الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

البحث عن خطأ


كان لا بدّ من خطأ ما...
لكي لاتكون حياتي هنا خطأ
البياض أساطير طفل
كوابيسه ذرّة من غُبارْ
كان لا بدّ من خطأ مارد
فوق أكتافه ألمس الشمس
أبذر فيها ارتعاش يدي
أتطهّر من كلّ طهر
أروّض نارا بنار
كان لا بدّ من كسر نفسي
لتلفظ من جرحها زَبَدا
لتمخّض في الجرح زبدتها
لتكون لأنقاضها قصة
ويكون لها الخلق من عدم الانكسار
كان لابدّ لي من وراثة آدم
إذ ملّ فرط الكمال
فأنجب نقصا بلا أفق
أرقا فيه يُكتشف الليل
أصبح فردوسه شفقا
صار ريحا على سرجها قلق
لا تبالي إذا رقصت هل يقرّ قرار
كان لا بدّ لي أن أكون أنا
مثلما ليس يعرفني أحد
أدّعي الشّعر ثمّ أضيق به
واُضيعُ، إذا لحن النصّ، قافيتي...


ا


الجمعة، 19 أكتوبر 2018

أصوات

أصوات لا تحصى في رأسي
منها ما يتحول أجنحة
تتناثر موسيقاها أقمارا
منها ما يضحي ثقبا أسود
يبلع مني النبض
ويخنق أنوارا
منها نمل يتشرّد في أرضي
ليرتّق شمل جماعته
لمّا تتشظى بين سنابلها
قد يهمس عاقلها:
تتبدّى الحكمة صرّارا
منها إيقاع مكسور
سيّارات تتصادم عصرا
شتم لم يُسمع من قبلُ
تثاؤب نَصْف من خلف الشّباك
أصابع تزفر حيرتها
قطّ يتسلّق أسوارا
صمتا صمتا...
لا صوت هنا...
لا شيء...
هو اللاشيء يسير
يدور، يحيط، يحاصر، يطعن، يأكل، ينهش
والميعاد غدا كبدا تتجدّد...

