الأربعاء، 20 أغسطس 2014

شيء من المرض


يلزمنا أحيانا شيء من المرض لنتأكد أننا لسنا آلهة. ذاك الضعف هو شيء مما يميّزنا نحن معاشر بني آدم.... أن نكون في أقصى عنفواننا، في ذروة توهجنا، في أوج عطائنا، فيخيّل إلينا أنّنا فارقنا مرتبة الإنسانية وارتفعنا فوقها بخطوة أو بخطوات، ثم يأتي ذلك الانكسار من حيث لا نأتي. نصير حبيسي أنفسنا، أسارى للعجز، غير مستطيعين إلا بشق الأنفس، أو بغيرنا. ينال من وجوهنا الشحوب فيذوي بعض جمالنا. يضني أجسادنا التعب فتنهدّ وقد كنّا واثقين قبل لحظات أنّها تزحزح الجبال. يسكن أعيننا الأرق وقد كنّا من قبل نمرح متى شئنا ونستلقي فننام أنّى أردنا دون أن يخطر ببالنا أنّ الكرى قد يضحي سلطانا منيع الأبواب، شديد الحجّاب.
للمرض جمال. نكون معه في أقرب الأحوال إلى أنفسنا. ومهما بلغ بنا التشويش، فإننا ندرك أننا نلامس جوهر أنفسنا في تلك الحالة. لعلّنا إذ نجرّد من قناع التألّق، من رداء الصحّة،  لا نجد بدّا من الغوص في أعماقنا ونصافح نائما فينا قد نكون نسينا شأنه منذ أمد. في ذلك المزيج بين التشويش والاضطراب من ناحية ولقيا النفس من ناحية أخرى نصل مرحلة من السكينة المعذّبة ربمّا ليس لها طريق آخر.
للمرض جلال. هو رسالة اللّه إلينا أنّ الكمال سيظلّ حلما لا نطاله. هو نذيره إلينا أنّنا معرّضون في كل آن لمفارقة جذوة الحياة. هو بشيره لنا أنّنا لن نعرف الراحة إلا حين نلقاه...

الاثنين، 18 أغسطس 2014

"موزار: أوبرا الروك"" عرض شبه محترف يختتم دورة استثنائية


قبل المرور إلى نظام الاحتراف، مرّت بطولة كرة القدم التونسية بمرحلة انتقالية أطلق عليها إسم مرحلة "اللاهواية" كانت منزلة بين المنزلتين، وسطا بين الهواية والاحتراف، إذ كان كلّ فريق ملزما بأن يكون عدد معيّن من لاعبيه محترفين في حين تتكوّن بقية الرصيد البشري من الهواة. ولعلّها كانت مرحلة ضرورية للانتقال إلى الاحتراف، ولكنها لم تكن تخلو من الغرابة باعتبار تعايش نمطين مختلفين دون حسم واضح لصالح أحدهما.

وهذه التناقض بين الهواية والاحتراف كان السمة المميّزة للعرض المقرّر لاختتام مهرجان قرطاج الدولي، فقد كان من الصعب تصنيفه ضمن العروض الهاوية أو المحترفة نظرا لأنّه احتوى على عناصر من كلا الصنفين، وإن كانت الكفّة تبدو أرجح لصالح الهواية.

أمّا عناصر الاحتراف، فيمكن أن نلمحها في العدد الكبير للعاملين على العرض: أوركسترا تتكوّن في أغلبها من عازفي كمنجة، فرقة روك، خمسة مغنّين، عدد محترم من تقنيي الإضاءة والصوت...وهذا ما كان يوحي بعرض ذي مستوى راق، ولكنّ عناصر الهواية كانت الأغلب.

كان السؤال الذي حيّرني طوال العرض: هل لهذه الأوبرا المزعومة مخرج؟ كان كلّ من المغنّين يصعد على الركح فيؤدّي أغنية دون أن يبالي كثيرا بتجسيد شخصيّته ثمّ يخرج وتصمت الموسيقى حتّى دخول من يتلوه، وكأنّ العرض مجموعة من الأغاني المنفصلة، لا أوبرا مترابطة الفقرات من المفروض أن تقص علينا قصة موزار. غاب التنسيق وبدا جليا أنّ كلّ فرد من المغنّين يرتجل حركاته، فمؤدّي شخصية موزار كانت حركته المميّزة الركض على غير هدى على الركح والقفز في الهواء أحيانا، تحت تصفيق وصرخات جزء كبير من الجمهور يبدو أنّه كان مستعدّا للتهليل لأيّ شيء. 

