الثلاثاء، 5 مارس 2019

حديث حبيب مع الجبل -2-

سار حبيب في الطريق المهملة حتى بدأت معالمها تنطمس... كان كلّما تقدّم زادت الخضرة وقلّ البياض حتى وجد نفسه بعد ساعة أو بضع ساعة منقطعا لا يحيط به سوى الشجر والأعشاب. كانت الحمرة بدت تتسلّل إلى السماء، وفكّر أنّه لا مناص عن العودة من حيث أتى. لكنّه بقي في مكانه. لم يكن يريد أن يخسر تحدّي النور والعتمة. بعد دقيقة من التردّد كان يفترش الأرض قرب شجرة سرو ضخمة، ينظر إلى تعانق أغصانها مع بقايا الزرقة. كان الحفيف يبثّ البرد وشيئا من السلام في نفسه، ويمتصّ أشلاء الحمّى إلى مكان سحيق لا يُدرك من الأرض. موسيقى عن ليال عشق مجهولة كانت تجوب كيانه. بين الصحو والغفوة مضى زمنه. قام متراخيا. الرجعة أيسر السبل، لكنه محاها من باله. عليه أن يسير غربا، لو كان يدري أين الغرب. مشى حيثما اتفق، لا يسمع سوى تكسّر الأغصان اليابسة تحت قدميه. في البداية، كان يتحسّس الفجاج بين الأشجار، لكنّه كان في كلّ مرّة ينتهي إلى أجمة فينكص. تكرّر الأمر ثلاث أو أربع مرّات. طرقه مسدودة، وقد فقد الإحساس بالاتّجاه...
قد يكون تاه. لكنّه أنكر من نفسه أنّه لم ينزعج من ذلك. رغم وجيبه، كان يملؤه يقين لم يعهده. السماء لحافه وقد غابت الشمس الهازئة، والسّرى محمود، وقد بدت قناديل فيهنّ الذبال المفتّل. اقتحم أقرب أجمة وسار لا يلوي على شيء. لا يعرف إلى أين، كل ما يدريه أنه اختار أن يمشي. على غير هدى ربّما، لكن عسى أن يدركه الهدى وهو يسير. اجتاز الغابة الكثيفة إلى أرض رحبة أكثرها مكسّو حلفاء. عبرها عاثر الخطو، وكاد يسقط غير مرّة. أشرف فبدا له السهل عن بعد. حثّ السير مكدودا، حتّى لاحت له أعمدة النور. لمّا وصل إلى أقربها كان يبتسم ملء شدقيه. مرّ به بعض السيّارة ونأى عنه لمّا لمح ابتسامته الغريبة... ابتسامته الطافحة أنسا، حتّى تكاد تعانق من تراه. فرد ذراعيه وهو يمشي تابعا خطّا لا يراه غيره وهو يترنّم بأغنية قديمة... حتّى ابتلعه الطريق...

