الأحد، 10 أغسطس 2008

ثقافة الخوف (3)

نتاج هذه الثقافة إنسان خائف و الإنسان الخائف هو إنسان سلبي لا يفكّر و لا يفعل إلا إذا أذن له بذلك، وقلّما يؤذن له... يفكّرون بالنيابة عنه و يفعلون بالنيابة عنه و ليس أمامه إلا إحناء الرأس و الخضوع و إلا عدّ عاصيا فاسقا مارقا. الإنسان الخائف تحاصره المحظورات الكثيرة فتكبته و تسكته و تلجمه و تغتاله و تجعله يدمّر نفسه و يدمّر غيره و لا يجد طريقا للاحتجاج إلا في اللاشعور (من المثير للفضول أن يكون سبّ الدّين من الأمور الشائعة في حالات الغضب، أمّا مستويات السلطة الأخرى، فحدّث و لا حرج). الإنسان الخائف لا يستطيع أن يختار حياته لأنّها محدّدة سلفا بأطر ضيّقة يعدّ الخروج عنها انتحارا اجتماعيّا. الإنسان الخائف إنسان خائر العزم، لا يؤمن بنفسه لأنّه يعتقد أنّ مواهبه ستذهب سدى في ظلّ مجتمع لا يقدّرها بل و يرتاب منها بما أنّ ثقافة الخوف كفيلة بقتل أيّ شكل من أشكال الابتكار و الإبداع، أو على الأقلّ حصرها في أضيق نطاق ممكن(ككتابة قصص عن عذاب القبر)، لأنّ الإبداع لا يكون إبداعا إلا إذا كانت فيه جرأة، و الجرأة تثير في نفس من تربّى على الخوف أسئلة من قبيل : هل ما سأقوم به حرام؟ هل سيعاقبني الله إن قمت بذلك؟ و سيجيب نفسه في أغلب الحالات بما يمليه خوفه ، فحتّى إن كان العمل "مستساغا" فإنّ القواعد "الشرعيّة" من جنس "عدم الإلقاء بالنفس في المهالك" و "اتّقاء الشبهات" و الأمثال السائدة من نوع "اخطى راسي و اضرب" و "اللي خاف نجا" ستقوم بعملها. و إن تجرّأ و أبدع فإنّه سيخاطر أن يتعرّض للنبذ من مجتمع مستعدّ لأن يأخذ بأقوال أيّ من الّذين نصّبوا أنفسهم بوّابين للجنّة يدخلون إليها من يشاؤون و يخرجون منها من يريدون و الجاهزين على الدوام لإصدار فتاوى التكفير و الاتهامات بنشر الفسق و الفجور و البحث عن الشهرة الرخيصة و انتهاك المقدّسات و مخالفة النصّ الصريح و "إجماع العلماء" في حقّ أيّ مخلوق يمكن أن تصل به نفسه الأمّارة بالسوء إلى ارتكاب جريمة الإبداع و العياذ بالله !


و من المشروع التساؤل: لماذا يسود ثقافتنا كلّ هذا الخوف؟ لماذا يفرض علينا أن نخاف؟

لعلّ هذا السؤال يجد جوابه في هذه العبارة للأستاذ علي المزغنّي: " الخوف شعور من لا قدرة له على مواجهة الآخر"... التقينا بالآخر و علمنا أنّه "سبقنا إلى الحضارة بأحقاب" كما يقول ابن أبي الضياف فلم نقدر على مجاراته فآثرنا الانكفاء على أنفسنا و الاكتفاء بما نعرفه و لا نكاد نعرف غيره و هو ديننا. انكببنا عليه و ضخّمنا قشوره و فضلات قشوره و اعتبرناها الدّين نفسه، من تمسّك بها سلم و من حاد عنها ضل... غرقنا في تفاصيل تافهة عن الدّين و تشبّثنا بها و جعلنا منها قضايا مصيريّة (كالحجاب مثلا) و اتّهمنا من ناقشها بالتآمر مع الآخر لطمس معالم هويّتنا. نرفع رؤوسنا أحيانا فنجد أنّهم ابتعدوا عنّا شوطا آخر فلا نفكّر في اللحاق بهم بل ننكبّ أكثر على كتب السلف الصالح و نترحّم على زمنهم الّذي كنّا فيه سادة العالم (بل و نعيش في ذلك الزمن) و نظلّ نجترّ آراءهم و نكرّرها و لا نحيد عنها حتّى و إن كانت خرقا أبلاها الزمن ونظنّ بعد ذلك أنّنا تشبّثنا بهويّتنا و بلغنا طمأنينة المتمسّك بدينه..."هكذا نحن، فضّلنا الطمأنينة على مواجهة الأزمة، و لكنّها طمأنينة أفيون و ارتياح مؤسّس على تغييب للحاضر و إحضار للغائب"ّ(سليم اللغماني، المرجع السابق)...الخوف في الثقافة السائدة عندنا هو القيد الّذي يحول دون الانفلات من عقال "هويّتنا الدينيّة"، نربّى عليه حتّى لا نجرؤ على التفكير في التحرّر منها و نحن نراه أمامنا سيفا مشهرا في وجوهنا، و هو سلاح من فقد قدرته على الإقناع و لم يجد له ملاذا إلا الإرهاب و التخويف.