ويبدو أنّ المفاهيم الأساسية "أوبرا" و"أوبرا روك" كانت مفاهيم غير واضحة بالمرّة في أذهان أصحاب العمل، فالعمل الأوبرالي يتطلب حدا أدنى من القصّ المسرحي والحوار بين الشخصيات، لكن كان من الصعب تتبّع القصّة، أيّ قصّة، في العمل. أمّا عن الحوار، فيكفي القول أنّ موزار لم يدخل في حوار مع إحدى الشخصيات إلا في مناسبة واحدة قبل المشهد الختامي للدلالة على الضعف الفادح لهذا الجانب في العمل. وفيما يتعلّق بجانب "الروك"، فما قيل عن العرض أنِّه تزاوج بين الموسيقى السمفونية وموسيقى الروك، لكن طيلة الساعة الأولى من العرض، ما سمعته في جميع الأغنيات "دخلة" سمفونية يقطع عليها الروك الطريق لينتقل صوت الكمنجات إلى الظل. أما في نصف الساعة الأخيرة، فقد كان هناك محاولة لإيجاد توليفة بين النمطين كانت نتيجتها "زنزانة"كبيرة.

أما عن تعامل المغنين مع "الأوبرا" ومع الجمهور، فقد كان شبيها بذاك الذي عرفناه عن أشباه النجوم من الشرق: خطاب من طينة "تونس بلدي التاني" وتبادل للتحيات وسط العرض، وكأنهم غافلون تماما أن الجانب المسرحي للعرض يقتضي امتناعا تاما عن مثل هذه التصرفات البدائية، التي يمكن أن نضيف إليها أنّ أصواتهم عوّضها فيما يبدو البلاي باك في أحيان كثيرة. كما لم يمتنع أحد أفراد الأركسترا (التي تبين أنها تونسية) عن مغادرة مكانه وسط العرض (ربما لحاجات طبيعية !) ثم العودة إليه تحت أنظار الجمهور الذي خاله ممثلا ينضم إلى الفريق.
وهكذا أسدل الستار على دورة كان من المفترض أن تكون استثنائية بما أنها تختم نصف قرن من عمر المهرجان بعرض هو أقرب للهواية منه للاحتراف رغم الهالة التي أحيطت به والجوائز التي تحصّل عليها والتي قد تكون نتيجة جديّة أكبر تم بها العرض في "بلاد برّة" بعيدة تماما عن الاستسهال الكبير الذي نفّذ به في تونس، استسهال يصل إلى مرتبة قلة الاحترام لتونس وجمهورها.

السبت، 16 أغسطس 2014

قهوة مؤقّتة

يلخّص أحد الأصدقاء علاقتنا بالمقاهي بقوله "يجب أن لا تقلّ مدّة الجلوس بالمقهى عن ساعة. أقلّ من ذلك يجعلها استراحة قهوة". نحن لا نذهب إلى المقاهي في مهمّة محدّدة ودقيقة تقضي بتناول مشروب ما، فذلك منوط بالكافيتيريات، بل أنّ المقاهي هي عندنا مكان التفاعل الاجتماعي (الحقيقي لا الافتراضي) بامتياز. ما نتناوله هناك هو إمّا مجرّد ذريعة لنتواصل مع غيرنا، أو مشروب مقدّس له طقوسه الّتي لا تقبل التهاون بها، وخاصة: لا تقبل العجلة. أمّا إذا تعلّق الأمر بلعبة ورق أو مشاهدة مباريات أو بتدخين شيشة، فعند ذلك نعلن تحرّرنا التام من الزمن، وندخل مرحلة "النيرفانا"...

ورغم أنّ هذه العلاقة الحميمة لا تخفى على أحد، فإنّ ذلك لم يمنع السيّد رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي ليدعو إلى تحديد توقيت تناول المشروبات الساخنة بالمقاهي، زاعما أنّ الدول الأروبية تحدّده بنصف ساعة (أيّ دول؟؟؟)، ومؤكّدا أنّ أصحاب المقاهي يتحمّلون خسائر كبيرة بسبب غياب مثل هذا التحديد وأنّهم يلجؤون إلى البيع المشروط لهذا السبب  بالذات.