الاثنين، 4 مارس 2019

حديث حبيب مع الجبل



وظلّ حبيب، الباحث عن نفسه، الهارب من أمسه، المرتاب من غده، في حمّاه تلك أيّاما... يهذي بما لا يُعرف عن الناس والروح والشعر والسماء... حتّى أبلّ من علّته قليلا، وكان ذلك يوم اثنين. ضاق من محبسه، ورنا إلى شمسه، فرآها باسمة على غير ما تعوّد في دهره الأخير، فنظر ودبّر، واتّفق أن يلاقيها أعلى الجبل ساعة توشك أن تنحدر...
مشى على قدميه ميلا وبعضه فلمّا بلغ الفجّ رأه ينشعب إلى ثنيّتين... الناس يسلكون ثنيّة الجنوب ويزدحمون على امتدادها، أمّا ثنيّة العين فيندر من يسلكها. تردّد شيئا، ثمّ ذكر أنّه لم يبلّل جسده بماء تلك العين البارد منذ كان طفلا، فحملته أقدامه من هناك.
صعد التلّ الأوّل ببعض مشقّة. وقف على حافته ينظر الأفق. لم ير الكوخ القديم ولا الهيكل المهجور. لعلّهما تهدّما أو هدّما. لم يلمح سوى بعض الخرب الناظرة ببلاهة إلى الأعلى. نفض خيبته، وواصل المسير.
جدّ في المشي إلى أن وصل مفترق الطرقات الأربع. كان يذكر أنّ العين في منتهى إحداها لكن بعد به العهد ولم تسعفه الذاكرة. لم يجد بدّا من أن يجرّبها واحدة بعد أخرى. أمّا الطريق المعبّدة، فقادته إلى حائط أصمّ لا علم له بما وراءه. كان شاهقا مهيبا، حاول أن يتسلّقه لكنه ما لبث أن تعب. كأنّ الدنيا تنتهي عند حدوده. عاد على اعقابه وأخذ الطريق المنحدرة. لم يمش فيها غير خطوات حتّى سمع أصوات الخلق تبلغه منها، فرجع. لم تكن العين يوما بمقربة من الصخب. أخذ في الطريق العالية، ومشى فيها حثيثا. لمح المجرى النديّ فأيقن أنّه لم يخطئ السبيل. هيّئ إليه أنّه يسمع حسّ قطرها وهو يعانق التراب، فانتعش. بلغ الصنوبرة الكبيرة. يذكر أنّ الماء كان يحاذي جذعها العجوز، غير أنّه لم ير غير أخدود تملؤه الأوراق الجافة. تبعه صعودا والأمل يتساقط عنه شيئا فشيئا. وصل إلى ذلك الكرسيّ الأخضر. كان بجنب المنبع تماما. بقي الكرسيّ، ولم يبق من الماء شيء. سنوات العطش لا ترحم ساقيا.
رجع إلى المفترق. نظر إلى الأعلى، فرأى الشمس تهزأ منه. سيخلف ميعاده كما أخلفت. همّ بالرجوع ثم وقف. قد سلك الطرقات جميعها، فلم لا يكمل الرابعة؟ لا يذكر أنّه سار قطّ في الطريق المهملة. نظر في ساعته وبدأت الوساوس تنهشه. إنّ عدّى وقت الغروب، فسيكون الضياع. ما من ضوء هناك. لن يكون إلّا فريسة للظلام. كسر سدّه وهمهم: قد كنت طويلا فريسة للنور. ألقى بساعته في عين الشمس ومشى...

السبت، 23 فبراير 2019

بعد كل شيء

سيمضي كل شيء...
جلسة المقهى المطلّ على القوافي
موج بحر يغمر النغمات
أشواق المواعيد البشيرة بالرؤى
صوت السماء وقد تعثّر لاحنا
زمن الجلوس على تخوم الصفو والخطر
ستأتي ليلة لا تنتهي...
لا شيء تحكيه سواك
تظلّ وحدك...
هكذا قد كنت
هذا أنت، لا تنكر
فضوء الشمس يحجب عنك إسمك
هل نسيته؟
كالمراكب في المجاز قد أحرقته
تلتهم المسافة 
نحو ضفّتك الخفيّة عن مدى البصر
سيرجع من رماده
كلّ حرف فيك يلقي غرسه
ويعود يجني أمسه
يغدو نفسه
أنّى لك الذكرى؟
مداها لا يجاوز منك فجرا
سمّ نفسك ما يشاء هواك
في بطء الكواكب أنت
 قيد الروح بين الرفض والقدر...

الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

التحوير الوزاري... "مساكنة" دون مساكنة



أخيرا حصل التحوير الوزاري... كنّا ننتظره منذ أشهر عديدة، وإن كنّا لا نرجو منه بالمرّة أن يحسّن حال البلاد. هو فقط من باب تبديل السروج، فبقاء وزير ما لأكثر من عام يبعث على الملل، ونحن في تونس منذ 2011 لا نقبل بغير التجديد المتواصل، حتّى إن كانت لا ترجى منه فائدة.
مايشغل الأذهان ليس جدوى هذا التحوير، وإنّما ما أثاره من جدل بعد إعلان رئاسة الجمهورية رفضها إيّاه. ووصل الأمر بالبعض إلى درجة اعتباره خرقا خطيرا للدستور وانقلابا يماثل ذاك الذي حصل في 7 نوفمبر، فضلا عن اتهام يوسف الشاهد بالارتماء في أحضان النهضة وتسليمها مفاتيح البلاد.
الغريب في هذه المزاعم أنّ المسألة محسومة دستوريا. فمن الواضح أنّ رئيس الحكومة المسنود بأغلبية مطلقة داخل مجلس نواب الشعب يمكنه أن يتصرّف في حكومته كما يشاء، وليس لرئيس الجمهورية أن يدلي بدلوه إلا في شأن وزيري الدفاع والخارجية. إنّ هذا الأمر على قدر كبير من الوضوح ممّا يجعله في غنى عن آراء الخبراء، وحتى عن قرارات المحكمة الدستورية التي لم تنصّب بعد. لم إذن تتواصل الاتهامات على هذه الشاكلة؟
الأمر يتعلّق قطعا بالولاءات. الباجي قائد السبسي استقال من نداء تونس إثر انتخابه رئيسا للجمهورية، لكن لا خلاف في أنّ تأثيره لايزال عميقا في الحزب الذي أسّسه، ولعلّه يعتبر نفسه أكبر منه، فالباجي صنع النداء ولم يصنع النداء الباجي. ومن الجليّ كذلك أنّ الباجي يساند شقّ ابنه حافظ داخل النداء منذ بدء الأزمة داخل هذا الحزب. من الجانب الآخر، اختير يوسف الشاهد رئيسا للحكومة عن حزب النداء وهو الذي كان من قياداته، لكنّه أعلن بشكل حاسم في خطاب وجّهه إلى الشعب التونسي عن قطيعته مع حافظ. وبدأ منذ ذلك الحين الحديث عن أزمة بين "رأسي السلطة التنفيذية".
الأزمة إذن بين رئيس مستقلّ على الورق، ولكنّه يساند شقّا معيّنا في حزبه السابق، وبين رئيس حكومة ينتمي إلى نفس الحزب لكّنه يعادي الشقّ الذي يدعمه الرئيس. كان من المفروض أن يتمّ حسم الامر بالآليات الديمقراطية داخل الحزب نفسه، لكنّ ذلك يبدو أمرا مؤجّلا على الدوام، فالنداء لم يعقد مؤتمرا انتخابيا منذ 2012، وكلّ من دخل في صراع مع شقّ حافظ اختار أحد أمرين: إما الانشقاق والانضمام إلى أحد تفريعات النداء العديدة، وإمّا التزام الصمت.
يجدر إذن عدم اعتبار النداء حزبا واحدا، حتّى فيما بقي منه. وإذا أردنا تلخيص الوضعيّة، فرئيس الجمهورية ينتمي إلى حزب حافظ، وللشاهد حزبه (حزب يوسف). هذه الوضعية تذّكرنا بحكومات "المساكنة"، كالتي عرفتها فرنسا بين الرئيس ميتران والوزير الأوّل شيراك في 1986 وبين الرئيس شيراك والوزير الأوّل جوسبان في 1997. الفرق أنّ التباين بين حزبي الرئيس ورئيس الحكومة ليس نتيجة لانتخابات، وإنّما لخلاف داخل نفس الحزب، كما أنّ حزب رئيس الحكومة ليست له الأغلبية النسبية داخل البرلمان؟