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

تجربتي مع المعهد النموذجي


مررت في أوّل شهر سبتمبر بقصر الحكومة بالقصبة. وجدت أنّ هناك عددا كبيرا من الأولياء (المصحوبين في بعض الأحيان بأبنائهم) في وقفة احتجاجية يطالبون بإدماج فلذات أكبادهم في الإعداديات والمعاهد النموذجية. لابدّ أنّ اقتراب العودة المدرسية أجّج الموضوع، فقد سبق أن وقف الأولياء أمام وزارة التربية بعد الإعلان عن نتائج مناظرتي السادسة والتاسعة أساسي محتجّين على قلّة الناجحين في المناظرتين قياسا إلى طاقة استيعاب هذه المؤسسات التعليمية. ربّما يكون وزير التربية قد زاد كذلك الطين بلّة لمّا أعلن أنه كان هناك قرار بالتخلي عن المعاهد النموذجية في 2009. نظرت إلى الأولياء الواقفين تحت الشمس الحارقة بإشفاق، وقلت في نفسي: ربّما يكون نضالا من أجل لاشيء. قد يكون من الأفضل ألّا تدمّروا أبناءكم في هذه المعاهد.
تبدو لي السنوات الأربع التي قضّيتها بالمعهد النموذجي بأريانة فترة فراغ رهيبة في حياتي. هو ليس ذلك الفراغ الذي تمرّ به حياتك بين فترة وأخرى، وإنّما هو الفراغ الذي يُخويك من الداخل. كنت طفلا على قدر من التوازن قبلها، وتطلّب الأمر وقتا لأستعيد شيئا من التوازن بعدها. لكنّني في تلك السنوات الأربع كنت تائها تماما.
طوال سنواتي التسع في التعليم الأساسي، تعوّدت أن أكون الأوّل في القسم. لمّا حصل أن "تدحرجت" إلى المرتبة الثانية ذات مرّة، أصابني الاكتئاب، وبدا لي وكأنّي فقدت تميّزي وأصبحت تلميذا عاديا. لمّا نجحت في مناظرة ختم التعليم الأساسي بمعدّل فاق 17 من 20، كان من البديهيّ أن يتمّ توجيهي إلى المعهد النموذجي. تردّدت قليلا. خشيت أن أصبح فعلا عاديا وسط الكم الهائل من المتميزين. خشيت كذلك من التغيير، إذ لن يرافقني أحد من أصدقائي القدامى إلى ذلك المعهد. استسلمت في النهاية إلى إغراء الانخراط في "النخبة" ودخلت المعهد النموذجي بأريانة.
كانت الثلاثية الأولى صعبة للغاية. في البداية، ظننتني بدأت آخذ موقعي في المعهد بما عرفت به من حب للأدب ومن ثقافة عامة، لكن منذ أن بدأت الامتحانات حتى عرفت أنّ ذلك لايعني شيئا.  فيما مضى، لم أكن أبذل جهدا استثنائيا في الدراسة، أما الآن، صارت الراحة ترفا. عاندت، وأصررت  ألا أبذل جهدا فوق المعتاد، فكانت النتيجة تتالي الخيبات. كنت أرى كل عدد سيء صفعة على وجهي تغوص بي في الحضيض أكثر فأكثر. في الأسبوع الأخير من هذه الثلاثية، عرفت الأرق لأول مرة، ولم أعد أستطيع أن أنام إلا بعد تناول بعض الأقراص المهدّئة. أخالني صرت كائنا ليليا منذ ذلك الحين. كدت أنهار  بعد أن اطّلعت على معدلي: 14,48 ورتبتي: الخامس عشر من ثلاثين. أصبحت تلميذا متوسطا لا يؤبه لشأنه! فكرت جديا في مغادرة المعهد إلى آخر"عادي" إثر تلك الثلاثية، وأخال أن نرجسيتي كانت ما حال دون ذلك. المغادرة كانت إقرارا بالفشل، وهو مالم أكن لأطيقه. في بقية ذلك العام  الأول، تحسنت نتائجي قليلا وقفز معدّلي إلى 15 ونيف ورتبتي إلى الثانية عشرة فيما أظن. سريّ عني قليلا وظننتني آخذا في الصعود.
لكنني كنت في الحقيقة في أعلى المنحدر. لم يل ذلك إلا التدحرج شيئا فشيئا: الرتبة الخامسة عشرة في السنة الثانية والثامنة عشرة في السنة الثالثة، فالرتبة التاسعة والعشرين في عام الباكالوريا، ذلك العام الذي لامست فيه القاع.
