الخميس، 14 أغسطس 2014

عندما تموت الضحكة اكتئابا

كان "جومانجي" أوّل فيلم أشاهده في قاعة سينما. كنت في الحادية عشرة من العمر. كنت على ما يكفي من الطفولة لأستمتع وأضحك ملء في. في نفس الفترة تقريبا، شاهدت على شاشة التلفاز "السيّدة دوبتفاير"، وتحوّل بسرعة إلى أحد كلاسيكيات الضحك لديّ. كلا الفيلمين ربطا إسم روبن ويليامز بالضحك من الأعماق. وتتابعت الأفلام التي شاهدتها بعد ذلك لتؤكّد ذلك الربط: "صباح الخير فيتنام"، "مجتمع الشعراء الأموات"، "الملك الصيّاد"، "فلابر"، "صاحب المائتي عام"، "غود ويل هانتينغ"، "رجل العام"... كنت أترقّب الضحك في كلّ فيلم يظهر فيه، مهما كان نوعه، حتّى أنّني لدى مشاهدتي فيلم "أرق"، وهو أبعد ما يكون عن الضحك، ظللت أترقّب انقلابا كوميديّا مفاجئا، فقط لأنّ روبن ويليامز ظهر فيه. لم يحصل ذلك الانقلاب الكوميدي، وفهمت وقتها أنّ إسمه يمكن أن يرتبط بغير الضحك...بالموت الذي يتيه معه كلّ معنى...بالعبثيّة.
ولعلّه لم يفعل بانتحاره سوى أن أكّد أنّه مهما قهقهنا، فلن تظلّ الحياة غير تراجيديا نخدّر أنفسنا خلالها بالضحكات بين الفينة والأخرى..الرجل الذّي أضحكنا حد الاستلقاء طوال السنوات الأخيرة كان سكّيرا مدمنا بلغ به الاكتئاب حدّ الانتحار...صانع الضحكات الذّي خفّف عنّا أعباء الحياة انتهى به الأمر أن لم يعد يجد لحياته معنى. 
خان مماته جميع ما أهداه إلينا في سنين حياته. كيف لنا أن نسترق الضحكات إذا كان المُضحك الأوّل قد خاتلنا، قد باعنا الضحكات الصافية من قلب مريض مهموم بالحياة؟ كيف لنا أن نصدّق أنفسنا إذا ضحكنا؟
ربّما علينا أن نتناسى النهاية ولا نذكر سوى الطريق...

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

الحياة هي التفاصيل

لا يسكن الشيطان التفاصيل، بل تسكنها الحياة. ستعجز إن حاولت إن تجد من كلّ شيء تقوم به أو تنوي القيام به معنى. لا معنى لشيء في ذاته. أنت من تخلق المعنى، ولن تفعل إن كنت تبحث عنه في كلّ التفاتة. لن تخلق المعنى إلاّ إذا استغرقت في الشيء بكلّك، فلم يعد يفوتك منه تفصيل. ليكن "الشيء" حبّا تعيشه أو مهنة تزاولها أو أكلة تطبخها أو شجرة تتعهّدها. لا يهمّ. لا تلتفت إلى الوراء وتتساءل: لم أفعل ذلك؟ هذا السؤال هو بداية الضياع. إن طرحته فعلى الأرجح سيتبخّر المعنى من كلّ شيء. لا تجعل التفاصيل حجّة على الشيء فتجمع منها أعذارا تتعثّر بها فتتوقّف. اعتنق الأشياء كما هي، بجمالها وعيوبها، بأفراحها وأحزانها، بثرثرتها وبصمتها، ولا تدع السبيل لأيّ مانع يحول دون التعمّق فيها واكتناهها حتّى الثمالة، وكلّما زاد تعبك وألمك، فأنت تسير في الطريق الصحيح. يقول ثيودور روزفلت "أفضل ما تمنحه لنا الحياة التعب فيما يستحقّ التعب" لكنّه لا ترهق نفسك كثيرا في البحث عمّا يستحقّ التعب، فلن تجده، بل سيجدك...

الاثنين، 11 أغسطس 2014

هل مضى زمان الشعراء؟

في مسرحيّة "بالنسبة لبكرا...شو؟" لزياد الرحباني التي عرضت سنة 1978، يؤدّي فايق حميصي دور شاعر يدعى الأستاذ أسامة. هو دور هامشي في أحداث المسرحيّة، بل أنّه يكاد يتقلّص ليكون جزءا من الخلفيّة الصوتيّة في عديد الأحيان، غير أنّه يفاجئنا أحيانا إذ يقوم منشدا لبعض روائعه، كقصيدته العصماء "متعاقب أنا":