لنتأمّل الوضع على ضوء هذه المعطيات: فقد الشاهد ثقة حزب حافظ، بل ودخل في صراع معلن معه. لكنّ  حزب حافظ لم يكن قادرا على سحب الثقة منه، بما أنّه لا يملك العدد الكافي من النواب لذلك، فحاول توسيع كتلته بالاندماج مع الوطني الحرّ الذي سبق أن اُخرج من الحكومة. وجد الشاهد أنّه قادر على تأمين أغلبية كافية تغنيه عن حزب حافظ وعن أبي حافظ، ووجد أنّ الدستور يمنحه كلّ الصلاحيات لفكّ الارتباط معهما، فانتهز هذه الفرصة، وهو تصرّف معقول للغاية.
أمّا عن علاقة الشاهد بالنهضة، فهي علاقة "رابح برابح". النهضة تمتلك الأغلبية النسبية في البرلمان منذ 2016 (عندما برزت كتلة الحرّة) ولايمكنها مع ذلك أن تطرح مرشّحا لرئاسة الحكومة لأنّ ذلك سيؤدّي إلى اصطفاف الجميع ضدّها. أمّا الشاهد، فهو يحتاج إلى كتلة النهضة  ليضمن استمراره للحكم. ولا يمكن لومه بجدية على التحالف معها، لأنّ من أسّس لهذا التحالف هو الباجي نفسه.
الشاهد إذن يحمي مشواره السياسي، ولاشكّ أنّ له من الطموح ما دفعه إلى القيام بهذه الخطوة الجريئة. فهو وإن كان محميّا دستوريا، فإنّه يواجه تهمة "العقوق" باعتباره خيّر القطيعة مع الباجي قائد السبسي وسلطته المعنوية الكبيرة، وهو الرجل الذي أخرجه من النسيان ودفع به إلى رئاسة الحكومة. لكن لو لم يفعل الشاهد ذلك، لوجد نفسه في مهبّ نزوات حافظ.
الغريب في الأمر هو تعامل رئيس الجمهورية مع هذه الخلافات. فعدا الثرثرة، لا يبدو أنّه كانت هناك أيّ مساع جديّة لرأب الصدع. المقترح الوحيد الذي قدّمه قائد السبسي تمثّل في دعوة الشاهد إلى عرض حكومته لتصويت على الثقة داخل البرلمان، وهو مقترح غريب، إن لم نقل أنّه عبثيّ. ما الذي كان سيدفع برئيس الحكومة إلى المخاطرة بحكومته وبمستقبله السياسي من خلال مثل هذه الخطوة؟ قد يكون قائد السبسي عوّل أكثر ممّا ينبغي على "الطاعة" التي كان يفترض أن يتصرّف بها الشاهد إزاءه. قد يكون اغترّ بالطريقة التي انسحب بها الحبيب الصيد، إذ عرض حكومته على تصويت بالثقة خاسر مسبقا، ولم يقدّر أنّ للشاهد طموحا يفوق بكثير ذلك الذي للصيد. في جميع الأحوال، كانت حسابات رئيس الجمهورية خاطئة تماما، وتتنافى كليّا مع أسطورة السياسي المحنّك الداهية الذي يعرف دون جميع الخلق من أين تؤكل الكتف.
بقي أن نشير إلى أنّ هناك مزاعم حول تعمّد الشاهد تقديم لائحة بالوزراء الجدد إلى قائد السبسي مغايرة لتلك التي أعلن عليها فيما بعد. قد يبدو ذلك سرياليا، ولكن كل شيء ممكن في تونس اليوم. في كل الأحوال، إذا سلّمنا جدلا بذلك، وإذا كان رئيس الحكومة قدّم قائمة مغلوطة ليس فيها من اسم صحيح سوى وزير الدفاع، فهو لم يخالف نص الدستور الذي لا يجبره على التشاور مع رئيس الجمهورية إلا بشأن وزارتي الدفاع والخارجية. ربما يمكن لقائد السبسي أن ينتقده كما شاء ويتّهمه بالكذب، لكن لا يمكنه أن يزعم أنّه خرق الدستور. أمّا الحديث عن الأخلاق في سياستنا، فمسألة أخرى...