 لعلّ أكثر الكلمات تعبيرا عن حالتي في تلك السنوات هي: الغربة. لطالما كنت ولوعا بالفكر والأدب، إلى جانب براعتي في المواد العلمية في الأساسي. كما كنت مهتما بالشأن العام، بقدر ما يسمح الوضع لمراهق في ذلك العهد. كنت أحمل قدرا كبيرا من المثالية، وكنت أعتقد أن رسالتي هي تغيير العالم نحو الأفضل وجعله أكثر نقاء. لم يكن كل ذلك ذا قيمة هناك. الجماعة كانوا ممن يقسمون، كما كان يقول لنا أستاذ التربية الإسلامية مداعبا، بالمات والفيزيك، ولاشيء تقريبا غير ذلك كان مهما لهم. كنت أكتب الشعر، ولم تكن تلك بضاعة رائجة بالمرة، بل لعلها كانت مدعاة للسخرية. لم تكن هناك إلا قلة قليلة تعبأ بالعالم من حولها. عندما اندلعت الانتفاضة الثانية في عامي الأول هناك، كدت ألا أجد من يعلم بشأنها، فضلا عن مناقشة أخبارها. أما المثاليات، فقد كانت أمرا يدعو إلى الاستغراب. كان لي شريط للشيخ إمام (نوع من الممنوعات في ذلك الوقت) وكنت مزهوا به. خطر لي، بدافع الحماقة، أن أسمعه لزميل توسمت فيه بعض "الانفتاح"، فانفجر ضاحكا وقائلا: ماهذا الشيء الغريب؟؟
خلت حياتي من الأصدقاء تقريبا في تلك الفترة. صحيح أنّه كانت لي مجموعة من الزملاء أتقارب معها، لكن لم يصل الرابط بيننا قطّ إلى درجة الصداقة، وذلك أمر طبيعي إذ أنّ الاهتمامات كانت متنافرة بشكل لافت. لم يكن لي غير صديقين: قارئتي الوحيدة، والشخص الوحيد الذي يفكّر في غير الدراسة والتميّز في تلك المؤسسة، وهو لايزال صديقي إلى الآن. ماعدا ذلك، كنت أميل إلى العزلة والصمت. وكانت مغادرة صديقي للمعهد في سنة الباكالوريا ممّا زاد الطين بلّة.
في ذلك العام، فقدت كل رغبة في الدراسة، واستسلمت للخمول بشكل مدهش. في حين كان كل زملائي يكدحون بين الدروس الرسمية والدروس الخصوصية، كان "الحل" الذي وجدته متطرّفا: لن أفعل شيئا. لم يكن ذلك قرارا. كان ردّ فعل غير واع على حالة التخبّط التي أعيشها: ليس هذا مكاني، فلن أتعب لأجله مثقال ذرّة. كان جدول الأوقات ممتازا، إذ لم تكن لدينا أيّة دروس مسائية (باستثناء الرياضة، وهي مادة كنت معفى منها). وطبعا، لم أستغلّ ذلك لفعل أيّ شيء مفيد. إثر الغداء، كنت أنام لساعات ثم أقضي المساء في ألعاب الفيديو وينتابني الأرق ليلا وتأكلني الهواجس. لم يكن ضميري مرتاحا لهذا الخمول. كان الذهاب كل يوم إلى المعهد عذابا. انحدر تقديري لنفسي إلى أسفل سافلين. عشت كذلك في ذلك العام بالذات من أوهام الرومنسية ما لم أخرج منه إلّا بزاد من القصائد الغريبة التي ينضح بعضها سوادا. كنت أغرق، وأعلم أنّي أغرق، ومع ذلك كنت مصممّا ألّا أفعل شيئا.
 لم يتغيّر الأمر إلا في الشهرين الأخيرين. ربما كان ذلك شيئا من الشعور بالمسؤولية تجاه أبوين ينتظران الكثير من ابنهما. ربّما كان انقشاع أساطير الهوى والصفعة التي نلتها عند ذلك هي ما أيقظني قليلا. درست بجدية في ذينك الشهرين، وهو ما كان كافيا لأتحصّل على معدّل يعتبر متوسطا (في أحسن الأحوال) في المعهد النموذجي: ,7514. لم يكن يحقّ لي أن أتوقّع خيرا من ذلك، لاسيّما أنّ ذلك المعدّل كان يؤهّلني بسهولة للالتحاق بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس. عندما درست ما أحبّه، تفوّقت دون جهد يذكر. مرّت السنوات الست (بين الأستاذية والماجستير) كالحلم.
رغم كل شيء، عرفتُ في مرحلة الدراسة الثانوية بعض الفترات المضيئة. كتبت في سنة 2001 قصيدة "القدّيسة" وكانت أوّل ما نُشر لي من شعر (نشرت بمجلة المعهد، وإن كنت لم أعلم بذلك إلا بعد عشر سنوات أو أكثر) واستهللت بها مجموعتي الشعرية الأولى "ذهب الزمان الضائع". تحصّلت على أوّل جائزة لي في الشعر خلال مهرجان عيد الورد بأريانة نفس السنة. نظّم أساتذة العربية لثلاثة أعوام متتالية مسابقات شعرية للتلاميذ، وتوّجت في مناسبتين. في السنة الثالثة، ألّفت مسرحية عن هارون الرشيد وقام زملائي بتمثيلها.
خففت هذه النجاحات الصغيرة من حلكة هذه الفترة، ولكنّها عجزت عن تبديدها. لم تزل إلى الآن تباغتني أشباحي القديمة: الفراغ والغربة والتيه. هي ندبة لم يشفني منها الزمان كما يجب.
لاشكّ أن نفسيتي لم تكن جاهزة لمثل ذلك الجو، وهو ما لا ينطبق على الجميع. لمّا دخلت أختي بعد سنوات عدّة إلى المعهد النموذجي، عارضت ذلك وخشيت عليها مثل مصيري. لكنّها كانت أقوى منّي وحصدت، ولا تزال تحصد، النجاح تلو الآخر. ما أزال رغم ذلك أهمس لنفسي: أيّ فتى كنت لأكون لو تجنبت ظلام تلك السنوات الأربع.