ولا أفهم عن أيّ خسائر يتحدّث الرجل. فعلى حدّ علمي، كلّ المقاهي "تدخّل الخير والبركة" وقلّما سمعت عن مقهى أغلق بسبب قلّة الدخل. أمّا عن البيع المشروط، فمن المعروف أنّ القهواجية لا ينتظرونك لتطيل الجلوس كي يفرضوا عليك قارورة الماء أو قطعة المرطّبات أو الماركة الإيطالية (في آخر الأسبوع وفي أوقات الذروة، لا تتحدّث ماكينة القهوة إلّا بالإيطالية)، بل يبدأ ذلك فور دخول المحلّ. 

كما لا أفهم كيف ستكون الخطوات العمليّة لتكريس تحديد التوقيت. هل سيتمّ نصب ساعة لاحتساب الوقت قرب كلّ حريف؟ هل ستعطى سلطة تقديريّة مطلقة للنادل؟ هل سيتمّ تكريس نظام اللعب لجولة واحدة في أطراح "الرامي"؟ هل سيتمّ اللجوء إلى القوّة العامة لطرد الحريف الذّي يرفض الخروج بعد انتهاء وقته؟
هذا الاقتراح علامة على أنّ المؤقّت ضرب أطنابه في كلّ جوانب حياتنا حتّى مسّ أكثرها تحرّرا من الوقت. وإذا سلّمنا جدلا بجديّة هذا الاقتراح، فلا توجد إلّا كلمة واحدة تبرّره: الجشع. فبعد الحديث عن التحرير الكلّي لأسعار المشروبات الساخنة، يأتينا هذا الاقتراح ليمسّ من الهواية الوطنيّة الأولى (أو الشغل الوطني الأوّل باعتبار أعداد العاطلين عن العمل)، ويمكن اعتباره، بشكل من الأشكال، مسّا من المقدّسات.
يا سيّدي، في كلّ أمور حياتنا كثر "الجري واللهيط"، فاتركنا على الأقلّ نحتسي قهوتنا على مهل.