(يتبع: الجزء الرابع و الأخير)

الثلاثاء، 29 يوليو 2008

ثقافة الخوف (2)

إنّ فكرة الخوف المهيمن على ثقافتنا يمكن أن تفسّر(و لو بشكل جزئي) وجود اتّجاهين متضادين و متطرّفين (و كلّ تطرّف مذموم) في المجتمع اليوم: اتّجاه أوّل محدود و لكنّه موجود على كلّ حال يتمثّل في البعد عن الدّين الإسلامي سواء كان ذلك باتّباع طريق التنصّر ( و قد رأيت مقطعا في أحد المواقع يبرّر فيه أحدهم تنصّره بأنّه وجد الله في الإسلام بعيدا عن البشر، و أيّ بعد أكثر من أن يكون الله قامعا لخلقه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا) أو باتّباع طريق الإلحاد أي نبذ فكرة الدّين نهائيّا و أعتقد أنه في الحالتين وقع هناك دمج في الأذهان بين ثقافة مصطبغة بالدّين تكرّس الخوف في جلّ جوانبها و تمنع من تحقيق الذات و بين الدّين ذاته ممّا أدّى بأصحاب هذا الاتّجاه أن يهربوا إلى حلّ جذريّ عنيف و تبسيطيّ للغاية إذ رفضوا الدّين (الإسلامي) اعتقادا أنّه تسبّب في وجود هذه الثقافة. أمّا الاتّجاه الثاني الأكثر انتشارا هذه الأيّام فهو "التديّن المفرط" الّذي يمارسه بعض الشبّان بإطلاق لحاهم و ارتداء "عرّاقية" و قميص فضفاض و الحرص على أن يكون السروال مشمّرا يعلو الكعبين بما لا يقلّ عن 2,5 مم و كذلك بعبوس الوجوه و التذمّر من الانحراف عن "السلف الصالح". هؤلاء هربوا من الخوف إلى مزيد من الخوف فداووا خوفهم المتولّد من الخضوع لسلطة الخوف إلى الانخراط في هذه السلطة و ممارستها ضدّ الآخرين. هؤلاء يظنّون أنّهم امتلكوا الطمأنينة و راحة البال في طرفة عين و لكن ما امتلكوه حقّا هو السلطة، سلطة الاستحواذ على "الحقيقة المطلقة" و التحدّث باسمها و حتّى إجبار الآخرين على الانصياع إليها فتراهم يعظون الفسّاق العاصين (الّذين كانوا منهم بالأمس) بل و يمارسون أحيانا الإفتاء في ثقة المتيقّن من علمه الغزير الّذي قضّى في تحصيله أكثر من 24 ساعة ( كما يقول عنهم أحد الأصدقاء: يصلّي ركعتين ثمّ يفتي).


و لا تقتصر آثار هذه الثقافة على إنتاج التطرّف باتّجاهيه، فمثل هذه المواقف تبقى، إلى حدّ الآن فيما أرى، هامشيّّة و مقتصرة على عدد محدود من الأفراد ولكن لعلّ خطورة هذه الثقافة تكمن في كونها لا تقتصر على الجانب الديني "البحت" بل تمتدّ لتشمل كافة جوانب الحياة و تؤسّس للاستبداد و القمع في جميع مستوياتها وهو ما يعزى إلى ما يمكن تسميته " الطابع التأسيسي للدّين" (لعلّها سمة مشتركة لمجتمعات ما قبل الحداثة) إذ أنّ جميع السّلط في المجتمع،انطلاقا من العائلة (سلطة الزوج، الأب) وصولا إلى الدّولة، تستمدّ مشروعيّتها بشكل من الأشكال من الدّين حتّى و إن كانت علاقتها بالدّين لا تعدو أن تكون شكليّة، إذ أنّ النظرة إلى الدّين في هذه المجتمعات لا تعرف الوقوف عند حدود العبادات و الغيبيّات بل لا بدّ أن يكون له (أي الدّين) موقف من كلّ ما يحدث في المجتمع، فلا تتأسّس سلطة داخله إلا بمباركته، ففيما يخصّ السلطة السياسيّة مثلا نجد أنّ بعض الدّول "الحديثة" تستند إلى مفهوم الإجماع المأخوذ من علم أصول الفقه ( و هو مفهوم غامض لا يكاد يتّفق على مضمونه فقيهان و هذا الغموض يستغلّ من طرف من يملك القوّة اللازمة للتحدّث باسمه) لتبرّر قمعها لجميع من يخالفها بدعوى حماية المجتمع من الطغمة الفاسدة الّتي تهدّد "إجماع" المجتمع. و تتعزّز هذه المشروعية إذا كانت السلطة السياسيّة تحتكر الحديث باسم الدّين و ذلك من خلال تدويل مؤسسّاته كدور الإفتاء(انظر أسماء نويرة بن دعيّة، مفتي الجمهوريّة في تونس) و احتكار وظيفة الإشراف عليه و تعميم الدعاء لوليّ الأمر على المنابر، و لا ننسى أنّ طاعة وليّ الأمر مبدأ متّفق عليه بين جلّ المذاهب على اختلاف أسسها إذ يؤسّسه الشيعة على نظريّة عصمة الإمام (وهي نظريّة يبدو أنّه وقع تبنّيها من قبل أنظمة معاصرة غير شيعيّة) و يؤسّسه السنّة على الخوف من الفرقة حتّى إن كان الحاكم وصل إلى الحكم بطريقة غير شرعيّة إذ يقول الشافعي أنّ أيّ قرشيّ غلب على الخلافة بالسيف حتّى بايعه الناس فهو خليفة (انظر محمّد الجويلي، صورة الزعيم في المخيال العربي الإسلامي). فالعلاقة بين الحاكم و المحكوم في مثل هذه المجتمع لا تتأسّس على عقد اجتماعي عقلاني يقوم على توازن بين حقوق و واجبات كلّ منهما بل أنّ كفّة الميزان تميل بشكل واضح في اتّجاه تكريس واجب الطاعة المطلقة لوليّ الأمر، باعتبارها فريضة دينيّة، بما تعنيه هذه الطاعة من خضوع و امتثال و..خوف، إذ يكون من يعارض هذه السلطة أو يجرؤ على مناقشتها زائغا ضالا مضلا منحرفا عن "إجماع المجتمع" يجب استئصاله للحفاظ على كيان "الأمّة". لذلك إذا ما تمادى صاحب السلطة في الظلم فإنّ الحلّ هو الصبر "الجميل" على الأذى (فرارا من وصمة الانحراف هذه) و انتظار قد يبلغ الأبديّة لمجيء الحاكم المثالي الّذي تتماهى صورته عندنا مع صورة "المستبدّ العادل"، ذلك المستنير الّذي يمسك بزمام جميع الأمور بيده و يقودنا بعصاه إلى تحقيق الفردوس الأرضي و هذا النوع من الحكم "يفترض إماما معصوما و مالكا للحقيقة بالكشف و الإلهام، حكم يفصل بين الراعي و الرعيّة و يجعل بينهما نفس المسافة الّتي تفصل راعي الإبل عن إبله" (سليم اللغماني، "الحداثة و الديمقراطيّة"، في "مقالات في الحداثة و القانون").

