ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة. يكفي أن ترى كيف ينفق الذين حازوا أموالا طائلة عن طريق الرهان ما كسبوه، ومثل ذلك من يرثون ثروات كبيرة. لكنّ الأمر يتجاوز الجانب المالي. أعتقد أنّ نفس الشيء ينطبق على العلاقات، لا سيّما العاطفية منها. إذا كان كلّ شيء يسيرا ميسّرا منذ البداية ولمدة طويلة، فمن المرجّح ألّا تدوم العلاقة طويلا. إذا لم تكتسب العلاقة جانبا يحتوي على نوع من التحدّي أو المغامرة، فمن المحتمل أن يملّها أحد الطرفين أو كلاهما بعد بعض الوقت. قد يكون التوافق في الطباع والميول مدهشا، ولكن ما فائدة أن يعيش المرء مع نسخة من نفسه؟ إذا لم يكن هناك صراع ما، حتى إن كان طفيفا، فستذوي جذوة الاهتمام. الأمر شبيه تماما باللعب: إذا كانت اللعبة سهلة للغاية، فلن تضحي مسلية بعد فترة. كما إذا كانت صعبة للغاية، فسينفد الصبر منها. الأمر كلّه يتعلّق بدرجة الصعوبة وطبائع التعامل معها.
الخميس، 18 سبتمبر 2025
الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025
وليمة الظل
يتغذى الوحش على النقاء. هو وحش، تعتمل فيه الغرائز البدائية، لا يعرف غيرها ولا يطيع إلّاها. إلا أنّ له ما يكفي من الوعي ليفهم أنه يُنظر إليه بمرتبة أقلّ من الآدمية، فيهتاج ويثور.
ليس له إلا فراؤه، فلا سبيل له لأن يتّخذ هنداما أنيقا يرد به المحافل والملاهي. لا صوت له إلا العواء، فلا مطمع له من ذلاقة اللسان ما يفتح له الأبواب المغلقة.
يجد لنفسه سبيلا أخرى. يختار لنفسه فريسة. يسعى في اختيارها أن تكون غريرة، لا تعرف شيئا عن طبائع الهوام ولم يفسدها بعد تبدّل الأقنعة.
يستدرجها إلى مكان معزول، حيث يُجهز عليها. لا يكون همّه في تلك اللحظة أن يقتات، بل أن يصعد بقوائمه فوق براءتها. ينهش عظامها ويمزّق لحمها، ثم يعوي فوق ما تبقى منها. يشعر لبرهة أنّ دماء نقية تجري في جسده.
الخميس، 17 يوليو 2025
الأربعون...عندما هرمتُ دفعة واحدة
عندما بلغ المنفلوطي سنّ الأربعين، كتب مقالة يقول في افتتاحها: "الآن وصلتُ إلى قمة هرم الحياة، والآن بدأتُ أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيع أن أهبط بهدوءٍ وسكونٍ حتى أصل إلى السفحِ بسلام، أو أعثر في طريقي عثرة تهوي بي إلى المصرعِ الأخير هويّاً."
منذ قرأت هذه المقالة، ولمّا أكن جاوزت العشرين، وأنا أفكّر فيما عساني أقول إن بلغتُ هذه السنّ. كانت هذه اللحظة تتراءى لي بعيدة للغاية، في وقت كان فيه البعد الرومنطيقي-التراجيدي غالبا عليّ، فزعا ربّما من شبح الشيخوخة وطموحا إلى شباب أبديّ كالذي ناله أبو القاسم الشابي مثلا. وربّما كنت أعزّي النفس بالتفكير أنّها سنّ النبوة. من يدري؟ لعلّي إن بلغتُها أكون قد اقتربتُ فعلا من تلمّس شيء من "الحكمة".
جاءت هذه اللحظة أخيرا. لم ينزل عليّ الوحي حينها، ولم أبق فتيا كالشابي. وإنّما كنتُ في منعرج جديد على طريق الحياة. لا شكّ أنّني مررتُ بمنعرجات عديدة قبله، لكنّ هذا هو أخطرها بلا مراء. وجدتُ نفسي في هذه السنّ أتحمّل مسؤولية قرارات اتّخذتها عن وعي واستعداد لدفع الثمن، كما وجدتُ نفسي أتحمّل مسؤولية كلّ القرارات التي تردّدت في اتخاذها وأحجمت عن خوضها. كلّ ما خفتُ منه وتجنّبته طيلة سنوات عاد ليلسعني في قدمي كالعقرب، لأرتدّ متوجّعا حائرا أتساءل إن كان عليّ أن أبدأ الطريق من جديد.