متعاقب أنا في أصل الصورة
عاهدت اللوز والأشياء الأخر
بأنّني غدا على قرميدك المهزلة
سأمتطي...أمتطي...أين أمتطي؟
متعاقب أنا فيكِ يا أينك
يا أينك من أصل الصورة
تسكنني اللامركزية
يا أينك يا بهيّة
خبّريني، هل ضاجعك الهاتف وسط الرياح المنافقة؟
عفوا
اخلعني عنّي يا فجر المسامير
وأغرق بعيدا في أصل الصورة
إنّها المهزلة الأخيرة
ساورتني شكوك الصوف
و كان هيلاسيلاسي جاثما عند باب المستودع
مهلا يا زهرة الناريت
أبرق لهم وقل لهم حذار زهرة الناريت، حذار شكوك الصوف
معذور أنا أفلا تعذريني
أفلا تعذريني بعد أن سقطت حتى الأزل
و لم تزل تسقط حتى الريش صورة الأصل من أصل الصورة

ثمّ يقف قرب الطاولة ليقول:
اخلع عنك هذه البلابل المشبوهة، فإنّ اللون السابع بعد الألف أرجواني

يحاول نجيب، العامل بالمطعم، الاستفسار عن معنى ما قيل، فيجيبه الشاعر: هذا الشعر ليس لك وليس فهمه متاحا لكلّ من هبّ ودبّ. يغضب نجيب ويمسكه من خناقه صائحا "ما تقصد بأصل الصورة؟". يفصل رامز بينهما. يحاول الأستاذ أسامة الخروج دون أن يدفع الحساب، لكنّ نجيبا يتفطّن لذلك فيضطرّ الشاعر للدفع على مضض. إثر ذلك، يجري نقاش بين رامز ونجيب يعبرّ فيه رامز عن إعجابه بشعر الأستاذ أسامة، ويقول عنه: "شعره كلّه مغاز وعبر حتّى وإن لم نفهمها. المهمّ أنّه هو يفهمها "!

كنّا، وربّما لازلنا، نردّد عبارة "الشعر ديوان العرب" المنسوبة إلى ابن عبّاس ناسين أو متناسين أنّ هذه العبارة تمّ تجاوزها منذ زمن طويل (يقول الجاحظ "كان ديوانها"). كان الشعر ديوان العرب عندما كان حاملا للغتهم وقيمهم ومآثرهم وأيّامهم. في الزمن الماضي، كان الناس يسمعون القصيدة من الفرزدق أو جرير فينتظرون نقيضتها من صاحبه، كما ينتظر القوم اليوم حلقة من مسلسل. فيما مضى، كانت القصيدة الواحدة ترفع فردا خاملا، كالمحلّق، إلى مرتبة السادة، وتُنزل علية القوم، كبني نمير، إلى أسفل سافلين. في الزمن الغابر، كانت القصيدة، كمعلّقة عمرو بن كلثوم، نشيد القوم، شعارهم ودثارهم ومبعث فخرهم. فيما سلف، كان شاعر كالنابغة يسلّ سخيمة ملك غاضب فيعفو عنه ويجزل العطاء. في الزمن البائد، كان الناس يغتنمون حتّى الحروب ليسألوا أعدائهم من ذوي البصيرة بالشعر وأهله أن يفاضلوا بين شاعرين...


أمّا الآن...

"الأستاذ أسامة" تصوير كاريكاتوري بلا شكّ، لكنّه لا يبتعد كثيرا عن صورة الشاعر السائدة في مجتمعنا الآن. الشاعر اليوم يكتب ما لا تُدرى نسبته إلى الشعر (كان الشعر شكلا كلاما موزونا مقفّى، أمّا اليوم لم يعد هناك اعتبار لا للوزن ولا للقافية). الشاعر اليوم يكتب ما لا يُدرك معناه إلا بضرب من الكهانة. الشاعر اليوم لا يُعرف إلا في دائرة ضيّقة من مرتادي الصالونات. وكالأستاذ أسامة الذي أراد الهروب من دفع الحساب، بعض شعرائنا يمارسون ضروبا مماثلة من الصعلكة...لا صعلكة نبيلة كعروة بن الورد، بل ما ذمّه أبو الصعاليك في قوله:


لَحَى اللهُ صُعْلُوكًا إِذَا جَنَّ لَيْلُهُ ...مَضَى فِي المُشَاشِ آلِفًا كُلَّ مَجْزَرِ
يعُدُّ الْغِنَى مِنْ دَهْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ...أَصَابَ قِراهَا مِنْ صَدِيقٍ مُيَسِّرِ
قَلِيلَ الْتِماسِ المالِ إلاَّ لِنفسِهِ...إذَا هو أَضْحَى كالعَرِيشِ المُجَوَّرِ
يَنَامُ عِشَاءً ثُمَّ يُصبِحُ قاعِدًا...يَحُتُّ الحَصَى عَنْ جَنْبِهِ المُتَعَفِّرِ
يُعِينُ نِسَاءَ الحَيِّ مَا يَسْتَعِنَّهُ...فَيُضْحِي طَلِيحًا كَالبَعِيرِ المُحَسَّرِ