(يتبع)

الاثنين، 28 يوليو 2008

ثقافة الخوف (1)

جاءتني منذ أشهر رسالة عبر البريد الالكتروني أقل ما يمكن في وصفها أنّها مرعبة. تروي هذه الرسالة "حياة" امرأة بعد موتها داخل قبرها في تفاصيل دقيقة مخيفة حتّى يبدو كأنّ كاتب الرسالة عاشها بنفسه. هذه المرأة و رغم أنّها كانت مؤمنة فإنّها أوشكت أن تتعرّض للعذاب، و بئس المصير، لأنّها كانت تؤخّر صلاة الفجر و فعلا " سارت أمام منكر ونكير في سرداب طويل حتى وصلت إلى مكان أشبه بالمعتقلات ..." و كادت أن تعذّب فعلا لولا هدف الدقيقة 90، إذ جاءها دعاء من ولدها قام بترشيحها إلى الدور القادم، و هي نهاية مفتعلة ذكّرتني بالحلقات الأخيرة لبعض المسلسلات المصريّة الفاشلة.
أغضبتني هذه الرسالة جدّا و قمت بتسجيل"احتجاج شديد اللهجة" لمرسلها (تشبّثا بتقاليدنا العريقة في الشجب و التنديد و الاستنكار) إذ اعتبرتها تكريسا لهروب من مواجهة الواقع و إغراق في تفاصيل غيبيّة لا تزيد و لا تنقص (و لو أنّ في الرسالة نقطة ايجابيّة إذ أنّها كتبت بأسلوب سليم يكشف عن موهبة قصصيّة من المؤسف أن تذهب في مثل هذا الاتجاه). ..حكاية عذاب القبر هذه لم تثر في يوم من الأيّام اهتمامي لأنّي أعتبر أنّي لست في حاجة لمعرفة شيء عنها. كلّ ما أحتاج لمعرفته عن مرحلة ما بعد الموت أنّ من يعمل عملا صالحا سيعيش النعيم الأبدي و أنّ من يغلب شرّه سيعيش عذابا أبديّا. كانت حكاية هذه الرسالة ستذهب طيّ النسيان لكنّني فوجئت مؤخّرا بأنّها موجودة مرّة ثانية في صندوق بريدي غير أنّ شخصا آخر هذه المرّة قام بإرسالها ممّا يعني أنّها ظلّت طوال هذه الفترة تتنقل من شخص إلى آخر و لا أتصوّر أنّ كلّ من يتسلّمها تبلغ به "المتعة" حدّا يجعله يرغب في أن يشاركه فيها أشخاصا آخرين بل الأرجح أنّ ذلك يعود إلى خوف من سوء العاقبة خاصة أنّ كاتب الرسالة يقسم "بالعزيز الجبّار"(اختيار دقيق للصفات الإلهية) على من يتسلّم هذه الرّسالة أن يبعثها "لكلّ الموجودين" و لعلّ ذلك يعني تهديدا لمن لم يفعل بعذاب أشدّ من المذكور في الرسالة. بعدها بأيّام قرأت في الركن الدّيني لإحدى الصحف اليوميّة التونسيّة حكاية عن أحد الزهّاد سمع من يتحدّث عن عذاب القبر فخاف خوفا شديدا و ركض بعيدا ثمّ وجد بعد ذلك ميّتا (و هي فرصة له ليحيط علما بالجانب التطبيقي لعذاب القبر بعد أن استمع لجانبه النظري). الأسلوب الّذي وردت به هذه القصّة كان لا يخلو من التمجيد و التعظيم من شأن هذا العابد الزاهد المتبتّل الّذي بلغت به التقوى حدّا جعله يموت خوفا لتتماهى بذلك صورة المسلم التقيّ مع الإنسان الخائف المرعوب. الكتب الّتي تتحدّث عن عذاب القبر و أهوال يوم القيامة تباع أحيانا على قارعة الطريق و تلقى إقبالا كبيرا. خطباء المساجد لا يقصّرون في الإشارة إلى عذاب العصاة في الآخرة و حتّى في الدنيا... كلّ هذا و غيره يدلّ على أنّ ثقافتنا موسومة بالخوف و التخويف....