الجمعة، 15 أغسطس 2014

حول تصريحات راشد الغنّوشي بمناسبة عيد المرأة

استمعت إلى تصريحات السيّد راشد الغنّوشي رئيس حركة النهضة بمناسبة عيد المرأة التونسيّة، أو بالأحرى إلى جزء منها تناقلته وسائل الإعلام والمتعلّق بدعوته الشباب إلى الزواج بالمتقدّمات بالسنّ والمطلّقات.
وأثارت هذه التصريحات، كالعادة عندما يقوم "الشيخ" بأيّ تصريح تقريبا، ردود فعل مستنكرة. وإذا تجاوزنا التهكّم "التنبيري" الخالي من الجديّة حول من منحه الحقّ في التحدّث في هذا الشأن (وهي من الملاحظات المثيرة للدهشة، فمن يمنع أيّا كان عن تقديم وجهة نظره في مسائل اجتماعية، فضلا عن رئيس حزب سياسي يحمل مشروعا مجتمعيّا؟)، فيبدو أنّ أهمّ الاعتراضات على كلام الغنّوشي تتعلّق بتصنيفه في خانة الدعاية الانتخابيّة لاستجلاب أصوات فئة من النساء (وقد لا يخلو ذلك من صحّة ولكنّه يدخل في باب محاسبة النوايا إذا لم يقم الدليل عليه) وأنّه يقزّم من المرأة التونسية بتصوير البحث عن زوج هدفا رئيسيّا لها. وأخال أنّ هذا النوع من الاعتراضات يدخل في باب المثاليات النسوية البعيدة عن الواقع، فقد يطول الحديث عن مكاسب المرأة التونسيّة وسيرها في درب التقدّم ولكن من الصعب أن ننكر أنّنا مازلنا في مجتمع يحدّد إلى حدّ كبير مكانة المرأة بمدى نجاحها في تأسيس أسرة، ودعوة المرأة إلى عدم الاستجابة لهذه النظرة هو دعوة إيّاها للوقوف في وجه المجتمع، وهو طلب يتطلّب قدرات استثنائيّة قد يكون بلوغها صعبا على السواد الأعظم.
ولكنّ ذلك لا يعني أنّه لا اعتراض جديّا على تصريحات رئيس حركة النهضة. فيمكن على الأقلّ تقديم اعتراضين اثنين.
الاعتراض الأوّل يتعلّق بكون السيّد راشد الغنّوشي يدعو، عن وعي أو غير وعي، إلى ثورة اجتماعيّة حقيقيّة دون أن يقدّم أيّ وسائل لتحقيقها. فالفارق بين سنّ الزوج والزوجة لصالح الأوّل عادة متّبعة في غالب مجتمعات العالم يقع تبريرها بأسباب بيولوجية، فأرسطو، صاحب المنطق، مثلا يرى أنّه من الأفضل أن يتزوّج الرجل عندما يبلغ السابعة والثلاثين بامرأة في سنّ العشرين حتّى يتزامن بلوغها سنّ اليأس مع وصوله إلى الشيخوخة. ومن المشروع أن يدعو كلّ من شاء إلى انقلاب في المعايير المجتمعيّة، ولكن يبقى من السذاجة بمكان الاعتقاد أنّه ستتمّ الاستجابة إلى هذه الدعوة لمجرّد أنّها صادرة عن "الشيخ" (هذا إذا لم نعد إلى "النوايا").
أمّا الاعتراض الثاني فيكمن في التعامل الانتقائي مع الموروث الديني. فقد تحدّث الغنّوشي عن زواج الرسول عليه الصلاة والسلام وهو في الخامسة والعشرين بالسيّدة خديجة وهي في الأربعين كمثال يجدر اتّباعه. وبغضّ النظر عن بعض التجاوز في كلام "الشيخ" (إذ قال "امرأة فاقت الأربعين" في حين أنّ الرواية الغالبة أنّها كانت في تمام الأربعين، مع وجود روايات أخرى ترى أنّها كانت أصغر من ذلك)، فإنّ هذه الزيجة كانت استثناء بين زيجات الرسول الأكرم في خصوص الفارق في السنّ، في حين الزيجات الأخرى الاثنتي عشرة من الممكن أن يتمّ الاستدلال بها في الاتّجاه المخالف. كما أنّه من المعروف أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام نصح جابرا بن عبد الله بالزواج من بكر لا من ثيّب. وتوظيف القراءات بشكل متناقض حسب مقتضيات الحال من الاعتراضات التي لم تخفت على تيّار الإسلام السياسي.
بقي أن نضيف أنّ مثل هذه الدعوات لا يمكن أن تحلّ مشكل العنوسة كما يذهب "الشيخ" إلى ذلك. فهذا المشكل يرتبط بظاهرة العزوف عن الزواج التّي لا يمثّل فارق السنّ إلا هامشا بالنسبة إليها يتطلّب تحليلا معمّقا متعدّد الاختصاصات، لا مجرّد دعوات تبسيطية تختزل المشكل وتسطّحه، وهو ما سبق لنفس الشخص القيام به في خصوص تبرير تعدّد الزوجات.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عندما تموت الضحكة اكتئابا

كان "جومانجي" أوّل فيلم أشاهده في قاعة سينما. كنت في الحادية عشرة من العمر. كنت على ما يكفي من الطفولة لأستمتع وأضحك ملء في. في نفس الفترة تقريبا، شاهدت على شاشة التلفاز "السيّدة دوبتفاير"، وتحوّل بسرعة إلى أحد كلاسيكيات الضحك لديّ. كلا الفيلمين ربطا إسم روبن ويليامز بالضحك من الأعماق. وتتابعت الأفلام التي شاهدتها بعد ذلك لتؤكّد ذلك الربط: "صباح الخير فيتنام"، "مجتمع الشعراء الأموات"، "الملك الصيّاد"، "فلابر"، "صاحب المائتي عام"، "غود ويل هانتينغ"، "رجل العام"... كنت أترقّب الضحك في كلّ فيلم يظهر فيه، مهما كان نوعه، حتّى أنّني لدى مشاهدتي فيلم "أرق"، وهو أبعد ما يكون عن الضحك، ظللت أترقّب انقلابا كوميديّا مفاجئا، فقط لأنّ روبن ويليامز ظهر فيه. لم يحصل ذلك الانقلاب الكوميدي، وفهمت وقتها أنّ إسمه يمكن أن يرتبط بغير الضحك...بالموت الذي يتيه معه كلّ معنى...بالعبثيّة.
ولعلّه لم يفعل بانتحاره سوى أن أكّد أنّه مهما قهقهنا، فلن تظلّ الحياة غير تراجيديا نخدّر أنفسنا خلالها بالضحكات بين الفينة والأخرى..الرجل الذّي أضحكنا حد الاستلقاء طوال السنوات الأخيرة كان سكّيرا مدمنا بلغ به الاكتئاب حدّ الانتحار...صانع الضحكات الذّي خفّف عنّا أعباء الحياة انتهى به الأمر أن لم يعد يجد لحياته معنى. 
خان مماته جميع ما أهداه إلينا في سنين حياته. كيف لنا أن نسترق الضحكات إذا كان المُضحك الأوّل قد خاتلنا، قد باعنا الضحكات الصافية من قلب مريض مهموم بالحياة؟ كيف لنا أن نصدّق أنفسنا إذا ضحكنا؟
ربّما علينا أن نتناسى النهاية ولا نذكر سوى الطريق...

