكن أخال أنّ لأختي ياسمين أكبر الأثر في القفزة الانفتاحية التي حصلت فيما بعد. عندما كانت طفلة، كنت حريصا أن أنقل إليها نظرياتي الجامدة وأسمعها فقط الموسيقى التي أراها جيّدة، فكانت وهي لا تزال في سنوات الابتدائي الأولى تحفظ مقاطع كاملة من مسرحية "ميس الريم". غير أنها تمرّدت بعد ذلك، لحسن حظّها وحظّي. كنت أسخر في البداية مما تسمعه، فكل صوت يتجاوز 20 ديسيبيل كان عندي ضجيجا خالصا لا معنى له، والصور الشعرية التي تتغنى بسيارة مازيراتي في نهاية الطريق لا تدعو لغير الضحك. لكن فيما بعد، وجدت في نفسي فضولا للتعرّف على عالمها هذا لا سيّما وقد كان لها من الحجج الموسيقية ما يقنعني. وما لبثتُ أن وجدت نفسي أبحر في هذا العالم، عالم الموسيقى الغربية، ترشدني هي، كما قاد فرجيل دانتي في العالم السفلي.
شهور الحجر الشامل وما بعده كانت ثريّة للغاية، والطريف أن الرحلة فيها كانت عكس التيار. لم نبدأ من الينابيع، بل مما هو كائن الآن. بدأنا بتايلور سويفت، حيث اختارت لي فرجيل منتخبات من أغانيها تعكس تطوّر مسيرتها الغنائية. وجدت طرافة كبيرة في الصور المستعملة، وأبهرني خاصة الطابع الشخصي الواضح لأغانيها. ما تكتبه انعكاس يكاد يكون مباشرا لما تعيشه. بدا لي ذلك مُفتقدا إلى حدّ كبير في الأغنية العربية. لا يزال مفهومنا للأغنية الجيدة من رواسب ثقافة الطرب (رغم محاولات اختراقها العديدة على مدى عقود)، حيث تتكرّر نفس الكلمات لتعيد نفس المعاني، ولا يهمّ سوى أن "نتسلطن".
انتقلنا بعد ذلك إلى كوين، وهذه المجموعة تحتاج تحليلا مطوّلا. حسبي الإشارة أنّ معظم أغانيها تعكس تجربة وجودية عميقة منذ زمن البدايات حتى تبلغ ذروتها مع أغان مثل  "الملحمة البوهيمية" و"أغنية النبي" حيث تتجاور الأنماط الموسيقية دون أن تتنافر إذ تصهرها رؤية أصيلة تعرف بالضبط أين تبغي الوصول يجسّدها صوت فريدي مركوري الجبّار وحضوره المسرحي الباهر، إضافة إلى تصوّر سابق لعصره يخصّ دور الصورة والفيديو. صالحتني كوين مع الصخب، فصار يمكن أن يكون عندي تعبيرا فنيّا راقيا أنسجم معه إلى أبعد حد.
بعد درس نظري قصير جدا ولكن مفيد للغاية عن الهارموني وصعوبة تطبيقها في الموسيقى العربية، وصلنا إلى البيتلز. كنت قد عرفت عنهم بعض الأشياء خلال السنوات الأخيرة، فقرأت بعض المقالات وشاهدت وثائقيا حولهم واستمعت لبضع أغان من أشهر ما أدّوا. اتّبعت مرشدتي نفس المنهجية: ثلاثة وخمسون أغنية مختارة تتبع تطوّر مسيرتهم من أوّل إلى آخر ألبوم أصدروه. استمعت إلى كل القائمة دون تركيز كبير في البداية، فكنت أضع موسيقاهم وأنا بصدد القيام ببعض الأشغال أو المشي لمسافة طويلة. ثم أعدت الاستماع إلى المختارات، ثم إلى أغان بعينها، ثم إلى ألبوماتهم جميعها، ثم إلى مختارات مجموعة بطريقة مختلفة. احتجت إلى أن أستمع عديد المرّات إلى "حقول الفراولة إلى الأبد"  لكيلا أعتبرها مجرّد ترنّم "مزطول".