لعلّها سيرورة طبيعيّة. قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه". لكن تطوّرت العلوم والفنون فيما بعد وأقبل عليها الناس فترك الشعر مكانه الرفيع كلسان للمجتمع وقيمه الأخلاقيّة والجماليّة ليتحوّل إلى أداة للتكسّب أساسا وزاد انحداره في عصور الانحطاط ليصبح مجرّد أداة للحذلقة اللغوية والبلاغيّة. تداركه الشعراء الإحيائون فأعادوه إلى حدّ ما ترجمانا لهموم الشعوب وطموحاتها وقرّبه الرومنطيقيون من دواخل الذات الإنسانيّة ثمّ لم يلبث أن دخل في مراحل تجديد متعاقبة ومتسارعة كاد معها يفقد معناه. مع الحداثة، أو ربّما مع وهم الحداثة، أضحى مقياس الشعريّة الإغراب في الصورة إلى حدّ الإبهام. لا يهمّ أن تكون الصور هلاميّة، لا تكاد تمسك منها إلا قبض الماء. وإيّاك أن يكون معنى قولك واضحا، فتلك مباشرتيّة لا تليق بعصرنا الآن. تحدّث عن "فجر المسامير" و"شكوك الصوف" و"اللون السابع بعد الألف" وسيجد النقّاد الأجلّاء سبيلا لتأويلها حتّى وإن لم تقصد بها شيئا (وبعضهم استخلص فعلا بعض المعاني من قصيدة الأستاذ أسامة التي قصد بها كاتبها تحديدا أن لا يكون فيها معنى !!)...ولعلّ شعر اليوم هو شعر على نمط عصره: شعر بلا معنى لعصر بلا معنى.

ولعلّ الشعر لم يعد له من مكان في مجتمع يعيش على نسق الاستهلاك. ربّما كان من المفترض أن يؤدّي تعميم التعليم إلى الارتفاع بالذائقة الجمالية العامة ولكنّه أدّى على العكس من ذلك إلى أن تصبح الثقافة إحدى السلع المعروضة كأكلات سريعة. لا صبر لأحد على تذوّق نصّ وتصيّد مواضع الجمال فيه. الكلّ يريد ما يلتهمه التهاما. ولو نزلت إلى الشارع فسألت عن الشعراء العرب المعاصرين، لن تظفر على الأرجح بغير اسمين: نزار (لكثرة ما غنّي من شعره) ودرويش (بفضل "ريتا"، ولأنّه الاسم الأكثر تردّدا على ألسنة المثقّفين هذه الأيّام). أمّا إن سألت عن الشعراء التونسيين، فسيكون جيّدا لو ظفرت بإسم، أيّ إسم. لا يصلح الشعر اليوم إلا لانتزاع بعض المقاطع، ربّما دون قراءتها حتّى وإن كانت تتحدّث عن هيلاسيلاسي أمام المستودع، لنشرها على فايسبوك قصد التباهي بالمستوى العالي من الثقافة. أمّا بعيدا عن الحياة الافتراضيّة، فعلى الأرجح أن لا يثير الترنّم ببعض الأبيات إلا السخريّة.


أو لعلّ لكلّ زمن شعره. شعر إمرئ القيس كان صالحا لزمن إمرئ القيس وشعر أبي فراس كان صالحا لزمن أبي فراس. ولكن كلّ مجتمع ينتج شعره. كان الملحون ولا يزال يُنشد ويُسمع ويُطلب في بعض المناطق من البلاد، ولعلّ "الراب"، مهما اختلفت التقييمات منه، هو شعر المناطق الحضرية والأحياء المهمّشة في هذا الزمن.


أو ربّما يكون الشعر يحتاج، مثل عديد الأشياء الأخرى، إلى مشروع....مشروع يُخرجه من الهامشيّة، من أن يكون مجرّد ضوضاء في الخلفيّة كشعر الأستاذ أسامة، ليكون دعوة متجدّدة إلى اكتشاف الجمال، أيّا كان مأتاه، في هذا العالم ويرأب الصدع الذي طال أمده بين طائفة الشعراء وباقي المجتمع...مشروع يجعلنا نتلمّس شيئا من الطريق أمام السؤال الخطير لمسرحيّتنا الكبرى: "بالنسبة لبكرا...شو؟"