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

منتصف الطريق

لو أنّني قابلت ذاك الطفل
لو خاطبته والأحلام تبزغ
لو وقفت أمام ثورته البريئة
لو لمحت مجدّدا عثراته الأولى
لقلت له، وطرفي هائم:
غدك المتاهة يا فتى
إنّي أمامك، أنت في عشرين عاما
خطوتي صارت أثقلْ
والعين شاردة تلاحق يومها
أمشي بعيدا
والمسافة أطولْ
يا أنتَ، يا من كنت يوما
لست أعرف غير ما كنّا معا

صار اليقين خرافة
تُروى وليست تُؤملْ
دع عنك أوهام الكمال
ولا تفرّ من الخطايا
ارتكبها ثمّ عد كي تستزيد
فذاك حقّك أنت وحدك...
بعد أعوام ستعرف
أنّك، الخطّاء، كنت
بكلّ نقصك أكملْ


الاثنين، 12 مارس 2018

بياض أم سواد في بياض؟


صوتها وحده وطني...
نُسِج الحُلْمُ من دفئه
خفق القلب بين رباه
تعلّم رؤية عالمه من علٍ
وتحلّى بأجنحة
حملته إلى اللا زمانْ
هو خير الّذي فيّ
أو شرّه ربّما... لست أدري
ففوق السحاب دُوار
إذا بعدت عنك أرضك
يمسي اليقين شتات دخانْ
لم أجد مسكنا
غير لحن تعفّر بالنأي
بالجرح، بالقبح، بالثلج والنار
بالظنّ يصنع منه خُرافهْ
طلل يتجدّد في كلّ يوم
تعابثه الريح
تدمن، أنّى تشاء، طوافهْ
وجه قدّيستي صار ذكرى
لعلّي رأيتُه يوما
لقد بعدت بي المسافهْ...
كلّ ما به آمنت
أوّل شعري وآخره
طلقات جنوني إذا طاش
كلّ الأغاني بذاكرتي...
كلّها هي...
لاشيء كان سواها
كلّ سجن ألفته
كلّ سواد نفثته
كل انكسارات دربي
وكلّ الشكوك بحاشيته
كلّها هي...
منفاي همس صداها
لونُ أجنحتي يتحوّل
إذ هي تخفق عابرة
بين ظلّي وشمسي
أين تمضي بِيَ الآن؟
ما عدت أعرف...
لكن بلا صوتها
لست أعرف نفسي