عندما تتبع مسيرة البيتلز، تشعر وكأنك تتوغّل داخل غابة. في أطرافها، تجد الأشجار متباعدة ومتشابهة، وكلّما مشيت أكثر نحو قلبها يتنوّع ما تراه ويتكثّف حتى تعترضك أصناف نادرة لم تكن تعتقد في وجودها حتى تجد أنّك تهت ولم تعد تعرف كيف تخرج، وتودّ مع ذلك أن يطول تيهك.  في بداياتهم، كانت الكلمات بسيطة تعبّر في أغلب الأحيان عن الحب المراهق، مع تركيز على نغم رئيسي بسيط بدوره ولكنّه سهل الحفظ فيعلق بخاطرك فورا. ليست البساطة سهلة بالضرورة، وقد حققت للبيتلز قدرا كبيرا من النجاح في البدايات، ولكنّهم لم يبقوا هناك. يقول بول مكارتني أنهم كانوا يرفضون الاستسلام للضجر، فيتجهون إلى التنويع في تجاربهم. كان التطوّر كبيرا، والمثير للانتباه أنه وقع في زمن قصير للغاية. تشعر بفرق شاسع بين الاستماع إلى "Love me do" سنة 1962 وبين الاستماع إلى أغاني ألبوم "فرقة نادي القلوب الوحيدة للرقيب بيبر" سنة 1967، حيث بلغت الأغاني درجة عالية من التطوّر على مستوى الكلمات وعلى مستوى التركيب اللحني. في سنوات قليلة مرّوا من "السكيفل" و"الروك آند رول" في تمثّله الساذج إلى أنماط تستوحي التعقيد السمفوني وتنفتح على موسيقى العالم أينما وجدت، وخاصة الموسيقى الهندية. في تطوّرهم هذا، كان البيتلز مدفوعين بحسّهم الفني المترفّع الذي يرفض الاستسلام للدوافع التجارية على إغراءاتها وقوة ضغطها لا سيّما بالنسبة إلى شباب في بداية مسيرتهم. في سنة 1966، وحين كانت الفرقة في أوج نجاحها، قرّر الأربعة التوقف عن إحياء حفلات عامة، ذلك أنهم ولشدّة الهوس بهم (البيتلمانيا) كان صراخ المعجبات والمعجبين يمنعهم من الاستماع إلى أنفسهم وهم يعزفون. يقول رينغو ستار عن ذلك: كنت أحاول تبيّن أين وصلت الأغنية من حركات زملائي وأنا أنظر إليهم من الخلف، لا أظن أننا كنا نعزف موسيقى جيّدة آنذاك. لذلك تخلّى البيتلز عن الحفلات، وهي مصدر أساسي للشهرة والدخل، ليتفرّغوا لإنتاج ما يعتبرونه موسيقى جيّدة في الاستوديو. كان ذلك جنونا بلا ريب بالمنطق التجاري، ولكن هذه "الهبلة" هي من سماتهم الأساسية. البيتلز منذ بدايتهم رفض لكل أنواع السلطة مهما كان مأتاها: رفض أن تُقرّر لهم الموسيقى التي يعزفونها، رفض للخضوع للنواميس الاجتماعية، وإصرار على أن يقرّروا مقاييسهم بأنفسهم. كانوا تعبيرا حيا عن تمرّد الشباب وتحدّيه للقيم السائدة وعدم مبالاته بأيّ شيء. رغم توسيمهم من قبل الملكة، لم يمتنع جون لينون عن التعريض بسخرية بالملكة الأم لمّا حضرت إحدى المناسبات التي غنوا فيها. ربما يكون لانحدارهم من الأوساط الشعبية في ليفربول دور في تغذية هذا التمرّد ولعلّ ذلك ما حدا بهم إلى الغناء "أعطني المال، ذاك ما أريده" أو مهاجمة سياسة الحكومات البريطانية الضريبية بشكل لاذع في "رجل الضرائب" أو حتى التغني الساخر بالعدوّ اللدود في "عودة إلى الاتحاد السوفياتي". لكنهم قاموا بتمرّدهم هذا بكثير من المثالية التي دفعتهم إلى الانتصار إلى كل ما يعتبرونه قضيّة عادلة. رفض البيتلز الغناء في جاكسونفيل في الولايات المتحدة لمّا علموا أن السلطات ستطبّق الفصل العنصري على جمهورهم، وأهدوا إلى حركة الحقوق المدنية الأمريكية أغنية "الطائر الأسود" الاستعارية الجميلة، وأصبحت أغنيتهم "كلّ ما تحتاجه هو الحبّ" هي النشيد الرسمي لصيف الحب سنة 1967. 