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

الحياة هي التفاصيل

لا يسكن الشيطان التفاصيل، بل تسكنها الحياة. ستعجز إن حاولت إن تجد من كلّ شيء تقوم به أو تنوي القيام به معنى. لا معنى لشيء في ذاته. أنت من تخلق المعنى، ولن تفعل إن كنت تبحث عنه في كلّ التفاتة. لن تخلق المعنى إلاّ إذا استغرقت في الشيء بكلّك، فلم يعد يفوتك منه تفصيل. ليكن "الشيء" حبّا تعيشه أو مهنة تزاولها أو أكلة تطبخها أو شجرة تتعهّدها. لا يهمّ. لا تلتفت إلى الوراء وتتساءل: لم أفعل ذلك؟ هذا السؤال هو بداية الضياع. إن طرحته فعلى الأرجح سيتبخّر المعنى من كلّ شيء. لا تجعل التفاصيل حجّة على الشيء فتجمع منها أعذارا تتعثّر بها فتتوقّف. اعتنق الأشياء كما هي، بجمالها وعيوبها، بأفراحها وأحزانها، بثرثرتها وبصمتها، ولا تدع السبيل لأيّ مانع يحول دون التعمّق فيها واكتناهها حتّى الثمالة، وكلّما زاد تعبك وألمك، فأنت تسير في الطريق الصحيح. يقول ثيودور روزفلت "أفضل ما تمنحه لنا الحياة التعب فيما يستحقّ التعب" لكنّه لا ترهق نفسك كثيرا في البحث عمّا يستحقّ التعب، فلن تجده، بل سيجدك...

الاثنين، 11 أغسطس 2014

هل مضى زمان الشعراء؟

في مسرحيّة "بالنسبة لبكرا...شو؟" لزياد الرحباني التي عرضت سنة 1978، يؤدّي فايق حميصي دور شاعر يدعى الأستاذ أسامة. هو دور هامشي في أحداث المسرحيّة، بل أنّه يكاد يتقلّص ليكون جزءا من الخلفيّة الصوتيّة في عديد الأحيان، غير أنّه يفاجئنا أحيانا إذ يقوم منشدا لبعض روائعه، كقصيدته العصماء "متعاقب أنا":


متعاقب أنا في أصل الصورة
عاهدت اللوز والأشياء الأخر
بأنّني غدا على قرميدك المهزلة
سأمتطي...أمتطي...أين أمتطي؟
متعاقب أنا فيكِ يا أينك
يا أينك من أصل الصورة
تسكنني اللامركزية
يا أينك يا بهيّة
خبّريني، هل ضاجعك الهاتف وسط الرياح المنافقة؟
عفوا
اخلعني عنّي يا فجر المسامير
وأغرق بعيدا في أصل الصورة
إنّها المهزلة الأخيرة
ساورتني شكوك الصوف
و كان هيلاسيلاسي جاثما عند باب المستودع
مهلا يا زهرة الناريت
أبرق لهم وقل لهم حذار زهرة الناريت، حذار شكوك الصوف
معذور أنا أفلا تعذريني
أفلا تعذريني بعد أن سقطت حتى الأزل
و لم تزل تسقط حتى الريش صورة الأصل من أصل الصورة