تسقط طواحين الهواء في الأربعين. هي لا تتحلّل شيئا فشيئا، بل تتبخّر كأن لم تكن، لتتركك في مواجهة الواقع وصفعاته. ربّما اتّقيت بمثالياتك الكثير من السموم، ولكن ما كان بوسعك أن تظلّ بمعزل عنها إلى الأبد. أبيت أن تكبر، ثمّ هرمتَ فجأة، في لحظة واحدة.
في الأربعين، تصير حصينا تجاه الخيبات. قد تلقّيت منها جُرعات عديدة، فلم يعد لديها أيّ أثر عليك. آمنت، في لحظة ظننتها استثنائيةـ سُمّيت لاحقا بالانفجار غير المسبوق- أنّ كلّ شيء سيتغير وأنّ التاريخ نفسه سيتّخذ مسارا آخر نحو الحرية والكرامة والعدالة لكيلا تظلّ حكرا على أمم دون أخرى. ثمّ أفقت وأنت تقرّع نفسك أن لم تكن قفزت من المركب قبل أن تغرق.
في الأربعين، لا شيء مهمّ سوى المتع الصغيرة. أضحت السرديات الكبرى تثير لديك ضحكة ساخرة. أصبحتَ تبحث فقط عن قطع صغيرة من السلام: جلسة طويلة تحت شجرة صنوبر، غطسة في بحر معزول، ضحكة مجلجلة من طفلك، حضن دافئ، قطعة من موسيقى اكتشفتَها للتو، ثمالة قهوة نسيت وجودها في الفنجان…
لم يعش المنفلوطي حتى يحدّثنا عن الخمسين وما بعدها. من يدري ما كان عساه يقول؟ لعلّه كان يجد في الانحدار من أعلى هرم الحياة مباهج لم تخطر له ببال. أو ربمّا أنا فقط أعلّل النفس بالآمال أرقبها…
السبت، 17 مايو 2025
صديقي الخنزير الوحشي
في المرّة الأولى التي واجهت فيها خنزيرا وحشيّا، ظننتُ أنّي على وشك الموت.
كان ذلك منذ ثماني أو تسع سنوات. كُنتُ أسير في منتزه النحلي، في طريق
العين القديمة تحديدا. بدا لي أن أطيل نزهتي، من باب الرياضة، فسلكت سبيلا غير
مطروق ومشيتُ فيه لساعة أو نحوها حتّى حسبت أنني على وشك أن أضلّ. كُنتُ على بعد
كيلومترات من المدخل الرئيسي، لمّا رأيته.
كان ينزل من أعلى الجبل ماشيا الهوينى. وصل إلى المسلك الذي كنتُ أتبعه
وتوقّف للحظة ونظر إليّ. جمد الدم في عروقي، ولعلّ المشهد الذي استحضرته ذاكرتي في
تلك اللحظة هو مقتل الطفل في شريط "ريح الفرنان" على يدي حيوان مماثل.
هيّء إليّ حينها أنّ الواقف أمامي بحجم الثور. لم أعرف ما عليّ أن أفعل، فلا أحد على
مقربة منّي بإمكانه أن ينجدني، ومن الأكيد أنّه لم يكن من الممكن أن أركض أسرع
منه. المعلومة الوحيدة الّتي خطر لي أن أستعملها -وهي على الأرجح مأخوذة من وثائقيّ
عن الدببة ولا علاقة لها بالخنازير- أن أظلّ واقفا مكاني دون حراك حتى لا أستفزّه.
وكان ذلك ما فعلته.
لم يدم الموقف سوى بضع ثوان. لم يعرني ذلك المخلوق الضخم أيّ اهتمام، وأكمل
طريقه نزولا. تنفّست الصعداء وحثثت الخطى نحو أقرب مكان عامر لأشعر بالأمان، ولم
أذهب نحو تلك المسالك القصيّة منذ ذلك الحين. كُتب لي عمر جديد إذ نجوت من ذلك
الحيوان الضاري. أوَ لم يقتل أدونيس الأسطورة على يدي خنزير وحشي؟ أوَ لم يتعرّض
الملك روبرت باراثيون لنفس المصير؟ لا شكّ أنّني محظوظ جدّا لأنّي سلمت مما وقعت
فيه هذه الشخصيات الخيالية.