نربّي منذ الصغر على الخوف، الخوف من الله القويّ الجبّار العزيز المنتقم و يحذّرنا آباؤنا من ارتكاب أيّ هفوة و لو كانت بسيطة بدعوى أنّ الله "سيحرقنا بالنار" إن فعلنا. إذا استعملت يدك اليسرى للأكل، حتّى و إن كنت ولدت أعسر، فإنّ ذلك يعني أنّك مثيل للشيطان(قرأت في إحدى المجلات العربيّة الموجّهة للأطفال و الّتي تعرف انتشارا واسعا أنّ استعمال الشوكة و السكّين بما يعنيه من تناول للأكل باليسرى بدعة غربيّة تبعدنا عن ديننا)...إذا أبديت جرأة و نشاطا توصف بأنّك "شيطان" و ليس مثيلا له هذه المرّة (رأيت أمام إحدى المدارس الابتدائيّة فتاة تتحدّث مع أمّ صديقتها بثقة و جرأة نالتا إعجابي فلمّا انصرفت وصفتها هذه الأمّ بـ"الشيطنة" و قلّة الأدب! فالطفل المثالي لدى الأولياء هو "العاقل" أي الخامل المرعوب الّذي لا يجرؤ على التلفظ بكلمة)...نكبر و يكبر خوفنا معنا... عدم طاعة الوالدين، حتّى و إن كان ما يطلبانه بادي التعسّف، عقوق و هو أحد الكبائر. الحبّ معصية كبرى تستنزل غضب الله (أو حتّى ما دون الحبّ، ففي إحدى المرّات عبّرت عن إعجابي بجمال إحدى الممثّلات أمام طفلة من العائلة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات فما كان من هذه الأخيرة إلا أن شهقت في استنكار و أسرعت إلى أولي الأمر لتبلغهم بهذه الخطيئة)... إطلاق العنان للإبداع قد يصبح تطاولا على الذات الإلهية يستحقّ سخط الله (كفّر بعضهم أبا القاسم الشابي عندما قال بيته الشهير: "إذا الشعب يوما أراد الحياة..فلا بدّ أن يستجيب القدر" بهذه التعلّة)... أمّا التفكير في تحديث التشريع الإسلامي ،حتّى و إن كان ذلك بالاستناد على روح القرآن الكريم و مقاصده، فهو الطامة الكبرى الكفيلة باقتطاع تذكرة مباشرة إلى الجحيم و الخلود فيها أبد الآبدين (رحم الله بورقيبة رحمة واسعة)...
كيف يمكن أن تكون علاقتنا بالله إذا كنّا نربّى منذ الصغر على الرعب منه؟ هل يمكن أن نكون مؤمنين حقّا إذا كان الله يقدّم إلينا كجبّار ساديّ يتلذّذ بتعذيب خلقه حتّى على أصغر الهفوات؟ أ ليس الإيمان هو المحبّة الخالصة للّه؟ أ تجتمع المحبّة مع الخوف البالغ درجة الرعب؟ أ ليس الرعب أقوى المبرّرات للوقوع في الكره و بالتالي الخروج عن دائرة الإيمان بما أنّه من الصعب على الإنسان أن يحبّ قامعه؟ أ ليس في هذه النوع من التربية انحرافا عن جوهر الذات الإلهية بما أنّ الله هو كذلك الرحمان الرحيم الغفور التوّاب العفوّ؟ لماذا تنسى هذه الصفات و تظلّ فقط نظريّة ولا تذكر إلا على مضض و افتعالا كما في قصّة عذاب القبر آنفة الذكر؟

(يتبع)

الأحد، 25 مايو 2008

نظرة في "أوبريت الضمير العربي"