الثلاثاء، 11 أبريل 2017

ذكريان عن أولاد أحمد

كان أوّل لقاء لي مع الشاعر الراحل في ربيع عام 2011. كنت وقتها بدأت النشاط مع منظمة ألتايير العالمية (الراحلة عن تونس بدورها) وكنّا ندرس برنامج حفل افتتاح الجامعة المفتوحة لذلك العام. اقترح أحد الحضور استضافة الصغيّر أولاد أحمد، وبادرت المنسّقة إلى مهاتفته، وما لبثت أن أعلمتنا بموافقته. علّق أحد الخبثاء: هو دائما يوافق إذا خوطب في مثل هذا الوقت، ثمّ يتراجع في الغد، ويقول أنه كان في لحظة تجلّ. لكنّ الشاعر خيّب زعمه، وكان في مقدّمة الحاضرين، بل وافتتح هو التظاهرة. غادر بعد برهة، وحمدت الله أنه لم يستمع إليّ وأنا ألقي بنبرتي الرتيبة التي تمزّق أوصال القصيد تمزيقا...
غير أنّي وقفت ذلك الموقف بين يديه بعد سنة ونيف... كان ذلك في المهرجان الوطني للأدباء الشبّان بقليبية، وكانت مشاركتي الأولى في تظاهرة بذلك المستوى. لم أكن أعرف أحدا من المشاركين، الذين أخذ بعضهم يتباهى أمامي بكم الجوائز التي تحصّل عليها، ولم أكن كذلك أعرف أحدا من أعضاء لجنة التحكيم. كنت محظوظا بما يكفي لأكون في الورشة التي يشارك شاعرنا في الإشراف عليها. أنصت إلى النصوص معلّقا ومعقّبا. لمّا جاء دوري، قرأت قصيدة "السامريّ" بإلقائي البائس. صمت للحظة لشدّ ما طالت عليّ، ثم نطق بصوته الأجش قائلا، بشيء من العجب: من الواضح أنّ صاحب هذه القصيدة شاعر متمرّس. انفرجت أساريري، وذهب عنّي الكثير من التوتّر. طفق يسألني، ثم يتوقف لهنيهة ليحيل الكلمة إلى غيره، قائلا أنه يحتاج إلى وقت أكثر لهضم القصيدة، ويعيد قراءتها. لمّا أحلت إلى قصة السامريّ القرآنية، قال مازحا: أفسدت الأمر، ليتك اكتفيت بالإشارة إلى جذورها البعيدة. أشار إلى رتابة الإلقاء، غير أنه لم يعتبر ذلك عاملا مؤثرا...
أنهينا أشغال الورشة في يوم واحد، وبقي المجال مفتوحا في اليوم الثاني لللقراءات الحرة والثرثرة. علّق شاعرنا على مشارك ضعيف النص لكن حسن الإلقاء: البعض يروم التغطية على نصّه بإلقائه، لكن ذلك لاينطلي على الذئاب من أمثالي. وروى لنا كيف حاول حينما كان يدرس في فرنسا التودد إلى إحدى الجميلات بتفسير كون لقبه مفردا في صيغة الجمع، وكيف أفسدت عليه زميلة تونسية كل الملعوب...
خلال تلك الدورة، فزت بالجائزة الثانية... جذلت لفوزي ذلك حدّ التيه، وظننت نصّي وحده قادرا على إثبات ذاته، مهما كان المحكّمون. لكن ظني ذلك ما لبث أن تحطّم بعد حوالي عامين، لمّا وقفت معتدا بقصيدتي "نشيد الانهزام" التي عددتها معلّقتي، فإذا برئيس لجنة التحكيم، الذي يزعمون أنه شاعر مفلق، يرجّني بسؤال لا علاقة له بالقصيدة: من أنت؟ لم لم أسمع لك سابقا؟ ثم يبدي تأففه من استعمال تفعيلة المتقارب، ويسألني إن كان سبق أن استعملت غيرها! وطفق لصوص الشعر الحاضرون يومها يجرّحون نصي الأثير، ومُنعت حتى من الإجابة على هذرهم، وكانت تلك آخر مشاركة لي في مسابقة شعرية...
حين تعود بي الذاكرة إلى ذلك، أزداد يقينا أنّ ما صنع الفارق في قليبية لم يكن قيمة نصي وحدها، بل كذلك وبالخصوص وجود شاعر يقدّر قيمة النص، والنص وحده، بغضّ النظر عن الأسماء والعلاقات... شاعر يلتقط بسليقته مكامن الإبداع، ولا يجد غضاضة في تثمينها...
برّد الله ثراك يا أولاد أحمد!