لكنّ الخنزير الوحشي هو كذلك بومبا، رفيق النمس تيمون في مغامرات الصور
المتحرّكة. وهو هناك مخلوق ظريف، رغم نتن رائحته، يعيش وفق مذهب الهاكونا ماتاتا (أي
دون أيّ قلق). أخال خنازير النحلي من هذه الطينة. تعدّدت لقاءاتنا بعد هذه
المصافحة الأولى، وأصبحت تغشى الأحياء القريبة من النحلي، كرياض الأندلس والنصر،
فيمكن أن تشاهد سربا من الخنانيص تقطع الطريق باحثة عن الطعام في النفايات، ولا
يبدو أنها آذت أحدا. يبدو أنّ نعت "وحشيّ" صار مجازا، إذ لم تعد هذه
الحيوانات تخشى الناس، فهي لا تهرب حين رؤيتهم وإنما تواصل أكلها في هدوء. كما لم
يعد الناس يخشونها. منذ أسابيع، شاهدت أبا وابنيه (الذين لم يكن أكبرهما يتجاوز
ستّ سنوات) يقفون على مسافة مترين من الخنازير متأمّلين إيّاها بعجب، فيما الأب
يصوّرها بهاتفه. قد أصبحت الخنازير الوحشية حيوانات أليفة الآن!
أقرأ أحيانا منشورات من المتساكنين يبثّون من خلالها تخوّفاتهم من تكاثر
الخنازير، وعادة ما يعلّق عليها البعض أنّ هذه الحيوانات في بيئتها الطبيعية، وأنّ
البشر هم من يزعجونها لا العكس. أبتسم لقراءة مثل هذه التعليقات، فلو كنّا حريصين
فعلا على احترام الطبيعة وكائناتها، لَما بُنيت أحياء -بل مدن- بأسرها فوق غابات
ومناطق جبلية، دون أيّ اعتبار للتنوّع البيولوجي ولحقّ الكائنات- من غير البشر- في
الحياة. فات الأوان على هذا العيش المتناغم مع الطبيعة! أمّا إذا شئنا أن نعبّر عن
تعاطفنا البالغ مع هذه الكائنات الوحشية المسكينة، فيُمكن مثلا أن نشيّد تمثالا
ضخما لخنزير وحشي في مدخل النحلي (يسجّله مسؤول ما في قائمة إنجازاته) أو ننشئ
فريقا رياضيا نُطلق عليه اسم "الخنزير الرياضي بالنحلي". ربّما سيأتي يوم يصبح فيه
الخنزير الوحشي رمزا من رموز البلاد، فنراه على ورقة المائة دينار (عندما تصدر) أو
يتصدّر حملات السياحة البيئية. حينها، سأحكي لابني أنني من الأوائل الذين صادقوه قبل
أن يصير نجما. وسأضيف بفخر: لقد نظر إليّ في العين مباشرة... ولم يهاجمني!
الأحد، 20 أبريل 2025
هذا ليس شعرا
الأحد، 13 أبريل 2025
الجدارة في مقابل التبادلية
في عالم مثالي، تكون الجدارة معيار التقييم الوحيد. بمعنى أنه لينال الإنسان شيئا، ينبغي أن يكون مستحقّا له، سواء بالنظر إلى كفاءته الشخصية (كحقه في أن ينال عملا يناسب مؤهلاته) أو إلى حقوقه (كأن يتحصل على خدمة معيّنة لكونه مواطنا أو مستهلكا أو تلميذا أو غير ذلك من الصفات). ومن واجب القانون، كمنظومة مثالية نظريا، أن يكرّس مثل هذا التطابق.
لطالما آمنت بأن الجدارة هي الطريق الوحيد الذي يمكن سلوكه. ربما كان ذلك بفعل نزعة مثالية مزمنة جعلتني أميل إلى ما يجب أن يكون، لا ما هو كائن، أو ربما لأن تكويني القانوني رسّخ لديّ قناعة بأن الحقوق يجب أن تُمنح لا أن تُفتك، وأن الكفاءة يجب أن تُكافأ لا أن تُساوَم. كنت أرى الجدارة كمقياس طبيعي، إن اختلّ، اختلت معه قيم المجتمع ومعايير النجاح. كل ما عداها، في نظري آنذاك، لم يكن سوى تسميات مخففة للمحسوبية والفساد.
لكن مع الوقت، ومع خيبات شخصية صغيرة راكمتها التجربة، تجاوزت غرارة الصبا وبدأت أفهم. بدأت أرى كيف أن العالم، أو على الأقل مجتمعنا، لا يشتغل بمنطق الجدارة بقدر ما يتحرك بقوانين التبادلية. الناس لا يتعاملون معك على أساس ما تستحقه، بل على أساس ما يمكنك أن تمنحهم إياه، أو ما تقدر على فعله من أجلهم. المحسوبية لم تعد تبدو لي انحرافًا عرضيًا عن المسار، بل صارت جزءًا من نظام كلّي له منطقه الخاص، منطق لا يعترف بالاستحقاق إلا إذا جاء مرفقًا بمنفعة متبادلة.