الأحد، 2 فبراير 2014

رواية أخرى لقصّة الصرّار والنملة

حدّث يوحنّا الينبوعي قال:
في ظهيرة يوم من أيّام الصيف الحارة، والطرق قد خلت من جميع المارة، كانت النملة تدحرج أمامها حبّة قمح، وتكدح لذلك أشدّ الكدح، تمنّي النفس بطعام وافر، متى جاء الشتاء بغيثه الغامر، وعندما أوصلت حملها إلى دارها، تنبّهت إلى غياب جارها، ذلك المغنّي الصرّار، فعلى غير العادة لم تسمعه طيلة النهار، فأطلّت برأسها لعلّها تراه قريبا، فألفته حذو شجرة جاثما كئيبا، يدندن في همس لحنا شجيّا، متقطّعا لا يريد أن يكون سويّا، فاقتربت منه سائلة، أين كنت إلى حين القائلة؟ فرفع رأسه وقال: دعيني أيّتها النملة، لعلّي أنهي اليوم هذه الجملة، فقالت له: لا زلت في هذيانك، لا تنظر في شأن شرابك وطعامك، أما كان خيرا لك لو جمعت بعض المؤونة، فلا تسألني أيّام البرد المعونة؟ قال لها الصرّار: أ رأيتني إن فعلت ما تفعلين، فما منتهى ذلك للعاملين؟ قالت: حسبي ما يكفيني للعيش، وبعد ذهني على خلافك من نوازع الطيش، فقال: ليس مثلي من يقول حسبي، يأبى ذلك قلبي، فقالت: فإني تاركتك هذه السنة للجوع، عسى أن يكون منك لقولي خضوع، فقال: افعلي ما تشائين، فلست لك من المتّبعين، ثمّ قام وقال: لك منّي سلام، فما أظنّني ألقاك في قادم الأيّام، ومضى مسرعا حتّى غاب بعيدا، فتنهدت النملة وقالت: طالما كان مجنونا عنيدا.
وتعاقبت الفصول، وشأن الصرّار مجهول، حتّى كادت النملة تنسى ذكره، ويغيب عنها كلّ أمره، حتّى كان شتاء، بليت الكائنات فيه أشدّ البلاء، فلم تنزل فيه قطرة من مطر، واشتدّ على الجميع من العطش الخطر، وجفّت فيه فروع الأشجار، ومالت الوجوه فيه إلى الاصفرار، وتعالى الدعاء بكشف الغمّة، واستمطار الرحمة.
وفي ليلة شديدة القر، والكلّ يداري نفاد الصبر، تناهى إلى الأسماع صوت عزف حزين خافت، كأنّه ما بقي بالقلوب من نور باهت، يخرج من أعماق قرار، فأطلّت النملة تستطلع الأخبار، فإذا بالعازف جارها الصرّار، فصاحت به: عدت أخيرا أيّها الأفّاق، فلم يردّ إذ كان مستغرقا في عزفه أشدّ استغراق، كأنّه في غير دنيا المكان، أو يسبح بين أطراف الزمان، وفجأة ارتفع صوت العزف، وفي نفس اللحظة قصف الرعد أشدّ قصف، وتسارعت النغمات، كأنّها تناجي السماوات، ومع تسارعها بدأ المطر ينزل رذاذا، وكان وقعه في القلوب أخّاذا، وبدأت موسيقى الصرّار شيئا فشيئا تكتسي بالألوان، والغيوم تلبّيها وبها تزدان، حتّى صار المطر كأفواه القرب، وعجبت الكائنات من أمر الصرّار أشدّ العجب، وصرخت النملة: حسبك قد أحسنت، فاحتم ببيتي وإلا غرقت، فلم يلتفت إلى كلامها ولا زال عازفا لا ينقطع، ينوّع على مقطوعته والسماء لا تمتنع، وحجبه عن الأنظار الانهمار، وما عاد وجوده معلنا بغير الأوتار، وبعد ساعة أو بعضها صمت الصوت أو خمد، وانقطع من السماء المدد.
وخرجت الكائنات تبحث عن الصرّار، فلم يعثروا له على أيّ آثار، وقال قائلهم: أحسب أنّه قد جرفته السيول، بعد ما كان من شديد الهطول، فابكوا ذاك البطل المجهول، فدمعت العيون، وندبه النادبون، ورثاه الراثون، والنملة بينهم باهتة ناظرة، ثمّ انقلبت إلى بيتها حائرة، وقضمت من حبّة القمح قضمة، وبنفسها شيء من بقايا نغمة...

