الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

انطباعات فوريّة عن ضرس مقلوعة


نظر إلى صورة الأشعّة وظلّ جامدا. كنت أترقّب جوابه في لهفة، فلمّا أبطأ، سألته: أهناك أمل في إنقاذها؟ التفت إليّ، وبملامح وجه لاعب بوكر، قال: ولا حتّى 1%. اختفت تلك الابتسامة الحائرة من على وجهي ولكنّي عزّيت نفسي بأنّه لن يقلعها اليوم، فقد قال في الموعد الفارط أنّ الأمر يمكن أن ينتظر. تجلّدت وأبديت الشجاعة، ولكنّي فوجئت به يشهر سيفه (حقنة البنج) في وجهي فانخلع قلبي، ولا حرج في الاعتراف بذلك. حتّى ربيعة بن مكدّم وعتيبة بن الحارث وعنترة الفوارس كانوا ليفزعوا في مثل موقفي. ملاقاة الفوارس في ساحة الوغى أمر هيّن يسير إذا قورن بغريب يعبث بفيك ويستبيح عذابك دون أن تقدر حراكا، بل وتتجرّع غصّات الألم  صامتا أملا في عافية جديدة. صحت فيه: ماذا تفعل؟ أو لم تقل أنّ الأمر مؤجّل؟؟؟ تغيّرت ملامحه فجأة لتأخذ شكل قرصان عتيد في ابتسامته الماكرة عندما قال: تغيّر الأمر. الوضع دقيق ودقيق جدّا. "الوضع دقيق"؟ سمعت العبارة من قبل. لكن كان وقتها مستقبل بلاد بأسرها على المحكّ، لا ضرس عبد فقير إلى ربّه. ما الذي يجعل من سنّ واهنة وضعا دقيقا مستعجلا خطيرا تستباح فيه الحرمات؟؟ سلّمت أمري إلى الله والرجل يصول ويجول بين فكيّ. كنت أسرح أحيانا، فأفكّر في شكلي الجديد الذي سيكون بعد قليل خاليا من التناظر، وأفيق على صوته آمرا: افتح فمك، لم أطبقته؟ فأفتحه إلى أقصى اتّساع وأنا أتخيّله، في نفسي، يتمثّل بقول الشاعر:
لمّا رآني قد نزلت أريده...أبدى نواجذه لغير تبسّم
للإنصاف لم يكن الأمر مؤلما البتّة. ولكنّ لم يكن هناك مفرّ من الهلع. لعلّه آلية طبيعيّة لحفظ النفس. نظرت إلى الضرس المتآكل في شيء من الأسى وبعض عجب: كان هذا الشيء منذ قليل جزءا من جسدي، ولم يعد. هكذا تقوم الساعة بغتة! الآن هرمت وعليّ من هنا فصاعدا أن أبحث عن استبدال أعضائي إن أردت أن أنعم بما بقي لي. كأنّه قرأ أفكاري. فابتسم في بعض الودّ (اكتشفت أنّ بإمكانه إبداء التعاطف إذا شاء!) وقال: عد إليّ بعد شهر أو أكثر لنبحث كيف نملأ ذاك الفراغ. دفعت تلك الثروة الصغيرة، وخرجت تاركا جزءا منّي، بعد أن ضرّسني الزمان هناك...

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

المقامة الانتخابية

حدّث حمدان الحفيان قال:
كنت في مجلس من مجالس العادة، في مقهى الحومة مع رفيقي حمادة، وثلّة من الشباب البطّال، كلّنا للوقت قتّال، فخضنا كباقي الشعب في حديث الانتخابات، وتعالى الجدال عمّن سينال منّا التصويتات، فإذا بشيخ جليل ينهض من كرسيّه ويأتينا، ويقف بجانبنا مستمعا رصينا، ثمّ قال: لكم منّي سلام، وعفوا إن قطعت عليكم الكلام، إنّكم تخوضون في حديث هو إليّ محبّب، فإنّي في السياسة عذيقها المحكّك وجذيلها المرجّب، فسلوني أجبكم، وعمّا خفي من أمورها أخبركم، فقلنا له: فأخبرنا بأمر هذا الأحزاب، وعن أيّها الأجدر بالانتخاب، فقال: أمّا النهضة فأخلاط ممّن يتشدّقون بالدين، وأكثرهم عن أخلاقه لمتنكبّون، لا تكاد تمسك لهم موقفا، فعن كلّ ما يقولون يجدون مصرفا، في عهدهم ذقنا الويلات، من انعدام الكفاءات، وأمّا النداء، فكرب وبلاء، فيهم جمع عظيم من غلاة الانتهازيّة، ممّن يسبّح بحمد الذات الباجية، طوال اللسان بلا حلول، وأكثرهم عن مشاغلنا جهول، وأمّا الجبهة الشعبيّة، فأهل العويل والصياح والمزايدة بمسمّى العدالة الاجتماعيّة، قلوبهم شتّى وإن حسبتهم جميعا، لا تجد فيهم على كثرتهم حازما يكون لشعبه سميعا، وأمّا المؤتمر وأبناءه الفرقاء، من تيّار ووفاء، فهم من بلغوا غاية الشعبويّة، وأقصى المتاجرة بالثوريّة، لا تكاد تجد عندهم فكرا، ولن نلقى من تعنّتهم إلّا عسرا، وأمّا التحالف، فهو على الحياد حالف، لا تجده كيفما قلّبته لا يمينا و لا يسارا، لا يمتح ماء ولا يوقد نارا، وأمّا التكتّل فهو الغراب الذي قلّد مشية الحمامة، فآل به الأمر إلى الندامة، ما عاد يجد له في الناس واثقا، ومهما تكلّم أقسم الجميع أن ليس صادقا، وأمّا الجمهوري فأطلال حزب، ما عاد يجدر به سوى الندب، قد فارقه جمع عظيم من الأبناء، وليس يُدرى أين تحمله الأنواء، وأمّا العريضة أو المحبّة أو ما كان له من أسماء، فالضحك على الذقون صباحا مساء، وأمّا حزب آفاق، فتوحّش الرأسمالية بوجه برّاق، وأمّا حزب المبادرة، ومن ادّعى مثلهم الانتماء إلى الدساترة، فهم الجسد الجديد السقيم، لظلم قديم، ولو علمنا فيهم خيرا، ما آلى أحد ألّا يموت إلاّ حرّا.
فعجبنا من حسن ما فصّل، ووددنا سؤاله عمّا أهمل، فقلت: فماذا عن باقي الأحزاب وعن المستقلّين، ألا نكون إن اخترنا أحدهم من الموفّقين؟ فقال: يا بنيّ لا يخلو أحدهم أن يكون أحد اثنين، لا يخلو أمرهما من الشين، إمّا طامع في الكرسيّ يتاجر بالأصوات، وإمّا ساذج حسن النيّة ستلهو برأيه الدهاة، ليس منهم غير ذلك إلّا نفر قليل لا يكادون يُعلمون، في بحور هذه اللعبة مدفونون، قلت: فإنّ الجماعة ينصحون بالتصويت المفيد، الذي يورد البلد إلى الطريق الرشيد، فما تقول في ذلك يا صاحب الرأي السديد؟ فغضب وصاح فيّ: كأنّك لم تكن تسمع ما كنت أقول، أيّها الغرّ المخبول، والّذي نفسي بيده لا يفيدكم منهم أحد، وكلّ ما يعدونكم هو من البحر كالزبد، وولّى  مدبرا وهو يقول:
كلّهم يمشي رُويدْ...كلّهم خاتل صيدْ

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

إثم البحث عن روح رحبانية في ألبوم "يا حبيبي" لهبة طوجي

لم أكن ممّن قصدوا الحفل الذي أحيته هبة طوجي رفقة أسامة الرحباني بالمهرجان الدولي للحمّامات. كانت فكرة الذهاب قد خطرت ببالي فقط لأنّ بي ضعفا لا أنكره تجاه لقب "الرحباني". على أنّ الخشية من الوقوع على تجربة ليس لها من الرحبنة دون الإسم إضافة إلى بعد الشقّة (وشيء من الكسل كذلك) كانت عوامل حسمت الموقف فلم أذهب. لم أسمع فيما بعد الكثير عن الحفل، حتّى شاهدت منذ أيّام تغطية تلفزية شديدة الإطراء له، وذهب المذيع إلى حدّ اعتبار هبة طوجي فيروز الجديدة. طبعا، كفيروزيّ عريق، اعتبرت الأمر محض هرطقة وهمست لنفسي: "اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون". ولكن ليطمئنّ قلبي، لم أستطع الامتناع عن البحث عن أغاني الألبوم الجديد  لهبة طوجي المعنون "يا حبيبي".

يضمّ الألبوم 15 أغنية كلّها من ألحان أسامة الرحباني. أربع منها كتبها منصور رحباني، واحدة كتبها هنري زغيّب والبقيّة كانت من كلمات غدي الرحباني. على أنّ أغنية "قصّة ضيعة"، وهي استلهام طريف لموسيقى رقصة زوربا اليوناني، وإن لم يكتبها الراحل منصور، فقد كتبت على نمطه. كلماتها رحبانيّة مولّدة إن صحّ التعبير.

حاول أصحاب العمل أن يكون هناك توازن بين الأغاني العاطفية والأغاني التي تحمل هموما إنسانية ووطنية. وفي الحقيقة، غلبت السذاجة في التعبير على هذا الصنف الثاني، وهو ما يظهر في "الربيع العربي" و"صباح الخير" و"المرأة العربية". والسذاجة في حدّ ذاتها لا تشين الأغاني، فهي ليست مطالبة بتقديم تحاليل معمّقة عن الأوضاع السائدة، بل أنّها ميزة طبعت الأعمال الوطنية للرحابنة الكبار، غير أنّ ما يصنع الفارق هو الدور الذي يلعبه اللحن في إيصال الروح الكامنة في الكلمات. وهنا، كان النجاح نسبيّا ومتفاوتا من أغنية إلى أخرى. ففي "الربيع العربي"، وهي أكثر الأغنيات تحيّزا، كان اللحن ساترا يحجب هذه السذاجة، وخصوصا عندما يدخل فيه ما يشبه المارشات العسكرية وعندما يطلق العنان لصوت هبة طوجي للهمس تارة والصراخ تارة أخرى، والكلّ في موضعه. نفس الشيء يمكن ملاحظته بالنسبة إلى "المرأة العربية" الّتي استمدّت طرافتها إضافة إلى كلماتها من نسقها السريع. ويشدّ في "إلي وإلك السماء"  منذ البداية الطباق في إسمها (غير المقصود على الأرجح)  مع "الأرض لكم" التي لحّنها زياد رحباني، وقد لخّصت، بشيء من الهدوء، المثاليات الرحبانية.  يختلف الأمر بالنسبة إلى "صباح الخير" التي كانت دون روح وذكّرتني بالوطنيّات المناسبتية التي طالما عرفناها في بلادنا. وكان الانطباع الذي خلّفته الأغنية  لديّ أنّ مصير "بحبّك يا لبنان" مثلا كان سيكون مشابها لو وقعت بين الأيدي الخطأ. لديّ  أمّا "بيروت"، فهي كلمات تمّت خيانتها موسيقيّا، ولولا مقطع الفالس، على ما آل إليه من جموح، لكانت ممّا يُنسى فور سماعه.

وينطبق هذا التفاوت كذلك على باقي أغاني الألبوم. ففي "يا حبيبي"، ورغم كلاسيكيّة الكلمات التي توحي بأنّ أقرب سبيل لتلحينها هو النمط الشرقي التقليدي (وقد توقّعت أن تكون من طراز "يا حبيبي كلّما هبّ الهوى" للأخوين رحباني)، يفاجئنا أسامة باختيار نمط الجاز، وقد كان اختيارا موفّقا نجح في العثور على إيقاع القصيدة والتناغم معه رغم بعض الهنات في نطق بعض الكلمات، فـ"الأرض الحزينة" تُنطق بالخفض في موضع النصب، وكلمة "قرصان" تنطق مكسورة القاف. وفي "معقول"، كانت تجربة الاستماع ممتعة من خلال التمازج البديع بين "الجاز"و"اللاتينو". كثير من البهجة ظلّت مصحوبة بصوت الكونترباس الرتيب والهادئ في الخلفيّة، ولو أنّ "اللاتينو" لم يلائم في بعض الأحيان شيئا من الحزن في الكلمات. وتأتت طرافة "أنا حبيتو" من الدور الذي لعبه البيانو في تأمين الإيقاع، وهي أغنية دافئة رغم إيغال الكلمات في البساطة. وكانت "خلص" أغنية فراق هادئة، وهي مفارقة عجيبة أن لا يحظى الفراق بشحنة عاطفية من غضب أو حزن. وينطبق على "لمّا بيفضى المسرح" نفس ما قيل عن "بيروت" فالكلمات الشبيهة بتصوير سينمائي يقلب السمع بصرا لم تحظ موسيقيّا بما يفيها حقّها. أمّا في "أوّل ما شفتو"، فقد كان يمكن أن تكون مستساغة، على فتور كلماتها، لولا إيقاعها المزعج والإسراف في اعتماد تقنيات التلاعب بالصوت، وهو ما تخلّصت منه "حبّي اللي انتهى" الرومانسيّة الهامسة. أمّا "يمامة"، فقد تكوّن رأيي منها في الثواني الأولى وتحديدا مع عبارة "لكلّ من في الأرض لا أعرفهم" التي كان لحنها العجول غاية في "التبلفيط"، وتساءلت إن لم يكن اللحن وضع مسبّقا ثمّ وقع الإصرار على اعتماده قسرا على الكلمات بصرف النظر عن كلّ إنسجام. ولا تبقى من أغاني الألبوم سوى "حلوة يا بلدي" التي هي مجرّد إعادة توزيع لأغنية داليدا حرت في معرفة وجه الإبداع فيها أو سبب إقحامها في الألبوم.

قيل عن هذا الألبوم أنّه ينتمي إلى صنف الجاز، ولكنّ ذلك لا ينطبق على كلّ الأغنيات، ولا يتوافق مع التعويل على الأركسترا السمفونية الأكرانية. لا مجال للشكّ في طابعه الغربي، وقد أضفى عليه الاعتماد على البيانو خاصة بصفة دائمة شيئا من الفخامة. تتيح مختلف الأغنيات المجال لصوت هبة طوجي المميّز حتّى يستعرض قدراته في التدرّج من أخفض الدرجات إلى أعلاها، ويدخل في تجربة متعدّدة الأبعاد مع المستمع فيداعبه ويؤانسه ويؤسيه ويستفزّه. ويتعزّز صوت طوجي ببعض المؤثّرات التي تضفي على الأداء بعدا مسرحيّا: الضحكات، الصرخات وحتّى الزغاريد. على أنّه قلّما كان جمال الصوت وحده عنصرا محدّدا في نجاح التجربة. وإذا كان نجاح الأغنية يقاس ببراعة ترجمة الكلمات لحنا، فإنّ النجاح في هذا الألبوم كان جزئيّا. في عديد الأحيان، بدا كأنّ الإصرار على تقديم نمط موسيقيّ ما يأتي على حساب التقاط حساسية الكلمات، وإن غلبت على جلّ الكلمات بساطة تخلو، على خلاف البساطة الرحبانية، من العمق. وإذا كان هناك تشابه مع تجربة الأخوين رحباني، فأراه يكمن في نهايتهما، وتحديدا فيما قاما به في برنامج "ساعة وغنيّة" من إعادة توزيع لأغانيهما بطريقة أضفت عليها نزعة آليّة وسلبت منها صفاءها الشرقيّ.


التقييم العام للألبوم:


الأحد، 31 أغسطس 2014

موانئ لا تبنى

لبدء الحروبْ
ستحتاج ميناء سلم
يكون اليقينَ ببحر الشكوك
ملاذا لروحك عند زمان الخُطوبْ
لتبنيَ ميناء سلمك
تحتاج تاريخ حرب طويل
يكون الحجارة والكلمات     
على نصب جند مهيبْ
إذا لزم الدور، فابق مكانك
لا تبن شيئا
تمتّع بسلم يجيئك بخسا
رماديّة روحه مثل يوم خريف
دماءك قد هدرت، لم تعد لك
عش ما تبقّى لنفسك
وانعم بما فيك من صدإٍ

وانسَ قرع الحروبْ

الجمعة، 29 أغسطس 2014

أمراء الليل

تنقضي فتوّة الشمس عندما يخالجها حياء. يحمرّ وجهها، وتبدأ بالبحث عمّا يواري سوأتها من العيون الملتهمة. تجد ملاذا لها تحت صفحة الماء أو خلف الجبال الصمّاء فترتمي هناك مذعورة. تنذر بعهدها الجديد الّذي سيبدأ مع قرن الغزالة.
يدخل الليل بخطوات متمهّلة، كأنّما يختبر وقع قدومه على من يشهدونه. حتّى إذا اطمئنّوا للسكينة التي تسري فيهم بعد ضجيج الأنوار، يعلن سلطانه اللامحدود على الكون. فيما مضى، لم يكن هناك ما يخالط كأس سطوته سوى طعم خفيف لقناديل مبعثرة ربّما لا تزيدها إلّا لذّة. أمّا اليوم، فقد أصبحت تفيض بأضواء تغلب على مذاقها وتكاد تذهب بنشوتها.

ينصّب على مملكته الشاسعة أمراء اجتمعوا على أن يكون هو لهم حياة. ولأنّهم لا يملكون من زاد سوى النجوى، يؤاخي بينهم وبين منارات السماء. يصغون لهم ويسمعون شكواهم. وتلفظ ربّة الظلام من عينيها هيبنوس ليقود حملته المظفّرة دائما على كلّ من لم يكلّل جبينه بتاج الإمارة، فيخمد كلّ نشاز، حتّى إذا لم يعد هناك مكان إلاّ للموسيقى الصغيرة، جلس هو كذلك يستمع إلى الحكايا ويسجّل منها على دفتره ما يكفي لتقصير أبديّته الطويلة.
وعلى الأنوار الشاحبة لإخوة أضناهم الدوران وزاحمتهم الأقذاء، يلاقي الأمراء شياطينهم المصفدة نهارا، ويلقون معهم النصف الآخر من أنفسهم، النصف الذّي يعمي عن النظر إليه ضوء الشمس. يخيطون تلك الأنصاف إليهم، فيكونون كلّا لسويعات. وبذلك الكلّ تسري الدماء بين عروقهم كما لم تسري من قبل: يتنفّسون، يتحرّكون، يضحكون، يبكون، يثملون، يصلّون، يصرخون، يعشقون...وتمضي تلك الحياة في خفاء إلاّ عن عيون الإخوة والشياطين والورق الأصمّ.
تفاجئهم دائما نهاية المملكة. لا يكونون أبدا مستعدّين لذلك السقوط. ينسج الضوء المتلصّص خيوطه حول النصف النابض فيعتمه شيئا فشيئا حتّى يغيب تماما إذا استوى على العرش مغتصبه. يودّعونه بصمت من يفقد نفسه، كأن لن يكون لقاء...

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

عطر أنثى


كان يكفيه أنّها من فردوسه المفقود. لو عرف ذلك مسبّقا، لسعى إلى لقاءها بنفس أكثر انشراحا. ربّما كان اختار قميصا أكثر أناقة. ربّما كان أكثر من وضع عطره المفضّل. ربّما كان سأل أخته، بشيء من التوتّر الّذي يجتهد في إخفائه، عن رأيها في شكله. ربّما كان ألقى نظرة إلى المرآة قبل أن يخرج. لم يفعل شيئا من ذلك. نظر إلى ساعته في تبرّم وصفق الباب بقوّة كعادته عندما يضطرّ إلى فعل شيء بسبب الواجب ولا شيء غير الواجب. اضطرّ فيما بعد إلى الانتظار لعدّة دقائق حدّث نفسه فيها أنّه لا يأتي من ورائهنّ إلاّ وجع الدماغ. أقبلت تحثّ الخطى وهي تتمتم باسمة بكلمات اعتذار. دون أن يشعر وقف لاستقبالها. كان قد غفر لها قبل أن تنطق. منذ لمحها والفجر يلوح من شفتيها، صلّى في نفسه صلاة السكينة. لمّا مسّت يدها كفّه، سرت إليه كالعدوى ابتسامتها. لمّا نطقت، بلثغتها الظريفة، أيقن أنّه قطع المسافة كاملة من الضيق إلى الابتهاج في بضع ثوان.

لم يأخذ الواجب من لقاءهما سوى وقتا قصيرا. حرص هو على ذلك وانتقل بلباقة، تغيب عنه عادة، إلى حديث أكثر شخصيّة، ولم تمانع هي. سألها عن بلدتها، ولمّا أجابت، قال: "هذا يفسّر كلّ شيء". أغضت تخفي احمرار وجهها، وداخله شيء من ارتباك، إذ أدرك فجأة أنّه خطا عن غير وعي إلى الغزل. ولكنّه كان متوقّد البديهة في تلك الأمسية فلم ينثن. خاض بين قطع الرياض اللائي ملئن زهرا. طويت له الأرض في حديثهما ودنا بعيدُها، وكلّما انقضت أحدوثة، ودّ لو تعيدها...
لمّا ودّعها، تردّد في صدره قول إمرئ القيس:

أ لم ترياني كلّما جئت طارقا
وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وما إن غابت عن ناظريه، حتّى وجد نفسه يطفو على غيمة من عطر.

الأحد، 24 أغسطس 2014

هبة القوّاس...حلم لم يكتمل

ليست هبة القوّاس من الأسماء ذائعة الصيت في الساحة الفنيّة العربيّة وليست معروفة كثيرا لدى الجمهور التونسي. والحقيقة أنّي على الأرجح لم أكن لأسمع بها لولا حفلها بالمسرح البلدي بالعاصمة سنة 2005. أذكر أنّي لمّا سمعت أنّها ستفتتح مهرجان المدينة لتلك السنة، وكانت المرّة الأولى الّتي يفتتح فيها فنّان غير تونسي هذا المهرجان، استغربت كيف يمنح هذا الشرف لفنّانة مجهولة. بعد ذلك شاهدت ومضة في التلفزة التونسية تتحدّث عنها وعن حلمها لإنشاء أوبرا عربية، وتبدّل الاستغراب فضولا. ذهبت إلى شبّاك المسرح البلدي أسأل عن ثمن التذاكر فاُخبرت بسعر خيالي بالنسبة إلى طالب مثلي في ذلك الوقت (على ما أذكر 25 و15 دينار). هممت بالانصراف، فاستوقفني الموظّف ليعلمني أنّ التذاكر بأعلى المسرح ("الخمّ" أو "بيت الدجاج" كما درجت العادة على تسميته) متوفرّة بسعر خمسة دنانير. اقتنيت تذكرة واحدة، فقد كان من الصعب عليّ إيجاد رفيق يقاسمني نفس التوق للاكتشاف. ذهبت إلى تلك الأمسية الرمضانية، وكان ندمي فيما بعد كبيرا لأنّي لم أضحّ بشيء من المال لحجز أفضل مكان ممكن. كان ذلك الحفل أحد أحلى المفاجآت في حياتي. خرجت منه بين النشوة والذهول: نشوة لذلك العناق الحميم بين فخامة الموسيقى الكلاسكية وعبق الكلمة العربيّة المنتقاة بعناية، وذهول عند الخروج من المسرح بشعور من هوى بعد طول تحليق. كان الحفل خطواتي الأولى في عالم جديد يتمازج فيه الشرق والغرب دون تنافر، عالم تتألّق فيه الأحلام كنجمات حانية تضيء الطريق. أغنيتان شدّتاني بشكل خاص وقتها: "روح واتركني" لطرافة ألحانها ولطف الجناس في كلماتها وتفاعل قائد الأوركسترا الأرمني معها ومع الجمهور، و"عرفت بيروت" لمسحة الحزن الجليل التي طبعتها. وعلى الفور، حلّت هبة الله من نفسي محلّا لا يضارعها فيه سوى القدّيسة والماجدة.
بعد الحفل، حاولت جاهدا البحث عن أغاني هبة القوّاس. لم تكن أسطواناتها متوفّرة بتونس ولم أجد على الانترنت سوى عدد ضئيل من الأغاني ومقتطعات الأغاني، ولم يكن نشر فيديوهات للأغاني رائجا، وكانت مواقع الفيديو العالمية مغلقة أمام العموم. اكتفيت مؤقّتا بما وجدت وظللت أتحيّن الفرص لالتقاط إبداعاتها أغنية بعد أغنية. ولم يخب أملي قطّ. لم أجد في السنوات الأخيرة ترجمة أصدق لعمق الكلمات من ألحان إبنة صيدا وصوتها. شيء نبيل يغزو الروح عند الاستماع إليها. أنشئ الشعر الصوفي خلقا آخر مع أغانيها: "يا نسيم الريح"، "لقد صار قلبي"، "سبحان من خلق القلوب"...
منذ حوالي ثلاث سنوات تقريبا، استمعت إلى أغنية "نجوم الدني بعينيك"، ولعلّها كانت آخر عمل موسيقي أطرب له إلى حدّ الدهشة. كانت من ذلك النوع من الأغنيات التي لا تجد بدّا من الاستماع إليها مرّة بعد مرّة بعد مرّة لتتشرّبها. تكتشفها من جديد في كلّ حين، ولا تعرف ريّا.
ومعها يستمرّ الظمأ...تضنّ علينا هبة فلا نظفر منها بعمل جديد إلا في الفينة بعد الفينة. كأنّي بها لا تتقدّم في طريق حلم الأوبرا العربية إلاّ بخطوات وئيدة جدّا. ربّما يكون ذلك لأنّها لا تجد ما بين المحيط والخليج من الاهتمام ما تجده في المحافل العالمية للموسيقى الكلاسيكية. ربّما يكون ذلك لأنّ من يتذوّقون فنّها قطرات من بحار من الجماهير الباحثة عن الوجبات السريعة. أو لعلّ ذلك يرجع إلى أنّ وسائل الإعلام ومديري المهرجانات يفضّلون الأصداف على اللآلئ، إلا من رحم ربّك، ولعلّها لذلك لم تعد إلى تونس منذ تسع سنوات، رغم أنّي على يقين من أنّ عرضها الوحيد ترك أثرا لا يمّحى في قلوب جميع من حضروه.
قد يكون الأمر مزيجا من ذلك كلّه. ولكنّ الحلم لا ينتهي إلا بالموت كما يقال. سنظلّ نغالب ظمأنا ونحفظ شوقنا، عسى الشوق إلى التحليق يصنع الأجنحة...