لمّا قام الرحابنة بانجاز أغنية "راجعون" سنة 1957، اعتبرها النقّاد بمثابة الثورة في طريقة تناول القضيّة الفلسطينيّة إذ تمّ الخروج من معجم البكاء و الندب و التحسّر على الأرض الضائعة إلى الحديث عن الأمل و الثورة و التمرّد و الثقة في العودة الأكيدة و قد تأكّد هذا الاتّجاه في الأعمال اللاحقة للرحابنة التي كان من أبرزها "زهرة المدائن"...
في الحقيقة لا أعرف شيئا عن الأعمال السابقة لـ1957 حتّى يمكن لي التأكّد من صحّة هذا القول و لكن أعتقد أنّه كان من الطبيعي أن يكون ردّ الفعل التلقائي على النكبة هو الحزن و ذرف الدموع قبل أن يستيقظ الوعي في اتّجاه التفكير في استعادة الأرض المسلوبة.. و لكن عندما شاهدت "أوبريت الضمير العربي" الّتي حدّثت عنها طويلا و أحيط بهالة من المدح و التقريظ دون أن تتسنّى لي مشاهدته سوى منذ أيام أحسست بأنّ أكثر من خمسين سنة من الارتقاء في المعالجة الفنيّة قد قوّضت لنعود إلى الوراء، إلى النواح و البكاء... شعرت أنّني أشاهد عملا من تلك الأعمال البدائيّة الّتي أسعفني الزمان بعدم مشاهدتها ..
زعم أحد مؤلّفي الأوبريت (الشاعر المصري سيّد شوقي) أنّ "الهدف الحقيقي من الأوبريت التركيز على ضرورة استيقاظ الضمير العربي..." و لكن بالنظر في الكلمات، لم أجد شيئا من الممكن أن يساهم فعلا في إيقاظ هذا الضمير، فما يغلب على العمل هو ذكر الموت، فرغم أنّه وقعت الإشارة في أحد المقاطع إلى استحالة موت الضمير العربي إلا أنّ هذا كان في تناقض مع النزعة الغالبة على "الأوبريت" الّتي تبدو في اللازمة نفسها:
"ماتت قلوب الناس..ماتت بنا النخوة
يمكن نسينا في يوم..إنّ العرب إخوة
"
و يتأكّد من خلال باقي المقاطع كما هو الحال في هذا المقطع:
" مات الإحساس جوانا..و لا إحنا الّلي أموات
و لا ضمير العالم..خلاص إحساسه مات
"
و أتساءل : إذا كان الشاعر يؤمن أنّ عمله مساهمة في صحوة الضمير، لماذا ينعى في عمله هذا الضمير؟ هل سيحيي ما يعتقد في قرارة نفسه أنّه مات و أصبح رمّة بالية؟ أعتقد أنّ هذا العمل كان ندبا للضمير العربي أكثر ممّا كان رغبة في إيقاظه، فمعجم الصحوة و إن كان موجودا فإنّ حضوره كان باهتا للغاية و بعبارات غاية في السذاجة كـ"لازم نكون صاحيين"، " أيقظ ضمير الأمّة"، "صحّي قلوب الناس"...(كأنّه يكفي أن تقول للضمير اصح فيفيق) و هذه السذاجة كانت سمة غالبة على كامل "الأوبريت" الّتي بدت لي جديرة بأن يغنّيها شعبان عبد الرحيم(مع احترامي له). لست ضدّ البساطة بل بالعكس هي محبّذة في مثل هذه المواقف حتّى يمكن للعمل أن يصل إلى الجميع و لكن أن تتحوّل البساطة إلى عبارات شعاراتيّة فارغة جوفاء فقط ليقال أنّ العمل مساهمة في صحوة الضمير فإنّ ذلك يكون نوعا من المتاجرة بالقضيّة و هو ما يتأكّد من خلال نوعيّة "الفنّانين" المشاركين في هذا العمل فهم ليسوا بالضبط ، على الأقل في أغلبيّتهم الساحقة، من نوع الفنّانين الملتزمين الّذين يودّون تبليغ رسالة ما بل هم من النوع الّذي هوجم مرارا من قبل النقّاد بسبب ضعف أدائه الفنّي(حتّى لا نقول شيئا آخر).. منهم من لم أسمع عنهم قطّ قبل هذا العمل و أنا على يقين أنّهم سيضيفون إلى سيرهم الذاتيّة مشاركتهم في هذا العمل و يصرّون بسبب ذلك على منحهم لقب المناضل.
من الناحية الدرامية، احتوت "الأوبريت" على مشاهد تلخّص تطوّر الأوضاع العربيّة و هي مشاهد كان شبح الموت حاضرا في جميعه و هي و الحقّ يقال مشاهد مؤثّرة للغاية قادرة أن تستدرّ معين الدموع في قلب كلّ عربي و لكن أشكّ في كونها قادرة على أن تساهم في إحياء الضمير العربي. هي مشاهد نراها و أمثالها في كلّ شريط أخبار. قد نتأثّر بها لحظتها و لكن سرعان ما ننساها لأنّنا تعوّدنا عليها و التعوّد على الشيء ينسيك قيمته و كما قالت ماجدة الرومي في حديث مع قناة عربيّة:" نحن شعب تخدّر بالموت حتّى لم يعد يؤثّر فينا". طغت هذه المشاهد على العمل و جعلته شريطا وثائقيّا تتخلّله بعض الأغنيات و هو ما حطّ من قيمة "الأوبريت" الّتي من المفروض أن تكون عملا غنائيا بالدرجة الأولى.
على المستوى "التقني"، هناك ملاحظة تخصّ اللازمة الّتي أعيدت طوال العمل إلى حدّ الإضجار و من المفروض أن تكون ذات مستوى جيّد أو أن تكون على الأقلّ سليمة خالية من الأخطاء حتّى يمكن أن تحفظ و تردّد و لكنّها لم تكن كذلك و أعني بالتحديد عبارة "ماتت بنا النخوة".. سمعتها لأوّل مرّة "ماتت من النخوة" و لم أفهم كيف يمكن أن تقتل النخوة صاحبها و لمّا سمعتها بالشكل الصحيح زادت دهشتي. غنيّ عن الذكر أنّ التعبير الصحيح هو "ماتت فيها النخوة" و لا يمكن أن يكون تعويض "فيها" بـ"بها" إلا جوازا شعريّا سيّئا للغاية لا يمكن للشاعر أن يستعمله عادة إلا ضرورة و بكثير من التردّد، فما بالك إن تعلّق الأمر بلازمة عمل "نضالي"؟
اُريدَ لهذا العمل أن يكون نسخة ثانية من "الحلم العربي" و لكنّه كان أدنى منه بكثير من حيث القيمة الفنيّة و إعلانا مصطبغا بلون اليأس و القنوط عن موت الحلم. قد تكون نيّة أصحاب العمل حسنة و لكنّ حسن النوايا وحده لا يمكن له أبدا أن يبني عملا فنّيّا جيّدا.