ربّما يمكن إرجاع شيء من هذه المثالية إلى طفولة أبت أن تكبر عند البيتلز. الكثير من أعمالهم محكوم بمنطق اللهو، مجرّد الرغبة في العبث الصبياني أو حيرة الصغير أمام تعقّد العالم. الطفولة من منابع الإبداع لدى البيتلز. نجدها حاضرة بوضوح مثلا في "لوسي في السماء مع الماسات" أين التقط جون لينون عبارة نطق بها ابنه ليبني عالما كاملا من الخيال الخصب النازع نحو السريالية. حزن نفس الطفل كان دافع بول مكارتني ليكتب "هاي جود" لمواساته. أغنية "الغواصة الصفراء" هي بامتياز أنشودة للأطفال. ترتبط الطفولة بتشكّل اللاوعي لدى المرء، وهو ما يجد أجلى مظاهره في الحلم الذي نراه كذلك من دواعي التأليف لدى البيتلز. "أوحِيَ" نغم أغنية "أمس" إلى بول بشكل غامض أثناء نومه، وكان حواره مع أمه الراحلة في المنام دافع كتابة "لِيَكُنْ Let it be". يتحفّز اللاوعي كذلك بشكل إرادي من خلال استعمال العقاقير، وهو ما يتجلّى في المرحلة البسيكيليدية لدى البيتلز، منذ ألبوم "ريفولفر ".
قد تكون هذه الينابيع المتحرّرة من كلّ قيد هي ما جعل موسيقى البيتلز ما هي عليه: مكثّفة الشعور، نابضة بالحياة، تتدفّق إلى النفس بلا أيّ حواجز. هذا ما أوصل أغانيهم إلى ذرى جمالية عالية فتنظر بشكل أصيل إلى مختلف المشاعر والمواقف الإنسانية: لا شيء يعبّر عن الوحدة مثل "اليانور رجبي"، لا شيء يعبّر عن الوقوع في الحب مثل "شي ما something"، لا شيء يعبّر عن الأمل مثل "ليكن". لاشيء يعبّر عن الارتباك الحائر مثل المقطع الأركسترالي في "يوم في الحياة". طريقة وضع هذا المقطع تكشف في نفس الوقت عن بساطة وعبقرية الطرح. طلب بول من الأركسترا السمفونية المصاحبة أن يبدأ كل فرد منهم في العزف من أدنى نوتة ممكنة في آلته إلى أعلى نوتة، كلّ بوتيرته الخاصة. لم يفهم أفراد الأركسترا المطلوب، ويبدو أن بعضهم امتعض من تضييع وقته مع شباب لا يبدو أنهم يفهمون الموسيقى، فتدخّل المنتج جورج مارتن ليترجم المطلوب باللغة اللتي يفهمونها. كانت النتيجة عملا فريدا من نوعه.