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

البحث عن خطأ


كان لا بدّ من خطأ ما...
لكي لاتكون حياتي هنا خطأ
البياض أساطير طفل
كوابيسه ذرّة من غُبارْ
كان لا بدّ من خطأ مارد
فوق أكتافه ألمس الشمس
أبذر فيها ارتعاش يدي
أتطهّر من كلّ طهر
أروّض نارا بنار
كان لا بدّ من كسر نفسي
لتلفظ من جرحها زَبَدا
لتمخّض في الجرح زبدتها
لتكون لأنقاضها قصة
ويكون لها الخلق من عدم الانكسار
كان لابدّ لي من وراثة آدم
إذ ملّ فرط الكمال
فأنجب نقصا بلا أفق
أرقا فيه يُكتشف الليل
أصبح فردوسه شفقا
صار ريحا على سرجها قلق
لا تبالي إذا رقصت هل يقرّ قرار
كان لا بدّ لي أن أكون أنا
مثلما ليس يعرفني أحد
أدّعي الشّعر ثمّ أضيق به
واُضيعُ، إذا لحن النصّ، قافيتي...


ا


الجمعة، 19 أكتوبر 2018

أصوات

أصوات لا تحصى في رأسي
منها ما يتحول أجنحة
تتناثر موسيقاها أقمارا
منها ما يضحي ثقبا أسود
يبلع مني النبض
ويخنق أنوارا
منها نمل يتشرّد في أرضي
ليرتّق شمل جماعته
لمّا تتشظى بين سنابلها
قد يهمس عاقلها:
تتبدّى الحكمة صرّارا
منها إيقاع مكسور
سيّارات تتصادم عصرا
شتم لم يُسمع من قبلُ
تثاؤب نَصْف من خلف الشّباك
أصابع تزفر حيرتها
قطّ يتسلّق أسوارا
صمتا صمتا...
لا صوت هنا...
لا شيء...
هو اللاشيء يسير
يدور، يحيط، يحاصر، يطعن، يأكل، ينهش
والميعاد غدا كبدا تتجدّد...