ثمّ يقف قرب الطاولة ليقول:
اخلع عنك هذه البلابل المشبوهة، فإنّ اللون السابع بعد الألف أرجواني

يحاول نجيب، العامل بالمطعم، الاستفسار عن معنى ما قيل، فيجيبه الشاعر: هذا الشعر ليس لك وليس فهمه متاحا لكلّ من هبّ ودبّ. يغضب نجيب ويمسكه من خناقه صائحا "ما تقصد بأصل الصورة؟". يفصل رامز بينهما. يحاول الأستاذ أسامة الخروج دون أن يدفع الحساب، لكنّ نجيبا يتفطّن لذلك فيضطرّ الشاعر للدفع على مضض. إثر ذلك، يجري نقاش بين رامز ونجيب يعبرّ فيه رامز عن إعجابه بشعر الأستاذ أسامة، ويقول عنه: "شعره كلّه مغاز وعبر حتّى وإن لم نفهمها. المهمّ أنّه هو يفهمها "!

كنّا، وربّما لازلنا، نردّد عبارة "الشعر ديوان العرب" المنسوبة إلى ابن عبّاس ناسين أو متناسين أنّ هذه العبارة تمّ تجاوزها منذ زمن طويل (يقول الجاحظ "كان ديوانها"). كان الشعر ديوان العرب عندما كان حاملا للغتهم وقيمهم ومآثرهم وأيّامهم. في الزمن الماضي، كان الناس يسمعون القصيدة من الفرزدق أو جرير فينتظرون نقيضتها من صاحبه، كما ينتظر القوم اليوم حلقة من مسلسل. فيما مضى، كانت القصيدة الواحدة ترفع فردا خاملا، كالمحلّق، إلى مرتبة السادة، وتُنزل علية القوم، كبني نمير، إلى أسفل سافلين. في الزمن الغابر، كانت القصيدة، كمعلّقة عمرو بن كلثوم، نشيد القوم، شعارهم ودثارهم ومبعث فخرهم. فيما سلف، كان شاعر كالنابغة يسلّ سخيمة ملك غاضب فيعفو عنه ويجزل العطاء. في الزمن البائد، كان الناس يغتنمون حتّى الحروب ليسألوا أعدائهم من ذوي البصيرة بالشعر وأهله أن يفاضلوا بين شاعرين...


أمّا الآن...

"الأستاذ أسامة" تصوير كاريكاتوري بلا شكّ، لكنّه لا يبتعد كثيرا عن صورة الشاعر السائدة في مجتمعنا الآن. الشاعر اليوم يكتب ما لا تُدرى نسبته إلى الشعر (كان الشعر شكلا كلاما موزونا مقفّى، أمّا اليوم لم يعد هناك اعتبار لا للوزن ولا للقافية). الشاعر اليوم يكتب ما لا يُدرك معناه إلا بضرب من الكهانة. الشاعر اليوم لا يُعرف إلا في دائرة ضيّقة من مرتادي الصالونات. وكالأستاذ أسامة الذي أراد الهروب من دفع الحساب، بعض شعرائنا يمارسون ضروبا مماثلة من الصعلكة...لا صعلكة نبيلة كعروة بن الورد، بل ما ذمّه أبو الصعاليك في قوله:


لَحَى اللهُ صُعْلُوكًا إِذَا جَنَّ لَيْلُهُ ...مَضَى فِي المُشَاشِ آلِفًا كُلَّ مَجْزَرِ
يعُدُّ الْغِنَى مِنْ دَهْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ...أَصَابَ قِراهَا مِنْ صَدِيقٍ مُيَسِّرِ
قَلِيلَ الْتِماسِ المالِ إلاَّ لِنفسِهِ...إذَا هو أَضْحَى كالعَرِيشِ المُجَوَّرِ
يَنَامُ عِشَاءً ثُمَّ يُصبِحُ قاعِدًا...يَحُتُّ الحَصَى عَنْ جَنْبِهِ المُتَعَفِّرِ
يُعِينُ نِسَاءَ الحَيِّ مَا يَسْتَعِنَّهُ...فَيُضْحِي طَلِيحًا كَالبَعِيرِ المُحَسَّرِ