لم يكن من الممكن للبيتلز أن ينجزوا ما أنجزوه لولا الديناميكية الداخلية الثرية للغاية التي كانت بينهم. جمع بينهم الكثير، ولكنّ كلا منهم كان شخصية فريدة من نوعها: جون لينون بطبعه المتمرد وحسّه الساخر وقدرته على التجريب، بول مكارتني بحسّه التنظيمي وخياله الواسع وانفتاحه الموسيقي الكبير، جورج هاريسون بهدوئه العجيب وروحانيته العميقة وتفرّده في العزف، رينغو ستار بلطفه الساحر ودقّة إحساسه وقدرته الاستثنائية على التحكم في سرعة الإيقاع. هيمن الثنائي لينون ومكارتني على التأليف في البداية، ولكن لم يكن النجاح ليتحقق لولا جهود كل فرد من الأربعة، وفي المراحل اللاحقة أثبت جورج أنه لا يقلّ موهبة في التأليف عن زميليه. كلهم كانوا يؤدون أغاني المجموعة، فلم تشتهر بصوت أحد منهم فحسب، عكس ما وقع لكوين مع فريدي مركوري. عندما ضُربت هذه الديناميكية، بدأت نهاية البيتلز. يعبّر جون لينون عن ذلك عندما قال عن ألبوم "طريق آبي"، وهو آخر ألبوم سجّله البيتلز معا وذلك عندما تعمّقت الخلافات بينهم: "كان ألبوما جيدا، مثل "رابر سول"... لكن لم تكن هناك حياة في "طريق آبي" ". هذه الديناميكية كانت تتعزز بمجهود أشخاص من خارج الأربعة، منهم المنتج جورج مارتن وخاصة المدير براين ابستاين، الذي شكّلت وفاته ضربة قاصمة للمجموعة. بمثل هذه الروح الجماعية، كان البيتلز نموذجا للمشروع الذي يتجاوز أفرادَه. بعد الانفصال، عرف كل فرد من الأربعة طريقه إلى النجاح، ولكنه لم يكن أبدا بمثل النجاح الذي حقّقوه كمجموعة. ظلّ كلّ منهم يعرّف بكونه "بيتل" سابقا أكثر من كونه فنانا منفردا.
لم تتجاوز فترة البيتلز الإبداعية ثماني سنوات (1962-1970) لكن انتاجهم في هذه الفترة القصيرة بلغ قرابة المائتي أغنية، أغلبها، وخاصة في سنينهم الأخيرة، "عيون" كما كان يقال عن روائع الشعر العربي قديما. في الأسابيع الأخيرة، لم أفعل غير الاستماع إليهم. تفجٌر لي عالم من الجمال غرقت فيه بكلّي، ولا أخالني أخرج منه قريبا.
غلاف ألبوم "مجموعة نادي القلوب الوحيدة للرقيب بيبر"

الخميس، 11 يونيو 2020

موجز تاريخي مع المسرح

لا أذكر المرّة الأولى الّتي شاهدت فيها عرضا مسرحيا. هناك ذكرى غامضة عن مسرحيّة للأطفال شاهدتها وأنا في سنين دراستي الأولى، وشعرتُ بالملل الشديد. أظنّ ذلك كان في المركز الثقافي والرياضي بالمنزه السادس.
في سنّ العاشرة تقريبا، وبعد قراءتي لكتاب عن "الأيّام الحاسمة في الحروب الصليبية"، أعجبت كثيرا بشخصيّة يوسف بن تاشفين. وفي غمرة ذلك الحماس، كتبتُ مسرحيّة من خمسة مشاهد (لا يتجاوز طول كلّ مشهد منها الصفحة الواحدة) حول معركة الزلّاقة. لم أكتف بالكتابة، بل حاولت كذلك إخراجها. جمعت أبناء الأخوال لإقناعهم بذلك، وبفعل قلّة العدد، كان يجب أن يقوم الممثّل بأكثر من دور. طبعا، استأثرت بدور يوسف بن تاشفين، مسلّحا بسيف بلاستيكيّ أصفر. للأسف، لم نتجاوز في الإنجاز طور البروفة. في المشهد الأوّل، كان من المفروض أن يكون هناك من يقدم على المعتمد بن عبّاد بخبر بعثة ملك قشتالة إليه وقامت بهذا الدور ابنة خالي، وما كانت تهرع إلى "الركح" صارخة "سيّدي، سيّدي" حتّى يغلب الضحك الجميع. لم نتقدّم كثيرا بعد ذلك المشهد.