الأمثلة على ئلك أكثر من أن تعدّ. يكفي أن ترى كيف تُقضى الحوائج في الإدارات. إذا كنت مبعوثا من سي فلان، فستفتح أبواب كانت مغلقة. أمّا إذا لم يعرفك أحد، فحتّى الأبواب المفتوحة يمكن أن تُغلق. وأهل الإدارة بارعون في إيجاد الحجج التي تعفيهم من القيام بأيّ شيء. الوظيفة لا تعني خدمة الصالح العام، بل هي نفوذ ممنوح بسلطة تقديرية تمكّن صاحبها من إسداء خدمات معيّنة والحصول في مقابلها على خدمات مماثلة. أمّا إذا لم يكن لك ما تستند إليه سوى حقّك، فستكون أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام.
في الميدان الثقافي، وهو ميدان من المفروض أن يكون راقيا، الموهبة الصرف تضيع بسهولة إذا لم يكن لصاحبها ما "يفيد" به الفاعلين في المجال. جزء لا بأس به من الاستضافات في الملتقيات الأدبية يخضع لهذا المنطق: أستضيفك اليوم لتستضيفني غدا (غالبا على حساب المال العمومي في كلتا الحالتين) أو لتكتب عنّي أو لتقتني منّي نسخا من إصداري الجديد الذي كان ليتعفّن في قبو ما. أعرف عدد من الأصوات المميزة التي كانت تبشّر بمستقبل زاهر في الميدان الأدبي قبل أن يأكلها النسيان لأنّه لم يكن لها قيمة تبادلية في هذا المسار. هي موهوبة وكفى، فلتبق موهبتها دفينة ما دمت لن أستفيد منها شيئا! هذا ممّا يفسّر بشكل جزئي ركود الساحة الأدبية عندنا، فهي في الغالب لا تقوم على التميّز.
ويبلغ رهان التبادلية أقصاه في الميدان السياسي وبخاصة وقت الانتخابات. في وقت مضى، عندما كانت لنا بعض الحريات، كان هناك من يرفعون أصواتهم للتنديد بـ"المال السياسي الفاسد" في خضمّ الانتخابات. وفي الحقيقة، ليس المال إلا جزءا من المعادلة. من خلال قراءة كتاب جماعي صدر منذ بضعة شهور بإشراف المولدي الأحمر بعنوان "الانتخابات التشريعية في تونس بعد الثورة: نقد أسس المشروعية السياسية للنخب"، يمكن أن نفهم أنّ جزءا كبيرا من التحشيد الانتخابي لم يكن يستند لا على البرامج ولا على المواقف، وإنّما بالأساس على هذا المنطق التبادلي. بمعنى آخر، كفاءة المترشّح أو نزاهته أو فصاحته لا تهمّ بقدر ما يهمّ النفع الذي يمكن أن يقدّمه لي بشكل مباشر. إذا أمكنه توظيف ابني أو التوسّط لإخراج ابن أخي من مركز الإيقاف، فهو مرشّح جيّد وسأصوّت له. أمّا إذا لم يكن له من المزايا سوى برنامج يعد بالعدالة الاجتماعية وسيرة تزخر بالإنجازات الأكاديمية ومسيرة نضالية باهرة، فذلك لا يعني شيئا! وهكذا، خسر كثير من المتمرّسين في النضال السياسي المعارك الانتخابية لأنهم لم يفهموا كيف يفكّر الناخب.
ربّما حاولت الدولة الوطنية في بادئ الأمر تكريس معيار الجدارة، وما "المصعد الاجتماعي" الذي يكثر التحسّر عليه إلا عنوان لذلك، حيث كان يمكن للنجابة في الدراسة وحدها أن تكفل مستقبلا مشرقا لصاحبها. لكنّ حبال هذا المصعد تآكلت، حتّى لم يعد يمكنه أن يتجاوز القبو. أذكر مسؤولا رفيعا في العهد البائد كان مكروها من أهل بلدته، رغم كفاءته العالية التي أتاحت له شغل عديد المناصب. لم يكن ذنبه ليستحقّ هذه الكراهية إلّا لكونه "لم يخدم" أهل بلدته، بمعنى أنّه لم يمنحهم امتيازات فلم يربحوا منه شيئا! كلّ ذنب المسكين أنّه امتنع عن المحاباة!
المنطق السائد للنجاح اليوم يقترب من منطق العصابات. لنذكر دون كورليوني في فيلم "العرّاب" إذ جاءه من يطلب منه خدمة، فأجابه إليها بعد لأي، ولكن بشرط "في يوم ما، وقد لا يأتي هذا اليوم أبدا، قد أطالبك بردّ هذه الخدمة". هذه هي التبادلية في أوضح تجلياتها. ولعلّ مشكل الحالمين في هذا الوطن أنّ حلمهم منعهم من الانخراط في العصابات، فلم يبق لهم مكان غير الهامش.