الخميس، 16 مايو 2013

دستور بلا هيبة

بالإضافة إلى علويّته القانونية الماديّة والإجرائية، للدستور علويّة (أو يجب أن تكون له)، يمكن أن نسمّيها “علويّة نفسيّة” أو “هيبة الدستور” تتأتّى أساسا من الأهميّة التاريخية للحظة وضعه (وهي لحظة يفترض أن تكون فارقة  قاطعة مع ما قبلها ومؤسسة لما يليها) ومن مهابة واضعيه في نفوس المواطنين على امتداد العصور.
في الولايات المتحدة مثلا، ودستورها المكتوب هو الأطول عمرا بين دساتير العالم، يحظى واضعو دستور 1787 بهالة تصل إلى حدّ التقديس عند مواطني هذا البلد. فهم يسمّون “الآباء المؤسسين” وتشيّد لهم التماثيل ويدرس فكرهم السياسي والفلسفي العميق في المدارس والمعاهد والجامعات. وقد وضع هذا الدستور سنوات بعد استقلال الولايات المتّحدة عن بريطانيا في لحظة أصبح فيها الوعي راسخا بضرورة أن تكون هناك سلطة اتّحادية تسند لها الولايات الثلاث عشرة آنذاك صلاحيات فعليّة.
وأغلب دساتير العالم وضعت في مثل هذه اللحظة الفارقة التالية لأزمة عميقة (حركة تحرّر وطني، ثورة، انقلاب،…) تكون كتابة دستور يؤسّس لمشروع سياسي (ومجتمعي) جديد أحد مفاتيح حلّها.
في معظم الأحوال، يكون “الرّجال” هم من خلقوا “اللحظة”، وتكون لهم بالتالي المشروعيّة الأخلاقية للبناء عليها. في تونس، توفّرت لنا “اللحظة”، ولم يتوفّر “الرّجال”. فـ”الرّجال” (والنساء) وجدوا اللحظة ماثلة أمامهم، فرصة ذهبية لم يكونوا يحلمون بها وسمّيت بالثورة التلقائية أو العفوية أو الثورة من دون زعيم ولعلّهم كانوا أوّل من ذهلوا لحدوثها قبل أن يستوعبوها ويوظّفوها. فوجدنا أنفسنا بعد أشهر من اللحظة ننصّبهم “آباء” لنا وننتخبهم في مجلس ينظّر رجال القانون لكونه سلطة تأسيسية أصليّة أولى وعليا وسيّدة، أي شبه إله قانوني.
غير أنّنا سرعان ما اغتلنا “آباءنا” (بالمعنى الفرويدي) أيّاما معدودة بعد تنصيبهم، ولعلّ الأصحّ أنّ مشاراتهم ومماراتهم وقلّة كفاءتهم وصفقاتهم وأطماعهم المعلنة والحماقات الّتي يتفوّهون بها هي الّتي اغتالتهم وجعلت الحديث عنهم لا يكاد يكون في بعض المنابر إلا من باب التندّر والسخريّة. وبعد أن تتمّ المصادقة على الدستور، لا نلبث أن نجد أنفسنا مطالبين بتطبيق أحكامه الّتي قد لا تعجب البعض فيقول “ومن وضع هذه الأحكام حتّى تكون ملزمة لي؟” ولا يلبث أن يتذكّر كلّ المهازل الّتي أحاطت بعمل المجلس الوطني التأسيسي، فلا يثير ذكره غير القهقهة.
للولايات المتّحدة من الآباء المؤسسين جورج واشنطن وجون آدامز وتوماس جيفرسون وبنيامين فرانكلين وغيرهم من العمالقة. من لنا نحن، لا ممّن يستحقّون تشييد التماثيل فالأكيد أنّنا لم نصل إلى هذه الدرجة،  بل حتّى ممّن يستحّق قدرا من التوقير والاحترام؟
قد ضاعت مع دستور 1959 فرصة تاريخيّة، فهو دستور جاء في لحظة فارقة (استقلال البلاد) وكان واضعوه يحظون باحترام كبير لدى عموم الشعب. لكنّ هيبة دستور 1959 تمزّقت أشلاء قبل أن يعلّق العمل به بوقت طويل…منذ أن احتكره المرحوم الحبيب بورقيبة لنفسه منّصبا ذاته ‘أبا الآباء” ومبيحا أن يقع انتهاكه بسلسلة من التعديلات الّتي سلبته جوهره، وعلى رأسها الرئاسة مدى الحياة.
سيكون لنا دستور، عاجلا أو آجلا، ولكن أن ننتظر منه الدوام، فذلك أقرب إلى الأوهام، فواضعوه جعلونا كالأيتام في مأدبة اللئام. وسيكون من المحال، أو من الأحلام بعيدة المنال، أن ننتظر أن تكون لهذا الدستور هيبة، فالأرجح أن يكون دستور الخيبة.