لمّا كنت أدرس في السنة السابعة، بدا لإدارة المدرسة الإعدادية أن تدرّسنا حصصا في "التربية المسرحية". كان الأستاذ ممثّلا له بعض الشهرة، إذ ظهر في عدد من المسلسلات التلفزية. لم يدرّسنا أكثر من ثلاث حصص أصابني فيها الضجر. علاوة على توقيتها غير الموفّق (ساعة الغداء)، لم يجاوز الأستاذ إملاء بعض المعلومات النظرية والتاريخية. أذكر أنّني كنت أجلس في الحصّة الثالثة في آخر صفّ مسندا رأسي إلى الحائط مغالبا النعاس. في آخر تلك الحصّة، أعلمنا الأستاذ أنّ الحضور سيكون في المستقبل اختياريا، وأخال أنّ النية كانت تتجه نحو تكوين ناد للمسرح. لا أذكر أنّي سمعت بعد ذلك عن هذا النادي.
في المرحلة الثانوية، أصبحت أشاهد عدد أكبر من المسرحيات. لا أنسى حضوري في فضاء التياترو عرضا لمسرحيّة "هنا تونس" لتوفيق الجبالي مع صديقين من المعهد. انبهرت بالعرض، وأظنّها كانت المرّة الأولى التي أحضر فيها عرضا ليليّا. في تلك الفترة، كتبت أوّل مسرحية أتيح لها أن تُعرض، وإن بشكل محدود للغاية. كان ذلك في الثانية ثانوي. طلبت منّا أستاذة التاريخ تقديم عمل جماعي مرتبط بما كنّا ندرسه ليُحتسب في عدد الشفاهي لتلك الثلاثية. خطرت لي فكرة كتابة مسرحيّة عن المعتصم وشاعره أبي تمّام (الذي بدأت أولع به في تلك السنوات). شرعت فعلا في كتابة المسودّة في قاعة المراجعة بالمعهد، ولم أرض عمّا كتبت فألقيتها أو ربّما تركتها فوق الطاولة. لا أدري كيف عملت المخابرات وقتها، فتمّ العثور على المسودّة الملقاة وجاءني "وفد" يقترح عليّ أن يكون العمل لا عن المعتصم بل عن أبيه هارون الرشيد، ربّما لأنّ الرشيد بما يوحي به من أجواء ألف ليلة وليلة كان أكثر إثارة. أخالني كنت متعطّشا للكتابة، فلم أعترض ولم أتمسّك كثيرا بفكرتي الأولى. كتبت مسرحيّة في مشهدين عن الليلة التي سبقت نكبة البرامكة. كان التحدّي الكبير هو إدماج الجميع في هذا العمل: مسرحيّة لا يتجاوز طولها ربع ساعة فيما أذكر، لكنّها تحوي قرابة ثلاثين ممثّلا! أخذت المخرجة المعيّنة المسألة بكلّ جديّة وبرمجت بروفتين للعرض واستدعت قيّمين يعملان بالمعهد حاصلين على الأستاذية في المسرح لإبداء الرأي في العمل. تقبّلت ملاحظاتهما بمزيج من الامتعاض والسخرية. تساءل أحدهما بشيء من العجرفة إن كان العمل يستند إلى المراجع التاريخية حول تلك الفترة، ورددت عليه بشيء من الحدّة إذ لم أكن ممّن يتسامح مع وقائع التاريخ. لا أذكر أنّه اقترح اقتراحا واحدا قابلا للأخذ به، وكتمت ضحكتي لمّا اقترح أن يمكث جلساء الرشيد خلفه لا امامه ليعبّروا عن "المفهوم القاعدي للأركسترا" على حدّ تعبيره. كانت لديّ رؤية لما ينبغي أن يكون العمل عليه ولم أكن مستعدّا كثيرا للمساومة حولها. وفي الحقيقة، كانت تلك الأجواء من الفترات القليلة التي أشبعت فيها نرجسيّتي طوال دراستي الثانوية. قبلت المخرجة معظم اقتراحاتي، بل وعرضت عليّ أن أقوم ببطولة العمل لو شئت، غير أنّني كنت قد صرت أؤمن بالتخصّص آنذاك، فامتنعت عن قبول عرضها. اقترحت، وأنا أبدي كلّ الجديّة، على الزميل الذي سيلعب دور جعفر البرمكي أن يقبل التضحية برأسه لنضيف مشهدا عن إعدامه يكون واقعيّا للغاية! كنت أمزح بطبيعة الحال، لكنني كنت حريصا أشدّ الحرص على أن يكون العمل في المستوى المطلوب، وهو ما لم يتحقّق للأسف رغم جديّة التحضيرات. أثناء العرض، أوقع أحد الممثّلين كأسا ثمينة فانكسرت، وكانت صاحبة الكأس (الذي أحضرته كجزء من الديكور) حاضرة في المشهد، فكادت تجنّ وتخرج من حالتها المسرحيّة لتقرّع صاحب الفعلة الذي تدارك الأمر وأسرع بالمرور إلى عبارته التالية. أمّا "هارون الرشيد"، فقد أخطأ في توقيت إحدى العبارات وهو ما أحدث بلبلة في سيرورة المسرحيّة. نقمت على هذا "الرشيد" الذي أفسد تحفتي وظللت أكرّر عبارات الامتعاض منه لعدّة ساعات.