الأربعاء، 7 مايو 2008

ما هي صورتك الصينية من العناصر المحليّة؟

أشكر هناني على دعوتي للمشاركة في هذا الاستجواب الطريف(رغم أنّها من الناحية التقنية وجّهت الدعوة إلى ابني، معاذ المطوي).

إن كنت شجرة فما هي؟ شجرة سرو
إن كنت أكلة فما هي؟ بركوكش

إن كنت زهرة فما هي؟ وردة حادة الأشواك

إن كنت قرية أو دشرة أو حارة فما هي؟ المطوية، بكل تأكيد

إن كنت قصيدة فما هي؟ معلّقة عمرو بن كلثوم
إن كنت شخصية تاريخية فمن تكون؟ حمودة باشا الحسيني

إن كنت شخصية خرافية فمن تكون؟ بروموثيوس

إن كنت واديا أو نهرا فما هو؟ نهر الأردن الّذي سيمحو آثار القدم الهمجية
إن كنت شخصية قصصية فمن تكون؟ سيرانو دي برجراك
إن كنت حيوانا فما هو؟ أسد
إن كنت حليا فما هو؟ عقد في عنق حسناء
إن كنت لباسا فما هو؟ مريول الجمعيّة :)
إن كنت شذى أو رائحة فما هي؟ بخورعامل عجعاجي
إن كنت موقعا فما هو؟ جبل الشيخ بلبنان

أو جّه الدعوة للمشاركة لكلّ من: معز، بيل سون، مصطفى، أرابيكا، طارق الكحلاوي، بيبو شلافط

الأحد، 20 أبريل 2008

"إيماني ساطع"