الرابط على تونس الفتاة

الشيخ حسين العبيدي وانفلات الخطاب الديني

لم أعرف الشيخ حسين العبيدي، إمام جامع الزيتونة، إلا نتفا ممّا تناقلته عنه وسائل الإعلام وصفحات شبكات الاتصال الاجتماعي. وكان الانطباع الّذي تكوّن لي حوله، والحقّ يقال، سلبيّا. غير أنّي منحت الشيخ فائدة الشك إلى أن استمعت إليه في خطبة الجمعة ليوم 26 أفريل فـ” وَضَحَ الحقُّ المبينُ… وَنَفَى الشّكَّ اليَقيِنُ”
افتتح الشيخ خطبته بذكر الموت وعن وجوب إعداد المرء نفسه للقاء ربّه. ظننت الخطبة ستكون عظة تقليدية عن العمل الصالح الّذي ينفع الإنسان إثر مماته، غير أنّها عرفت تموّجات عجيبة أعجزت عقلي المحدود عن تبيّن الروابط بينها.
وجدت العبيدي ينتقل فجأة إلى الحديث عمّن استلموا الحكم ممّن كانوا في السجون، وعن تقصيرهم في ردّ الحقوق إلى أصحابها بدعوى أنّها تحتاج إلى مراسيم، صارخا بصوته الأجش “وهل يحتاج الحقّ إلى مراسيم؟” (يبدو أنّ الجواب، حسب منطق شيخنا، أنّ من يدّعي له حقّا يجب أن يذهب ويأخذه عنوة) ثمّ ألفيت الشيخ يتحدّث عن اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (السيداو) لاعنا رئيس الوزراء “اللي ما يتسماش” الّذي وقّعها صحبة الرئيس المؤقت آنذاك دون تحفظات[1] ، ذاكرا أنّ بورقيبة وقّعها مع التحفّظ وأنّ بن علي وقعها مع التحفّظ (كأنّ كلّ تغيير في أعلى هرم السلطة يستوجب إعادة التوقيع !) وتعرّض إلى مضمون الاتفاقية فذكر، وأعاد ذلك ثلاث مرّات في مواقع مختلفة من الخطبة، أنّها تبيح زواج الرجل بالرجل (ولا أدري كيف يذكر ذلك في اتفاقية خاصة بالمرأة !) والمرأة بالمرأة وأنّها تدعو إلى اللواط والسحاق، وذلك وسط صيحات التكبير وهمهمات الاستغفار. وكان من الممكن أن أعتقد أنّ الشيخ “غلطوه”، فقال بما سمعه من دعايات مغرضة حول هذه الاتفاقية، لكنّه أكّد أنّه اطّلع عليها وأنّ بين يديه نسخة منها !!![2] وواصل الشيخ ابتداع الخرافات فأكّد أنّه لم توقّع على هذه الاتفاقيّة لا الولايات المتحدة  ولا بريطانيا ولا فرنسا[3]، وأنّ تونس وقّعت عليها لما وجدوه في أهلها من إقبال على المنكرات ووقوع في الزنا إلخ إلخ…
ثمّ عاد الشيخ إلى ذكر الإسلاميين وتقصيرهم في واجباتهم وعدم عملهم بالشريعة قائلا: “يا ليتهم ما وصلوا إلى الحكم”. وتحدّى وزارة الشؤون الدينية مصرّحا أنّه لن تكون لها أبدا سلطة على جامع الزيتونة. وزعم أنّ الوزارة أقرّت قانونا لإغلاق الكتاتيب والمدارس الدينية (طبعا سها أن يضيف عبارة: “غير المرخّص لها !”) وشنّ هجمة على الوزارة قائلا أنّها لا تعتني بشؤون الدين الإسلامي فحسب، بل بشؤون المسيحية واليهودية والبوذية… وتساءل : لم لا تتوجّه الوزارة بالمثل إلى الكنائس والبِيَع؟ (ولا أدري إن كانت للكنائس والبِيَع كتاتيب غير مرخص لها !) زاعما أنّ غاية الوزارة هي افتكاك أوقاف جامع الزيتونة لإعطاءها لليهود والنصارى !!!
ثمّ مرّ الشيخ إلى الحديث عن رجال الأمن ذاكرا قصّة، أرادها مؤثّرة فيما يبدو، عن شرطيّ رآه واقفا يحرس مبنى فتوجّه إليه الشيخ وبشّره بالجنّة، وتهدّج صوت الشيخ في هذه اللحظة وأجهش بالبكاء (حقيقة لا مجازا، وأظنّ ذلك هفوة في الإخراج المسرحي لأنّ اللحظة لم تكن تقتضي ذلك).