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

تجربتي مع المعهد النموذجي


مررت في أوّل شهر سبتمبر بقصر الحكومة بالقصبة. وجدت أنّ هناك عددا كبيرا من الأولياء (المصحوبين في بعض الأحيان بأبنائهم) في وقفة احتجاجية يطالبون بإدماج فلذات أكبادهم في الإعداديات والمعاهد النموذجية. لابدّ أنّ اقتراب العودة المدرسية أجّج الموضوع، فقد سبق أن وقف الأولياء أمام وزارة التربية بعد الإعلان عن نتائج مناظرتي السادسة والتاسعة أساسي محتجّين على قلّة الناجحين في المناظرتين قياسا إلى طاقة استيعاب هذه المؤسسات التعليمية. ربّما يكون وزير التربية قد زاد كذلك الطين بلّة لمّا أعلن أنه كان هناك قرار بالتخلي عن المعاهد النموذجية في 2009. نظرت إلى الأولياء الواقفين تحت الشمس الحارقة بإشفاق، وقلت في نفسي: ربّما يكون نضالا من أجل لاشيء. قد يكون من الأفضل ألّا تدمّروا أبناءكم في هذه المعاهد.
تبدو لي السنوات الأربع التي قضّيتها بالمعهد النموذجي بأريانة فترة فراغ رهيبة في حياتي. هو ليس ذلك الفراغ الذي تمرّ به حياتك بين فترة وأخرى، وإنّما هو الفراغ الذي يُخويك من الداخل. كنت طفلا على قدر من التوازن قبلها، وتطلّب الأمر وقتا لأستعيد شيئا من التوازن بعدها. لكنّني في تلك السنوات الأربع كنت تائها تماما.
طوال سنواتي التسع في التعليم الأساسي، تعوّدت أن أكون الأوّل في القسم. لمّا حصل أن "تدحرجت" إلى المرتبة الثانية ذات مرّة، أصابني الاكتئاب، وبدا لي وكأنّي فقدت تميّزي وأصبحت تلميذا عاديا. لمّا نجحت في مناظرة ختم التعليم الأساسي بمعدّل فاق 17 من 20، كان من البديهيّ أن يتمّ توجيهي إلى المعهد النموذجي. تردّدت قليلا. خشيت أن أصبح فعلا عاديا وسط الكم الهائل من المتميزين. خشيت كذلك من التغيير، إذ لن يرافقني أحد من أصدقائي القدامى إلى ذلك المعهد. استسلمت في النهاية إلى إغراء الانخراط في "النخبة" ودخلت المعهد النموذجي بأريانة.
كانت الثلاثية الأولى صعبة للغاية. في البداية، ظننتني بدأت آخذ موقعي في المعهد بما عرفت به من حب للأدب ومن ثقافة عامة، لكن منذ أن بدأت الامتحانات حتى عرفت أنّ ذلك لايعني شيئا.  فيما مضى، لم أكن أبذل جهدا استثنائيا في الدراسة، أما الآن، صارت الراحة ترفا. عاندت، وأصررت  ألا أبذل جهدا فوق المعتاد، فكانت النتيجة تتالي الخيبات. كنت أرى كل عدد سيء صفعة على وجهي تغوص بي في الحضيض أكثر فأكثر. في الأسبوع الأخير من هذه الثلاثية، عرفت الأرق لأول مرة، ولم أعد أستطيع أن أنام إلا بعد تناول بعض الأقراص المهدّئة. أخالني صرت كائنا ليليا منذ ذلك الحين. كدت أنهار  بعد أن اطّلعت على معدلي: 14,48 ورتبتي: الخامس عشر من ثلاثين. أصبحت تلميذا متوسطا لا يؤبه لشأنه! فكرت جديا في مغادرة المعهد إلى آخر"عادي" إثر تلك الثلاثية، وأخال أن نرجسيتي كانت ما حال دون ذلك. المغادرة كانت إقرارا بالفشل، وهو مالم أكن لأطيقه. في بقية ذلك العام  الأول، تحسنت نتائجي قليلا وقفز معدّلي إلى 15 ونيف ورتبتي إلى الثانية عشرة فيما أظن. سريّ عني قليلا وظننتني آخذا في الصعود.
لكنني كنت في الحقيقة في أعلى المنحدر. لم يل ذلك إلا التدحرج شيئا فشيئا: الرتبة الخامسة عشرة في السنة الثانية والثامنة عشرة في السنة الثالثة، فالرتبة التاسعة والعشرين في عام الباكالوريا، ذلك العام الذي لامست فيه القاع.