في مسرحيّة المحطّة الّتي عرضت ببيروت سنة 1973، تقوم فيروز بدور فتاة تأتي إلى حقل و تزعم أنّ هناك محطّة مطمورة تحته و أنّ القطار سيصل إليها فيسرع الناس لاقتناء التذاكر و لكن بعد مرور فترة طويلة دون أن يظهر للقطار المزعوم أيّ أثر يفقدون ثقتهم في الفتاة و يأتي رجال الشرطة للقبض عليها لنشرها أنباء كاذبة و لكنّها لا تفقد لحظة إيمانها بنفسها و تؤدّي أغنية هي أقرب من أن تكون ترتيلا:
إيماني ساطع يا بحر الليل
إيماني الشمس المدى و الليل
لا بيتكسر إيماني
و لا بيتعب إيماني..
و فجأة يظهر القطار
تذكّرت هذه الأغنية عندما قرأت التدوينة الأخيرة لبيل سون و خصوصا عبارتها الختاميّة: "إذا أردت أن يقدّرك الناس فعليك أن تبدأ بتقدير نفسك"، و لعلّ هذه الجملة تلخّص وضعنا الحالي و مآلنا أيضا...
لماذا لم نتقدّم ؟ هذا السؤال العويص الّذي نطرحه على أنفسنا منذ عدّة قرون قد يكون جوابه بسيطا للغاية: لأنّنا لا نؤمن في قرارة نفوسنا أنّنا نستطيع التقدّم و هذا الإيمان هو الخطوة الأولى لتحقيق أيّ نهضة. في بلداننا الناس يعيشون لمجرّد العيش و لا يهمّهم كثيرا التفكير في أسباب تخلّفهم و إذا عنّ لأحدهم أن يفكّر و يحاول أن يبدع و يجد وسيلة للتغيير فإنّ ردّ الفعل هو ضحكات سخريّة و سؤال تهكّمي: "من تظنّ نفسك؟" لأنّ كلّ محاولة للخروج من النواميس الاجتماعيّة الّتي تحدّد حياة الفرد منذ ميلاده حتّى وفاته مرفوضة مسبّقا من كلّ المحيطين به و كأنّ الفرد يتحدّى القدر المرسوم في اللوح المحفوظ إذا فكّر لمجرّد لحظة في تغيير مجرى حياته. لذلك فإنّ الهجرة إلى الغرب هي الحلم الكبير الّذي يدغدغ أفئدة كلّ الشباب و كيف لا و هو يعلم أنّ الإبداع هناك غير معاقب عليه و أنّه يمكن له أن يحلم كما يريد و أن يسعى لتحقيق أحلامه الّتي تبدو تافهة لأبناء وطنه دون أن يتّهم بالجنون...
و قد وصل انعدام الإيمان في أنفسنا إلى درجة جعلتنا نشككّ في هويّتنا و ننكر عروبتنا و نتنكر لإسلامنا ونطالب بهويّة مستوردة لكي نتقدّم و أحسب أنّ أصحاب مثل هذه المقولات هم من بلغ منهم اليأس من هذا الشعب حدّا جعلهم يرون أنّ لكي يتقدّم فعليه أن ينقلب شعبا آخر و بعبارة أخرى فعليه أن يقتل نفسه كي يمكنه أن يتدرّج في سلّم الحداثة، و يرحم الله محمّد فاضل الجمّالي لمّا سئل إن كانت اللغة العربية تصلح للتدريس الجامعي فأجاب:"إنّه لما يحزّ في النفس ...أن يوجّه إلى عربي سؤال بهذه الصيغة و كان الأجدر أن يكون السؤال: هل يصلح العرب للبقاء في هذا العصر أم هم أجدر بالفناء؟".
أعتقد أنّه مهما رسمنا من مخطّطات دقيقة و مهما اخترنا من إيديولوجيات مغرية و مهما استوردنا من وسائل حديثة فأنّ كلّ هذا المجهود سيذهب هباء منثورا إذا كنّا نعتقد أنّنا بشر من درجة ثانية، من درجة وضيعة محكوم علينا أن نعيش ما عشنا قانعين مستهلكين نهذي بتقديس أجداد لنا بنوا حضارة عظيمة أو حتّى أسلاف أقرب من ذلك فنتحسّر على زمن الفنّ الجميل و زمن الزعماء الكبار( المفارقة أنّ هؤلاء الزعماء هم من صنعوا النكسة!) و نكرّر إلى حدّ الملل هذه الاسطوانة أو ننظر إلى الغرب المتقدّم الراقي نظرة المتأمّل في الشمس حتّى يعمى، و بين الأسلاف العظام و" الجيران" العظام نسترق اللحظ أحيانا إلى أنفسنا و نقارنها بهم فنجد أنفسنا نفاية أمامهم على أحسن تقدير إن لم نكن عدما فنرتعب و نكره أنفسنا . هذه هي النظرة الّتي نحملها عن أنفسنا و هذه هي النظرة الّتي منعت تقدّمنا و ستظلّ تمنعه، و هذه هي النظرة الّتي يجب أن تمحى من صدورنا و تجتثّ من جذورها و يعوّضها في النفوس "إيمان ساطع" بقدرتنا على أن نغيّر واقعنا و نتحكّم في مصيرنا و هو ما يستدعي النظر قبل كلّ شيء في جذور هذه النظرة ، الشيء الّذي يستوجب عملا أكثر تعمّقا و تفصيلا من هذه التدوينة "البرقيّة" التمهيديّة...