لعلّها سيرورة طبيعيّة. قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه". لكن تطوّرت العلوم والفنون فيما بعد وأقبل عليها الناس فترك الشعر مكانه الرفيع كلسان للمجتمع وقيمه الأخلاقيّة والجماليّة ليتحوّل إلى أداة للتكسّب أساسا وزاد انحداره في عصور الانحطاط ليصبح مجرّد أداة للحذلقة اللغوية والبلاغيّة. تداركه الشعراء الإحيائون فأعادوه إلى حدّ ما ترجمانا لهموم الشعوب وطموحاتها وقرّبه الرومنطيقيون من دواخل الذات الإنسانيّة ثمّ لم يلبث أن دخل في مراحل تجديد متعاقبة ومتسارعة كاد معها يفقد معناه. مع الحداثة، أو ربّما مع وهم الحداثة، أضحى مقياس الشعريّة الإغراب في الصورة إلى حدّ الإبهام. لا يهمّ أن تكون الصور هلاميّة، لا تكاد تمسك منها إلا قبض الماء. وإيّاك أن يكون معنى قولك واضحا، فتلك مباشرتيّة لا تليق بعصرنا الآن. تحدّث عن "فجر المسامير" و"شكوك الصوف" و"اللون السابع بعد الألف" وسيجد النقّاد الأجلّاء سبيلا لتأويلها حتّى وإن لم تقصد بها شيئا (وبعضهم استخلص فعلا بعض المعاني من قصيدة الأستاذ أسامة التي قصد بها كاتبها تحديدا أن لا يكون فيها معنى !!)...ولعلّ شعر اليوم هو شعر على نمط عصره: شعر بلا معنى لعصر بلا معنى.

ولعلّ الشعر لم يعد له من مكان في مجتمع يعيش على نسق الاستهلاك. ربّما كان من المفترض أن يؤدّي تعميم التعليم إلى الارتفاع بالذائقة الجمالية العامة ولكنّه أدّى على العكس من ذلك إلى أن تصبح الثقافة إحدى السلع المعروضة كأكلات سريعة. لا صبر لأحد على تذوّق نصّ وتصيّد مواضع الجمال فيه. الكلّ يريد ما يلتهمه التهاما. ولو نزلت إلى الشارع فسألت عن الشعراء العرب المعاصرين، لن تظفر على الأرجح بغير اسمين: نزار (لكثرة ما غنّي من شعره) ودرويش (بفضل "ريتا"، ولأنّه الاسم الأكثر تردّدا على ألسنة المثقّفين هذه الأيّام). أمّا إن سألت عن الشعراء التونسيين، فسيكون جيّدا لو ظفرت بإسم، أيّ إسم. لا يصلح الشعر اليوم إلا لانتزاع بعض المقاطع، ربّما دون قراءتها حتّى وإن كانت تتحدّث عن هيلاسيلاسي أمام المستودع، لنشرها على فايسبوك قصد التباهي بالمستوى العالي من الثقافة. أمّا بعيدا عن الحياة الافتراضيّة، فعلى الأرجح أن لا يثير الترنّم ببعض الأبيات إلا السخريّة.


أو لعلّ لكلّ زمن شعره. شعر إمرئ القيس كان صالحا لزمن إمرئ القيس وشعر أبي فراس كان صالحا لزمن أبي فراس. ولكن كلّ مجتمع ينتج شعره. كان الملحون ولا يزال يُنشد ويُسمع ويُطلب في بعض المناطق من البلاد، ولعلّ "الراب"، مهما اختلفت التقييمات منه، هو شعر المناطق الحضرية والأحياء المهمّشة في هذا الزمن.


أو ربّما يكون الشعر يحتاج، مثل عديد الأشياء الأخرى، إلى مشروع....مشروع يُخرجه من الهامشيّة، من أن يكون مجرّد ضوضاء في الخلفيّة كشعر الأستاذ أسامة، ليكون دعوة متجدّدة إلى اكتشاف الجمال، أيّا كان مأتاه، في هذا العالم ويرأب الصدع الذي طال أمده بين طائفة الشعراء وباقي المجتمع...مشروع يجعلنا نتلمّس شيئا من الطريق أمام السؤال الخطير لمسرحيّتنا الكبرى: "بالنسبة لبكرا...شو؟"