لم أعد إلى الكتابة المسرحية بعد ذلك لفترة طويلة. راودتني فكرة عن مسرحية شعريّة مستوحاة من الأجواء الرحبانية غير أنّني لم أجاوز في تنفيذها الخطوات الأولى. اكتفيت بالمشاهدة على مدى سنوات، فكنت أحضر كلّ سنة عددا من عروض أيّام قرطاج المسرحية، وأشاهد على مدار السنة ما أمكنني من المسرحيّات التي تعرض بالحمراء والمسرح البلدي والتياترو وقاعة الفن الرابع وغيرها من الفضاءات. لمّا أنشأت مدوّنتي في 2007، كان أوّل مقال أكتبه نقدا لمسرحيّة "نجمة نهار" لمحمّد إدريس، وهي اقتباس لمسرحية "عطيل" لم يرق لي، ربّما لاحتوائه على "بدع" عديدة في حين أنّني كنت أرغب في مشاهدة العمل الكلاسيكي كما هو. غير أنّ العرض لم يكن بالسوء الذي يوحي به المقال. الاعمال السيّئة فعلا لا أكتب عنها عادة، لأنّ الكتابة عنها حبر مهدور ووقت ضائع. أسوأ الأعمال التي شاهدتها اقتباس أريد به أن يكون كوميديّا لسدّ المسعدي، وعرض فرنسي (حضرته عن طريق الخطأ) يخرّف فيه صاحبه لمدّة طويلة عن ذكرياته في أفينيون. أظنّهما العرضين الوحيدين الذّين خرجت دون أن أتمّهما. أمّا أفضل العروض، فلا أستطيع أن أحسم في شأنه. هناك عدد لا بأس به من الأعمال المتميّزة التي رسخت في الذاكرة. أذكر منها مسرحية سورية لسامر محمد إسماعيل بعنوان 'ليلي داخلي" وهي مقتبسة من "خطبة لاذعة ضدّ شخص جالس" لغارسيا ماركيز. أمّا العروض التونسية فمنها "آخر ساعة" لعزّ الدين قنون و"خمسون" للفاضل الجعايبي و"قصر الشوك" لنعمان حمدة و"ريتشارد الثالث" لجعفر القاسمي الذي فاجأني عرضه بشكل سار جدّا، بما أنّني لم أكن أعرف عنه فيما سبق سوى ميله إلى التهريج.