الاثنين، 24 مارس 2008

مخدّرات قانونية

تسمح بعض الدول ،كهولندا مثلا، باستهلاك بعض الأنواع من المخدّرات ممّا يعني أنّه يمكن في هذه البلدان للشخص أن يتعاطى مواد مخدّرة دون أن يخشى التعرّض إلى عقاب قانوني ما و يبرّر عادة هذا السماح بالليبراليّة الّتي تعطي للإنسان جميع الحريّات بما فيها حريّة أن يدمّر نفسه و لعلّ خطورة مثل هذا السماح تكمن في أنّ مستهلك المخدّرات لا يشعر بأنّه يرتكب خطأ إذ يمكنه الاستسلام لشهوة الانفلات من قيود الوعي دون أن يخشى عقابا، و لعلّه يفتخر بذلك على "سجناء الوعي" الّذين لا يسمحون لأنفسهم بالانعتاق من القيود الّتي تكبّلهم و لكن ان كان الاستهلاك غير معاقب عنه، فالأمر ليس كذلك بالنسبة للترويج الّذي يظلّ مجرّما و ذلك عكس بعض الدّول الّتي تحرص على توفير مقوّمات النشوة و الذّهول و الخروج عن الوعي لشعوبها بصورة دائمة اذ لا تفرض عقوبات لا على المستهلكين و لا على المروّجين بل أنّ هؤلاء يحظون بتقدير كبير و مكانة مرموقة و هم المعروفون عندنا بالمطربين و أصحاب "الطرب الأصيل"..
و حسب الأمثلة الّتي تعرض دوما كنماذج لهذا "الطرب الأصيل"، يبدو أنّ هذا المصطلح يشمل كلّ أغنية تدوم لمدّة طويلة و الّتي يتكرّر فيها المقطع الواحد عديد المرّات(تكفي في العادة لحفظ الأغنية من أوّل سماع) و لا يخرج موضوعها عن المعاني المتكرّرة و الممجوجة : الهجر و الصدود و العواذل و الحبّ الضائع و الرغبة في الوصل، وحتّى تعابيرها معروفة و محفوظة :" الغزال" و "القمر" و "البدر" و"غصن البان" و" روحي" و "حياتي" إضافة طبعا إلى "الليل" و "العين"، إلى درجة تجعل من الصعب التمييز بين مختلف هذه الأغاني و رغم ذلك يقابلها الجمهور في كلّ مرّة بصيحات الإعجاب و الاستحسان و التصفيق الحار كأنّه يسمع في كلّ مرّة فريدة عصره و لا غرابة في ذلك بما أنّه قد وضع تحت تأثير موسيقى من نسل ما عزفه الفارابي في ختام لقائه الأوّل بسيف الدّولة و تأثير مغنّ يتفنّن في ابراز امكانيّاته الصوتيّة(و هذه النوعيّة من الأغاني لا يميّزها سوى هذه الامكانيات الصوتيّ) و في اظهار التفاعل الشديد مع ما يؤدّيه و يتلاعب بالجمهور كيفما شاء، الجمهور الّذي يستولي عليه الذهول و يغرق في هذه النشوة إلى حدّ يجعله مسلوب الإرادة، غير قادر على التمييز بين غثّ المعاني و سمينه فيعيض لحظة من الغياب عن العالم يستيقظ منها و هو يعاني آثار الخُمار..
و أحبّاء "الطرب الأصيل" عريقون في الدّيمقراطيّة و حريّة التعبير اذ أنّهم يتمتّعون بالحقّ المطلق في نقد كلّ ما يصنّفونه خارج دائرة الطرب(في أغلب الأحيان هي "سخريّة عصبية" و ليست نقدا) و يترحّمون على زمن العمالقة، و لكن إذ اجترأ شخص على ذكر كلمة نقد واحدة في أحد المطربين العظام، فستكون الطامة الكبرى و داهية الدواهي و سيتّهم بالمسّ بالمقدّسات الفنيّة و الاضرار الفادح بالنظام العام الفنّي و ربّما بالتعامل مع أطراف أجنبيّة تريد طمس معالم هويّتنا الفنيّة الأصيلة.. أما "المطربون" الحاليون، فانّهم لا يحتاجون إلى كبير عمل اذ يكفي حفظ بعض الأغنيات القديمة من "زمن الفنّ الجميل" و الطواف بها في المهرجانات و الحضور في البرامج التلفزية و التباهي بالقدرات الصوتيّة الخارقة للعادة الّتي نوّه بها فلان و أثنى عليها علان و التحسّر على الحظ الأحرف و انحطاط الأذواق و تآمر المنحطّين فنيّا عليهم..
أجد من الصعب أن أعتبرهذا "الطرب الأصيل" فنّا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنّ تخدير المجتمع و تنويمه و الإصرار على اغراقه في الغيبوبة لا يمكن أن يكون عملا ابداعيّا.. عندما يتحدّث البعض عن "الست" و يعتبرها، هزلا أو جدّا لست أدري، مسؤولة عن النكسة فإنّ في هذا القول جانبا من الصحّة، اذ الأمر لا يقتصر على مطرب بعينه بل الإقبال على هذه النوعيّة من الغناء هو مرآة لثقافة كاملة ترفض الوعي و تحرص على أن تغيب عن مشاكل واقعها بمختلف أنواع المخدّرات، ثقافة تكرّس الخمول و تؤمن بالحظّ(قرأت مرّة مقالا لصحفي شهير يهاجم فيه ماجدة الرومي، و هي من القلائل الّذين يمكن وصفهم بالفنّانين، و يتّهمها يضعف الامكانيات الصوتيّة و يمجّد أمينة فاخت و يلعن الحظ الّذي جعلها أقلّ شهرة منها) و تبكي على الأطلال و لا تحرص على حسن توظيف مواهبها.. الفنّ لا يمكن أن يكون مجرّد صوت جميل و كفى، صوت يؤدّي من الأغاني ما لا يلامس وجدانك أو يخاطب عواطفك أو يحرّك احساسك أو يعالج أيّ مشكلة من مشاكلك(في هذا الإطار، يمكن أن تكون أيّ أغنية مزود، النوعيّة الّتي بقيت مهمّشة طويلا، أرقى فنيّا ممّا يسمّونه طربا)..الفنّ، رسالة مقدّسة تهدف للرقيّ بالمجتمع و إصلاحه دفعه نحو الأفضل، رسالة ينبغي على حاملها الّذي ألقى الله في نفسه الموهبة أن يلتزم بها و يحارب دفاعا عنها و يصبر لنشرها صبر الأنبياء و إلا لن يكون جديرا بتلك الموهبة و يكون من الأفضل له و للجميع أن يجعلها نسيا منسيّا..