ومرّ العبيدي للحديث عن قضيّة الخلدونية، وهنا انقلبت الخطبة إلى مرافعة قانونية بحتة، فزعم الشيخ أنّ البلدية ليست لها الصفة للقيام بالدعوى، مستشهدا بدقّة بفصول من مجلة المرافعات المدنية والتجارية ومجلة الالتزامات والعقود، وهاجم القاضي الّذي حكم ضدّه قائلا أنّه سيحاسب على ذلك حسابا عسيرا يوم القيامة (طبعا لأنّه تجرّأ وحكم ضدّ شيخ الجامع الأعظم)
وأكّد الشيخ أنّ ما قاله إعلام العار عن عدم استئناف التعليم الزيتوني مغالطات، وأنّ الدروس تقام بانتظام بجامع الزيتونة، وإن كان المدرّسون في حاجة إلى رواتب، وهنا دعا أهل البرّ والإحسان إلى التبرّع للجامع لهذه الغاية. وعاد للحديث عن وزارة الشؤون الدينية زاعما أنّها تحث المسؤولين في الجهات على إغلاق فروع المدارس الزيتونية مغرية إياهم برحلات الحجّ والعمرة (الحجّ والعمرة أصبحا رشوة !). وتحدّث عن تغلغل فرنسا في تونس وعن أنّها لم تخرج من تونس إلا بعد التأكّد من أنّها ستبقى مسيطرة على الأوضاع فيها (ولا أدري علاقة ذلك بالشؤون الدينيّة !) وذكر أنّ هناك حربا على الإسلام في تونس الآن لم يقم بها لا بن علي ولا بورقيبة، واستدرك قائلا “بورقيبة حارب الإسلام مش ما حاربش، أم ما وصلش لهذا” معتبرا إغلاق المدارس القرآنية حربا على القرآن، ومن يفعل هذا فهو كافر بصريح النصّ !
وتحدّث الشيخ في خطبته الثانية عن أنّ الصراع أصبح مشخصنا، يتناول شخصه بينما المقصود هو إحكام السيطرة على جامع الزيتونة مؤكّدا أنّ هناك نيّة لإبعاده عن إمامة الجامع. وحذّر في هذا الصدد من الملايين الّتي ستزحف للحفاظ على استقلاليّة الزيتونة.
هذا ملخّص ما ورد بخطبة الجمعة بالجامع الأعظم. والحقّ أنّي رتّبت محتواها حسب تذكّري لها، فإن وجد بهذا الترتيب شيء من المنطق فعلى الأرجح أن يكون ذلك ذنبي، حاشا الشيخ أن يكون أراد منطقا، فهو لا يسأل عن ذلك، ولا يفترض أن يكون لخطبته موضوع، ولا أن تكون وعظا للمأمومين فيما يخص دينهم ودنياهم.
إذا أضفنا إلى انعدام الترابط بين أجزاء الخطبة والمغالطات العديدة الواردة فيها والمحاولات الساذجة لتجييش المشاعر الدينيّة المستوى العامي للخطاب والعبارات الّتي لا يجدر أن تقال من فوق منبر (فالشيخ لا يتورّع عن استعمال عبارات مثل “شلاكة” و”سخط” أو أن يقول عن الباجي قايد السبسي، الذي يرفض أن ينطق باسمه “خارج من متحف ويحب يولّي رئيس جمهوريّة”، علما أنّه لا يصغره إلا قليلا) ندرك أنّنا أمام جهل مرّكب يرتدي جبّة القداسة…خطاب تحريضي يفيض عنفا يكيّفه  صاحبه حسب أهواءه كيفما شاء ويماهي فيه بين الإسلام وبين جامع الزيتونة ويجعل نفسه رمزا لا ينبغي المسّ به لهذه المؤسسة العريقة. وإن كان الشيخ يزعم الغيرة على جامع الزيتونة وهيبته ومكانته، فإنّ صعوده على المنبر، لا عن جدارة أو وافر علم بل اغتصابا وانتزاعا بالقوّة، سيبقى نقطة سوداء في تاريخ هذه المؤسسّة، والأدهى والأمرّ عجز الدولة عن تدارك أمرها  ورضوخها إلى الآن بالأمر الواقع الّذي فرضه هذا الشيخ عليها. وإذا كان المشكل في الخطاب الديني قبل الثورة إمعانه في الرسميّة، فإنّ انفلاته الآن من كلّ عقال لا يمكن أن يكون حلاّ، وكلّ غلوّ مذموم.