 لعلّ أكثر الكلمات تعبيرا عن حالتي في تلك السنوات هي: الغربة. لطالما كنت ولوعا بالفكر والأدب، إلى جانب براعتي في المواد العلمية في الأساسي. كما كنت مهتما بالشأن العام، بقدر ما يسمح الوضع لمراهق في ذلك العهد. كنت أحمل قدرا كبيرا من المثالية، وكنت أعتقد أن رسالتي هي تغيير العالم نحو الأفضل وجعله أكثر نقاء. لم يكن كل ذلك ذا قيمة هناك. الجماعة كانوا ممن يقسمون، كما كان يقول لنا أستاذ التربية الإسلامية مداعبا، بالمات والفيزيك، ولاشيء تقريبا غير ذلك كان مهما لهم. كنت أكتب الشعر، ولم تكن تلك بضاعة رائجة بالمرة، بل لعلها كانت مدعاة للسخرية. لم تكن هناك إلا قلة قليلة تعبأ بالعالم من حولها. عندما اندلعت الانتفاضة الثانية في عامي الأول هناك، كدت ألا أجد من يعلم بشأنها، فضلا عن مناقشة أخبارها. أما المثاليات، فقد كانت أمرا يدعو إلى الاستغراب. كان لي شريط للشيخ إمام (نوع من الممنوعات في ذلك الوقت) وكنت مزهوا به. خطر لي، بدافع الحماقة، أن أسمعه لزميل توسمت فيه بعض "الانفتاح"، فانفجر ضاحكا وقائلا: ماهذا الشيء الغريب؟؟
خلت حياتي من الأصدقاء تقريبا في تلك الفترة. صحيح أنّه كانت لي مجموعة من الزملاء أتقارب معها، لكن لم يصل الرابط بيننا قطّ إلى درجة الصداقة، وذلك أمر طبيعي إذ أنّ الاهتمامات كانت متنافرة بشكل لافت. لم يكن لي غير صديقين: قارئتي الوحيدة، والشخص الوحيد الذي يفكّر في غير الدراسة والتميّز في تلك المؤسسة، وهو لايزال صديقي إلى الآن. ماعدا ذلك، كنت أميل إلى العزلة والصمت. وكانت مغادرة صديقي للمعهد في سنة الباكالوريا ممّا زاد الطين بلّة.
في ذلك العام، فقدت كل رغبة في الدراسة، واستسلمت للخمول بشكل مدهش. في حين كان كل زملائي يكدحون بين الدروس الرسمية والدروس الخصوصية، كان "الحل" الذي وجدته متطرّفا: لن أفعل شيئا. لم يكن ذلك قرارا. كان ردّ فعل غير واع على حالة التخبّط التي أعيشها: ليس هذا مكاني، فلن أتعب لأجله مثقال ذرّة. كان جدول الأوقات ممتازا، إذ لم تكن لدينا أيّة دروس مسائية (باستثناء الرياضة، وهي مادة كنت معفى منها). وطبعا، لم أستغلّ ذلك لفعل أيّ شيء مفيد. إثر الغداء، كنت أنام لساعات ثم أقضي المساء في ألعاب الفيديو وينتابني الأرق ليلا وتأكلني الهواجس. لم يكن ضميري مرتاحا لهذا الخمول. كان الذهاب كل يوم إلى المعهد عذابا. انحدر تقديري لنفسي إلى أسفل سافلين. عشت كذلك في ذلك العام بالذات من أوهام الرومنسية ما لم أخرج منه إلّا بزاد من القصائد الغريبة التي ينضح بعضها سوادا. كنت أغرق، وأعلم أنّي أغرق، ومع ذلك كنت مصممّا ألّا أفعل شيئا.
 لم يتغيّر الأمر إلا في الشهرين الأخيرين. ربما كان ذلك شيئا من الشعور بالمسؤولية تجاه أبوين ينتظران الكثير من ابنهما. ربّما كان انقشاع أساطير الهوى والصفعة التي نلتها عند ذلك هي ما أيقظني قليلا. درست بجدية في ذينك الشهرين، وهو ما كان كافيا لأتحصّل على معدّل يعتبر متوسطا (في أحسن الأحوال) في المعهد النموذجي: ,7514. لم يكن يحقّ لي أن أتوقّع خيرا من ذلك، لاسيّما أنّ ذلك المعدّل كان يؤهّلني بسهولة للالتحاق بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس. عندما درست ما أحبّه، تفوّقت دون جهد يذكر. مرّت السنوات الست (بين الأستاذية والماجستير) كالحلم.
رغم كل شيء، عرفتُ في مرحلة الدراسة الثانوية بعض الفترات المضيئة. كتبت في سنة 2001 قصيدة "القدّيسة" وكانت أوّل ما نُشر لي من شعر (نشرت بمجلة المعهد، وإن كنت لم أعلم بذلك إلا بعد عشر سنوات أو أكثر) واستهللت بها مجموعتي الشعرية الأولى "ذهب الزمان الضائع". تحصّلت على أوّل جائزة لي في الشعر خلال مهرجان عيد الورد بأريانة نفس السنة. نظّم أساتذة العربية لثلاثة أعوام متتالية مسابقات شعرية للتلاميذ، وتوّجت في مناسبتين. في السنة الثالثة، ألّفت مسرحية عن هارون الرشيد وقام زملائي بتمثيلها.
خففت هذه النجاحات الصغيرة من حلكة هذه الفترة، ولكنّها عجزت عن تبديدها. لم تزل إلى الآن تباغتني أشباحي القديمة: الفراغ والغربة والتيه. هي ندبة لم يشفني منها الزمان كما يجب.
لاشكّ أن نفسيتي لم تكن جاهزة لمثل ذلك الجو، وهو ما لا ينطبق على الجميع. لمّا دخلت أختي بعد سنوات عدّة إلى المعهد النموذجي، عارضت ذلك وخشيت عليها مثل مصيري. لكنّها كانت أقوى منّي وحصدت، ولا تزال تحصد، النجاح تلو الآخر. ما أزال رغم ذلك أهمس لنفسي: أيّ فتى كنت لأكون لو تجنبت ظلام تلك السنوات الأربع.