لمّا كنّا نستعد في تونس الفتاة لتنظيم ملتقى بعنوان "قرطاجيون" في سنة 2016، أضفنا إلى المحاضرات عددا من المشاهد المسرحية حول مسيرة حنّبعل. أشرف على تنفيذ هذه المشاهد المسرحي الطاهر عيسى بن العربي، وكانت حدثا فريدا في تاريخ الجمعية وأنقذت النشاط من الرتابة. حضرت البروفة الأولى وفتنتني الأجواء التي سادت التمارين ووددت لو كنت مشاركا في العمل. في نفس السنة، لمّا سمعت بوجود ناد للمسرح في فضاء كرمان الذي كنت تعرّفت عليه منذ فترة قصيرة، غالبت تردّدي وقرّرت الانضمام إليه. كانت الخطوات الأولى مليئة بالارتباك وحتّى إلى المصادفات غير السارة (بما أنّي تعرّضت إلى "نطرة" إثر الحصّة الأولى)، لكن سرعان ما تجاوزت ذلك. بعد شهر واحد، أصبح نادي المسرح ركنا قارا في حياتي، وصارت له طقوسه الخاصة، كقهوة ما قبل البداية بما أنّ أستاذنا العزيز حسّان الغربي كان يتأخّر دائما في القدوم. سرعان ما توّثقت أواصر المودّة مع أعضاء النادي، على اختلاف مشاربهم وتنوّع اختصاصاتهم وتباين أعمارهم. لمّا قيل لنا أنّه ستقع برمجة عرض لنادينا في شهر رمضان، لم آخذ الأمر على محمل الجدّ في البداية ثمّ تهيّبته لمّا صارت التحضيرات تسير فعلا على نسق حثيث. أخال أنّ مواجهة الجمهور كانت أكثر ما خشيته. عشرات من الناس يجلسون قبالتك ويعدّون عليك حركاتك وسكناتك! تجاوزت هذه الخشية تدريجيا مع الأجواء الطيّبة التي سادت المجموعة، وكانت البروفات الرمضانية من أمتع الأوقات التي عشتها على الإطلاق. صعدت على الركح لأوّل مرّة يوم 4 جوان 2017 لأساهم في عرض "أجيال"، وهو مجموعة من المشاهد المسرحية. لعبت حينها دور أب "متدعوش" ومعلّم يجنّنه تلاميذه ومدير مدرسة مرتبك. تلك الوقفة على المسرح كانت استثنائية في حياتي: كنت أظنّني سأكون مرعوبا من التفكير فيما يظنّه المتفرّجون فيّ، لكنّني في الحقيقة كنت منشغلا بتأدية الدور كما ينبغي أن يكون. ليتني كنت كذلك في الحياة نفسها!
بعد ذلك العرض، توطّدت علاقتي أكثر بالمسرح. أصبح فضاء كرمان بيتا ثانيا لي، وكنت أقصده حتّى خارج أوقات النادي لتغيير الأجواء، حتّى وإن كان ذلك بالجلوس بمفردي في فضاء أحسّ به بالألفة. رغم التغييرات الحاصلة في المجموعة، ظلّ إحساس المودّة مهيمنا. حين سافرت إلى أستراليا في آخر 2017، كان من أكثر ما آسفني اضطراري إلى تفويت عدد من حصص النادي، ومن أكثر ما سرّني أنّه أتيحت لي فرصة مشاهدة عمل كلاسيكي كما ينبغي أن يكون، إذ شاهدت بملبورن عرضا لمسرحيّة "عطيل" في فضاء أقيم على نمط مسرح "غلوب" الشهير، حيث كان شكسبير يعرض أعماله. طبعا لم أكن أفهم كلّ ما يقال بتلك اللغة الأنجليزية العتيقة، لكنّني كنت أعرف المسرحية جيّدا واستمتعت بمتابعتها إلى أبعد الحدود.
بدأنا العمل باكرا في ذلك العام على مسرحيّة نتوّج بها أعمال النادي. ابتكرتُ شخصيّة "فريد باي" سليل العائلة الملكية المُبعد عن عرشه، وسرعان ما أصبحت هذه الشخصيّة أساس العمل. كان هناك الكثير من التجريب، إذ كثيرا ما كنّا نحذف مقاطع ونضيف أخرى بعد أن نشاهدها ونناقشها معا. كانت هناك روح ديمقراطية في التحضير للعمل، إذ أنّ الكتابة كانت في الواقع جماعية يساهم كلّ ممثّل فيها في كتابة دوره، وإن كانت الصياغة النهائية (التي لم تتبلور إلّا أياما قليلة قبل العرض) لحسّان. صعدت على الركح، في مسرحية مكتملة الأركان هذه المرّة تحمل عنوان "خرافة"، لأؤدّي دور فريد باي. قيل لي أنّ الدور هو عكس شخصيّتي الحقيقية تماما: أرستقراطي متكبّر ومغفّل وسكّير وخائن. في الحقيقة، كان هذا التناقض من أكثر ما شدّني إلى هذه الشخصيّة. فعلٌ محرّر للغاية أن تكون ما لا يشبهك وأن تقتنع بذلك وتقنع بذلك. في لعب مثل هذه الأدوار برهان على أنّك يمكنك أن تكون كما تشاء متى رغبتَ. لعلّ تلك من أكبر مزايا المسرح: أن تخلق، بمشيئتك الحرّة، ما لا يكون فيصبح كلّ المعنى ما وراء الجدار الرابع.
اضطررت، للأسف، بعد ذلك للابتعاد عن النشاط المسرحي. في آخر 2018، كان النسق المجنون لمشروع "اكاديمية الشعراء" يشغل كلّ وقتي. لمّا حاولت العودة إلى المسرح في فضاء مختلف ومجموعة مختلفة في 2019، لم أجد الأجواء التي تريحني. وجدتُ نفسي في فضاء شديد الضيق إلى حدّ خانق، مع مجموعة تختزل المسرح في الكوميديا، والكوميديا في الإيحاءات الجنسية و"الغشّ" في الكلام، مع أستاذ لا يبدي نقدا يذكر ويتضاحك مع الضاحكين. توقّفت عن الحضور بعد شهر واحد. لكن لا يزال حلم المسرح يراود خيالي. لا أزال أحلم أن أكتب نصّا كـ"هاملت" أو أن أؤدّيه. لا أزال أحلم أن تدوّي صرختي من فوق الركح، كما في عرض "أجيال":
"أنا نحلم باش الدنيا هذي ما تبدلنيش... نحلم باش نضيع فيها كيما نحب ومن بعد نرجع لروحي... نحلم أنّي نفسّخ كلّ طريق مسطّر ونصوّر ثنيّات ما كانتش موجودة... نحلم اللي نعدّي عمري الكل تاعب في حاجة نراها أنو تستاهل التعب… نحلم اللي في آخر نهار ليّ فيها نقول للعالم الكل اللي أنا عشتها لروحي كيما حبّيت وماعشتش حياة حد غيري !"

مع فريق عرض أجيال، 2017
في دور "فريد باي" في مسرحية "خرافة"، 2018

الاثنين، 8 يونيو 2020

خمس وثلاثون

في عيد ميلادي
كعكتي كانت بلا شمع
لم يعدْ شيءٌ لأطفئه
فكلّ حرائقي قد أخمدت
ما عاد غيرَ صدى دويُّ الانفجارْ
ما قد مضى صار الكثير
وما تبقّى... ذاك ما أمسى القليل
إذا حاولتُ أن أمشي سيسبقني الأوان
إذا ركضتُ فلا وصول
إذا رقدتُ كعادتي
من مانعٌ عنّي تِلالاً من غبارْ؟
ترفًا تصير الأمنياتُ
لقد خسرتُ الحقّ فيها
والحقيقة أضحت الكون الوحيد
زجاجها سقفٌ لرأسي
ليس يرضى الانكسارْ
يبدو لما يجري كلّه حجم واحد
من ربوتي أحكيه لي متهكّما
قد مرّ- في أدنى احتمال- مرَّة
لم يبق غيرُ إعادة لا تنتهي
لم يبق غير الانتظارْ
ندمٌ؟ علام؟
تفاخرٌ؟ لم؟
إنني ما قد جرى
أنا نقطَةٌ قد لا تُرى
لولا وميض الذكريات بقلب من أحببتُ
أنتم كلّ عُمْري بعد عُمْري
أنتم المعنى بكلّ صفائه
وَشْمِي بوجه الاندثار