الهوامش
[1] بغضّ النظر عن الفروق بين التوقيع والمصادقة ورفع التحفظات (والتي لا حرج على الشيخ أن لا يلمّ بها)، فإنّ الحكومة الانتقالية  بمقتضى مرسوم 24 أكتوبر 2011لم تقم بسحب الإعلان العام الّذي ينصّ على أنّ الدولة التونسية لن تقوم باتخاذ أيّ إجراء يخالف الفصل الأوّل من الدستور (الّذي ينصّ خصوصا على أنّ الإسلام دين الدولة)، فضلا عن انّه لم يتمّ إعلام الأمين العام للأمم المتّحدة برفع التحفّظات الخاصة ببعض الفصول.
[2] يمكن الاطلاع على النص الكامل للاتفاقية على الرابط التالي: http://www.un.org/womenwatch/daw/cedaw/text/0360793A.pdf
[3] القائمة الكاملة للدول التي صادقت على الاتفاقية موجودة على الرابط التالي: http://treaties.un.org/Pages/ViewDetails.aspx?src=TREATY&mtdsg_no=IV-8&chapter=4&lang=en


المقال على تونس الفتاة


http://tounesaf.org/?p=1871

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

ثورتنا وضياع المعنى

لا شيء عاد له معناه. اللغة العربية/اللهجة الدارجة/الفرنسية المعدّلة تونسيا كلّها بحاجة إلى أن تعيد اكتشاف نفسها حتّى تجد معنى في عالم اللامعنى. إذا تصفّحت جريدة أو موقعا أو صفحة من صفحات الفايسبوك أو شاهدت قناة تنتسب إلى تونس (إسما أو مكانا)، عليك أن تستعين بمعجم (لم يكتب بعد) للـ”ثورة التونسية” المجيدة المباركة.
إذا شاهدت عنوان فيديو “فلان يلقّن فلتانا درسا لن ينساه”، فاعلم أنّ الدرس المقصود هو على الأرجح درس في قلّة الأدب. وإذا رأيت آخر عنوانه “فلتان يمسح بفلان الأرض”، فاعرف أنّه كذلك قد مسح الأرض بكلّ آداب الحوار. إذا تحدّث أحدهم عن “اليسار الكافر العلماني الماسوني المتصهين أيتام فرنسا”، فيمكن أن يعني بذلك مناضلا شرسا من الّذين صمدوا لإعلاء شأن حقوق الإنسان ايّام كانت الكلمة محرّمة. إن هاجم شخص أحد “أزلام النظام البائد ورموز الثورة المضادة” فقد يكون مرماه موظّفا كفؤا وجد في يوم من سنة خلت بطاقة انخراط حمراء فوق مكتبه. إن شتم أحدهم “سلفيا وهابيا ظلاميا من غلمان قطر”، قد يكون يقصد شابا متحمّسا لنصرة دينه. إذا صاح آخر بأعلى الأصوات مطالبا بالتنمية لجهته، فاعلم أنّ في تصرّفاته خرابها. إذا تهجّم فرد على “الكسالى المخرّبين أعداء الشعب”،  فمن المحتمل أنّه يقصد مضطَهدين أعياهم طول التجاهل. إذا تحدّث غيره عن “إعلام العار” فالأمر يتعلّق بحقيقة أحسن أحد الصحفيين نقلها. أمّا إذا رأيت على فيديو أو صورة عبارة “عاجل” أو “خطير” أو “مؤامرة” فاعلم أنّ الدقائق الّتي ستقضيها في المشاهدة هي دقائق ضائعة من عمرك..
كلّ هذا غيض من فيض. كلّ عبارة تقريبا يقع تداولها إعلاميّا لا تعني نفس الشيء لدى قائلها وقارئها والمستمع إليها، بداية طبعا بعبارة “ثورة”، فضلا عن حمايتها وتحصينها وشهدائها وجرحاها وأعدائها وعدالتها الانتقالية. لكي تنطق بعبارة ما، يجب عليك إذا أردت ألا يخطئ المتلقّي معناك أن تضيف “دليلا” إلى كلامك. مثلا، ليست “المؤامرة” (نسخة الترويكا) هي “المؤامرة” (نسخة المعارضة “الديمقراطية”) ولا هي “المؤامرة” (نسخة المعارضة “التقدّمية”). الكلّ متّفق على وجود المؤامرة، ولكنّ كلّ طرف يجزم أنّها ضدّه.
تقرير المعاني لا يتمّ وفق “المنطق” كما وضعه المرحوم أرسطو، بل وفق “منطق” الاصطفاف التلقائي وراء رأي الجماعة الّتي ينتمي إليها المتكلّم. الصواب ما رأته هذه الجماعة والخطأ في كلّ ما جانبه، ولا داعي أن تكلّف نفسك عناء التفكير، فقط اختر انتماءك وستجد اختياراتك تتقرّر دون أن تحتاج إلى تقريرها. الأمر تماما كما قال الشاعر الجاهلي:
وَهَـل أَنـا إِلّا مِـن غَزِيَّةَ إِن غَوَت …غَـوَيتُ  وَإِن تَـرشُد غَـزيَّةُ أَرشَدِ
غير أنّ غزيّة هذه لم تعد فقط قبيلة، يمكن أن تكون حزبا أو حركة أو “منظّمة وطنيّة” أو جمعيّة أو جهة…هي انتماء يمنح حقّ الصراخ في محيطك المتكهرب المتشنّج…هي منطق من فرّقوا وطنهم وكانوا شِيَعا…منطق من يلقون جانبا بجميع ما يوحّدهم ويمسكون بخناق التفصيل الواحد الّذي يفرّقهم…هي فوضى من المعاني الّتي يلهث فيها الفرد بحثا عن الجماعة الّتي تقاسمه نفس الفهم (تقريبا) للكلمات، حتّى إن ضحّى في سبيل ذلك بشيء غير قليل من حريّة فكره…قد يكون هذا الاصطفاف شبه الطائفي وراء معنى معيّن طبيعيّا في مجتمع يعاني منذ عقود من مشاكل جمّة في تحديد هويّته…قد تكون فوضى المعاني هذه عاديّة في ظلّ هذا المخاض “الثوري” الّذي تعيشه البلاد. ..المهمّ أن يكون المولود معنى واحدا يفهمه المواطنون، جميع المواطنين، بنفس الطريقة.

الرابط على تونس الفتاة: