الأحد، 20 أبريل 2025
هذا ليس شعرا
الأحد، 13 أبريل 2025
الجدارة في مقابل التبادلية
في عالم مثالي، تكون الجدارة معيار التقييم الوحيد. بمعنى أنه لينال الإنسان شيئا، ينبغي أن يكون مستحقّا له، سواء بالنظر إلى كفاءته الشخصية (كحقه في أن ينال عملا يناسب مؤهلاته) أو إلى حقوقه (كأن يتحصل على خدمة معيّنة لكونه مواطنا أو مستهلكا أو تلميذا أو غير ذلك من الصفات). ومن واجب القانون، كمنظومة مثالية نظريا، أن يكرّس مثل هذا التطابق.
لطالما آمنت بأن الجدارة هي الطريق الوحيد الذي يمكن سلوكه. ربما كان ذلك بفعل نزعة مثالية مزمنة جعلتني أميل إلى ما يجب أن يكون، لا ما هو كائن، أو ربما لأن تكويني القانوني رسّخ لديّ قناعة بأن الحقوق يجب أن تُمنح لا أن تُفتك، وأن الكفاءة يجب أن تُكافأ لا أن تُساوَم. كنت أرى الجدارة كمقياس طبيعي، إن اختلّ، اختلت معه قيم المجتمع ومعايير النجاح. كل ما عداها، في نظري آنذاك، لم يكن سوى تسميات مخففة للمحسوبية والفساد.
لكن مع الوقت، ومع خيبات شخصية صغيرة راكمتها التجربة، تجاوزت غرارة الصبا وبدأت أفهم. بدأت أرى كيف أن العالم، أو على الأقل مجتمعنا، لا يشتغل بمنطق الجدارة بقدر ما يتحرك بقوانين التبادلية. الناس لا يتعاملون معك على أساس ما تستحقه، بل على أساس ما يمكنك أن تمنحهم إياه، أو ما تقدر على فعله من أجلهم. المحسوبية لم تعد تبدو لي انحرافًا عرضيًا عن المسار، بل صارت جزءًا من نظام كلّي له منطقه الخاص، منطق لا يعترف بالاستحقاق إلا إذا جاء مرفقًا بمنفعة متبادلة.
الأمثلة على ئلك أكثر من أن تعدّ. يكفي أن ترى كيف تُقضى الحوائج في الإدارات. إذا كنت مبعوثا من سي فلان، فستفتح أبواب كانت مغلقة. أمّا إذا لم يعرفك أحد، فحتّى الأبواب المفتوحة يمكن أن تُغلق. وأهل الإدارة بارعون في إيجاد الحجج التي تعفيهم من القيام بأيّ شيء. الوظيفة لا تعني خدمة الصالح العام، بل هي نفوذ ممنوح بسلطة تقديرية تمكّن صاحبها من إسداء خدمات معيّنة والحصول في مقابلها على خدمات مماثلة. أمّا إذا لم يكن لك ما تستند إليه سوى حقّك، فستكون أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام.
في الميدان الثقافي، وهو ميدان من المفروض أن يكون راقيا، الموهبة الصرف تضيع بسهولة إذا لم يكن لصاحبها ما "يفيد" به الفاعلين في المجال. جزء لا بأس به من الاستضافات في الملتقيات الأدبية يخضع لهذا المنطق: أستضيفك اليوم لتستضيفني غدا (غالبا على حساب المال العمومي في كلتا الحالتين) أو لتكتب عنّي أو لتقتني منّي نسخا من إصداري الجديد الذي كان ليتعفّن في قبو ما. أعرف عدد من الأصوات المميزة التي كانت تبشّر بمستقبل زاهر في الميدان الأدبي قبل أن يأكلها النسيان لأنّه لم يكن لها قيمة تبادلية في هذا المسار. هي موهوبة وكفى، فلتبق موهبتها دفينة ما دمت لن أستفيد منها شيئا! هذا ممّا يفسّر بشكل جزئي ركود الساحة الأدبية عندنا، فهي في الغالب لا تقوم على التميّز.
ويبلغ رهان التبادلية أقصاه في الميدان السياسي وبخاصة وقت الانتخابات. في وقت مضى، عندما كانت لنا بعض الحريات، كان هناك من يرفعون أصواتهم للتنديد بـ"المال السياسي الفاسد" في خضمّ الانتخابات. وفي الحقيقة، ليس المال إلا جزءا من المعادلة. من خلال قراءة كتاب جماعي صدر منذ بضعة شهور بإشراف المولدي الأحمر بعنوان "الانتخابات التشريعية في تونس بعد الثورة: نقد أسس المشروعية السياسية للنخب"، يمكن أن نفهم أنّ جزءا كبيرا من التحشيد الانتخابي لم يكن يستند لا على البرامج ولا على المواقف، وإنّما بالأساس على هذا المنطق التبادلي. بمعنى آخر، كفاءة المترشّح أو نزاهته أو فصاحته لا تهمّ بقدر ما يهمّ النفع الذي يمكن أن يقدّمه لي بشكل مباشر. إذا أمكنه توظيف ابني أو التوسّط لإخراج ابن أخي من مركز الإيقاف، فهو مرشّح جيّد وسأصوّت له. أمّا إذا لم يكن له من المزايا سوى برنامج يعد بالعدالة الاجتماعية وسيرة تزخر بالإنجازات الأكاديمية ومسيرة نضالية باهرة، فذلك لا يعني شيئا! وهكذا، خسر كثير من المتمرّسين في النضال السياسي المعارك الانتخابية لأنهم لم يفهموا كيف يفكّر الناخب.
ربّما حاولت الدولة الوطنية في بادئ الأمر تكريس معيار الجدارة، وما "المصعد الاجتماعي" الذي يكثر التحسّر عليه إلا عنوان لذلك، حيث كان يمكن للنجابة في الدراسة وحدها أن تكفل مستقبلا مشرقا لصاحبها. لكنّ حبال هذا المصعد تآكلت، حتّى لم يعد يمكنه أن يتجاوز القبو. أذكر مسؤولا رفيعا في العهد البائد كان مكروها من أهل بلدته، رغم كفاءته العالية التي أتاحت له شغل عديد المناصب. لم يكن ذنبه ليستحقّ هذه الكراهية إلّا لكونه "لم يخدم" أهل بلدته، بمعنى أنّه لم يمنحهم امتيازات فلم يربحوا منه شيئا! كلّ ذنب المسكين أنّه امتنع عن المحاباة!
المنطق السائد للنجاح اليوم يقترب من منطق العصابات. لنذكر دون كورليوني في فيلم "العرّاب" إذ جاءه من يطلب منه خدمة، فأجابه إليها بعد لأي، ولكن بشرط "في يوم ما، وقد لا يأتي هذا اليوم أبدا، قد أطالبك بردّ هذه الخدمة". هذه هي التبادلية في أوضح تجلياتها. ولعلّ مشكل الحالمين في هذا الوطن أنّ حلمهم منعهم من الانخراط في العصابات، فلم يبق لهم مكان غير الهامش.
الخميس، 11 مايو 2023
قطّة المكتب
الأربعاء، 17 أغسطس 2022
عندما جعلنا من "عرابنية" مطربة تونس الأولى
في أيّام مراهقتي، كنت مولعا بقراءة الجرائد. كان لكلّ يوم من الأسبوع جريدته الخاصّة به، وكان يوم الخميس مخصّصا لجريدة "الأخبار". كنت أتقصّى منها خاصة أخبار الرياضة، كما كانت تعجبني منها بعض المقالات ذات الطابع النقدي والساخر، ومنها ركن "عيون على التلفزيون" لنجيب الخويلدي.
على أنّ هذا الركن أثار حنقي ذات مرّة. كتب صاحبه طويلا في مدح أمينة فاخت، متحسّرا على أنّها لم تجد الصيت الّذي تستحقّه في العالم العربي في حين أنّ فنّانات محدودات المواهب نجحن في ذلك، مثل ماجدة الرّومي! ذهلت، وأنا الّذي لم أتجاوز السبعة عشر ربيعا آنذاك، بهذه المقارنة وقد كنت حينها في أوج افتتاني بالفنّانة اللبنانية. لم يخطر ببالي قطّ أنّ هناك من يجرؤ أن يقرن أمينة بفنّانة لها منجز فنّي مثل ذلك الّذي لماجدة الرومي، فما بالك بتفضيلها عليها! حبّرت رسالة طويلة إلى ذلك الصحفي ملخّصها فيما أذكر أنّ الأصوات الجميلة موجودة على قارعة الطريق، ولكن ما يصنع الفرق بين مغنّ وآخر هو حجم المشروع الفنّي الّذي يحمله، وبناء على هذا المقياس، فإنّ المقارنة بين مدرسة في تخيّر الكلمات وانتقاء الألحان بما يضمن دائما مستوى عاليا من الرقيّ وبين من يعيش على العرابن ولا يُنتج شيئا ليس إلّا ضربا من الخطل.
لم أرسل ما كتبته، ولعلّي كنت أشكّ في أنّه يمكن أن يغيّر شيئا. والحقيقة أنّني لم أذكر من أمر رسالتي تلك شيئا إلى حدود الآونة الأخيرة، لمّا أحيت أمينة فاخت حفلا بقفصة أثار (كما تقعل دائما) جدلا حول لباسها وحركاتها. قرأت الكثيرين ممّن يدافع عنها وعن مكانتها، وأنّ ما تفعله ليس سوى "هبال" محبّب يقبل منها في جميع الحالات باعتبارها "فنّانة كبيرة".
ما الّذي قدّمته أمينة إلى الفنّ لتستحقّ هذه المكانة؟ إن نزعنا من رصيدها الأغاني الّتي أخذتها من التراث، وتلك التي سرقتها من فنّانين تونسيين أو اقترضتها من فنّانين مشارقة، فما الّذي يبقى منه؟ حتما لا شيء ممّا يمكن أن يصنع "فنّانة كبيرة" أو حتّى فنّانة "حاف". أفهم أن يُعجب أحدهم بصوتها، أو أن تستثيره إيحاءاتها، وهو ما يمكن أن يجده في مغنيّة في كباريه، أمّا أن يزعم أكثر من ذلك، فقد ضلّ ضلالا بعيدا.
تعبّر أمينة فاخت عن عقليّة مكرّسة لدينا، تقدّس الكسل وتركن إلى التواكل وتبحث عن النجاح من أرخص أسبابه. وجدت لديها كنزا في صوتها الجميل، فلم تبحث عن استثماره وإنّما جعلته لها ريعا يدرّ عليها من مداخيل المهرجانات والأعراس ما يغنيها عن الاجتهاد والإنتاج، لا سيّما وقد "حرحرت" ذلك باللعب على إثارة الغرائز. لم يجعلها ذلك تنجح فحسب، بل ها هي منذ عشرين سنة أو أكثر وبلا إنتاج يُذكر تُعتبر لدى الكثيرين "مطربة تونس الأولى". لا أرى في ذلك سوى غوصنا في أعماق بئر لا قاع لها من الرّداءة.
الأحد، 8 أغسطس 2021
عام تحت الشمس
الجمعة، 9 يوليو 2021
ما كنتُ من الثائرين... مسارات شخصية في عشرية الثورة (الجزء الثالث)
مسألة استمراريّة الدولة
رغم ارتباك محمد الغنوشي، ساندت بقاءه على رأس الحكومة، لسبب بسيط: استمرارية الدولة. في ذلك الظرف العصيب، لم يكن هناك أيّ شيء واضح: بدا أنّ الدولة تلفظ كل مشروعية لها وكنت أفزع من أن نشهد، ولو لمدة قصيرة، اضمحلالها فنسير إلى ما يشبه السيناريو الصومالي. كان الهاجس الذي يسيطر عليّ وقتها كيف ننهي تلك المرحلة بسلام، ثم ستأتي بقية ترتيبات إرساء نظام ديمقراطي، وعلى رأسها الانتخابات.
لكن لم يكن مثل هذا الرأي يحظى بشعبية كبيرة آنذاك. قام اعتصام القصبة 1 بالأساس على المطالبة برحيل كل رموز النظام السابق، وفي الحقيقة، كان الغنوشي استبقى عددا كبيرا منهم في حكومته الأولى بعد 14 جانفي. بالنسبة لي، كان وجود أحمد نجيب الشابي والمرحوم أحمد إبراهيم في الحكومة أحد أهم الضمانات، بما أنهما كانا دائما في صفّ معارضة النظام. لم أستسغ رفض مصطفى بن جعفر المشاركة في الحكومة، ويبدو لي الآن أنّ تصدّع العائلة الديمقراطية الاجتماعية بدأ وقتها، بين اتّجاه يتبنّى مقاربة تدرّجية لا تقطع فورا مع الماضي، واتّجاه يبني مقاربته على مسايرة الشارع حتى وإن لم تعرف عنه الراديكالية سابقا.
في تلك الفترة شديدة التشنّج، كتبت ما أعتبره أجرأ مقالاتي وكان بعنوان "حتى لا تنحرف الثورة" وكان مضادا للرؤى الاستئصالية السائدة آنذاك دعوت فيه، بعد الإقرار بكلّ الفساد والانحرافات الّتي عرفها التجمع الدستوري الديمقراطي، إلى التريّث قبل الحكم على محمد الغنوشي الذي لم يعرف عنه ضلوع في الفساد، وينطبق ذلك على جميع الكفاءات التي لم يكن لها خيار فعلا في الانضمام إلى الحزب-الدولة.
لو عدت إلى تلك اللحظة، لست متأكدا أني كنت لأكتب ذلك المقال. لم أعد أؤمن بدولة لا تحترم مواطنيها، ولا يبدو أنها تسير أبدا في ذلك الاتّجاه. كانت اللحظة مناسبة لإعادة تأسيس حقيقي للعلاقة بين الدولة والمواطن، لا التأسيس الشكلاني القانوني الذي حدث مع المجلس الوطني التأسيسي.