الخميس، 15 ديسمبر 2016

قصّتي مع الأركستر السمفوني التونسي

حضرت لأوّل مرّة  في حفل للأركستر السمفوني التونسي في مبادئ دراستي الجامعية. ربّما كان ذلك سنة 2004 أو 2005. كنت مدفوعا برغبة في الاستماع المباشر لهذا النوع من الموسيقى الراقية (ولعلّي أردت أن أسجّل نفسي في نادي الرقيّ). أذكر أنّ سعر التذكرة كان يتراوح بين ثلاثة وخمسة دنانير، تخّفض للنصف بالنسبة للطلبة. ورغم ذلك، لم يكن الحضور كبيرا، وأغلبه كان مكوّنا من أصحاب الدعوات من طلبة المعهد العالي للموسيقى وأصدقائهم. جلّ ما أذكره عن ذلك الحفل أنّ ذهني شرد في معظم فتراته، وكنت أردّ نفسي بصعوبة للاستماع، قبل أن أعود إلى الشرود. قاد الأركستر يومها المايسترو أحمد عاشور (أمدّ الله في أنفاسه)، وكان يحافظ على ملامحه الجامدة، ولا يكاد يُرى مبتسما، وقد خلت أنّ ذلك من شيم كلّ القادة. لم أتمتّع كثيرا، وقد أرجعت ذلك إلى ضعف ثقافتي الموسيقية، وأقنعت نفسي أنّ الأمر يتطلّب وقتا لتذوّق هذا النوع من الموسيقى.
استمررت في حضور الحفلات الشهرية، وإن لم يكن ذلك بشكل منتظم، كما حضرت عروضا لفرق أخرى، ممّا أتاح لي أن أقارن. عندما استضاف الأركستر قائدة فرنسية، اكتشفت أنّ بوسع القادة أن يبتسموا وأن يكونوا لطافا. لمّا حضرت عرض هبة القوّاس، واستمتعت إلى الأركستر الأرمني المصاحب لها، فوجئت أنّه يمكن للمايسترو حتّى أن يمازح الجمهور. عندما حضرت عرضا لأركستر نمساوي، أبهرني التناغم الدقيق بين جميع الآلات. أيقنت أنّ المشكل ليس فيّ فقط، بل أنّه ما يزال على أركسترانا الوطني طريق طويل لقطعه، ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب، فقد علمت أنّ جميع أعضائه يشتغلون في غيره (يدرسون أو يدرّسون)، ولا يجتمعون إلّا لعدد محدود من التدريبات قبيل كلّ حفل.
في تلك الفترة، كان أكبر فضل للأركستر السمفوني عليّ أن عرّفني على الإبداعات الموسيقية لمؤلّفين تونسيين، وهو ما لم يكن متاحا بسهولة. لا أزال أحتفظ بالكتيب المصحوب بقرص يحتوي على سمفونية "موغادور" لجلّول عيّاد الذي وزّع على الحاضرين في حفل خصّص لهذا الموسيقار. بعد سنوات، كان وجوده في الحكومة الانتقالية من الدواعي التي دفعتني للتفاؤل بشأن حال البلاد...
تغيّرت قيادة الأركسترا في 2011، وأسندت إلى المايسترو حافظ مقني. حضرت، بعد غيبة لعدّة أشهر، حفلا خصّص لموسيقى الأفلام. ما لاحظته حينها أنّ الحفلات اكتست طابعا جماهيريا أكبر، إذ كان الحضور غفيرا، ولم أعثر على تذكرة إلا بمكان قصيّ بأعلى المسرح. لكن لم أرض بالمرّة عن العرض. بدا لي أنّه فقط يجاري الذوق العام، إذ كانت جميع المعزوفات قصيرة للغاية وشهيرة (طبعا لارتباطها بأفلام)، دون أن يكون العزف متقنا، إذ صاحبه بعض الارتباك.
لم أعد بعدها لمواكبة العروض بالمسرح البلدي إلّا بعد حوالي عام. وحينها، انبهرت بالتغيير الحاصل. كانت القطع المعزوفة تراوح بين الكلاسيكيات المعتقّة والتونسيات المبتكرة. تطوّر التناغم بين العازفين إلى حدّ كبير التقطته أذني غير الخبيرة. وكان هناك جوّ من المرح يسود علاقة الأركسترا بالجمهور، عوّض ذلك التجهّم القديم. لم تعد مجموعة تأتي لتعزف ما قرّرته مسبقا دون أن تعبأ بالمرّة بتفاعل الجمهور، بل صار هناك حرص على اختيار يوازن بين العمق والإمتاع. وصار من الأركان شبه القارة فسح المجال للأصوات الأوبرالية التونسية الشابة لتستعرض مواهبها، وهو لعمري تقليد برع في تنقية آذاننا من الضوضاء التي نسمعها كلّ يوم.
صار الحفل الشهري للأركستر السمفوني التونسي فسحتي الشهرية من الجمال والإبداع. أمضي هناك لأترك ذلك الإيقاع العجيب يحملني معه. أبقى على وقعه في مكان هو من العالم واللاعالم. أتفيّأ ظلاله ساعة وبعض ساعة، وأرحل بنشوة تلازمني أمدا حتّى تسرقها زحمة الحياة.

آخر تلك الحفلات كان يوم الثلاثاء بمسرح الفنّ الرابع، وخصّص للموسيقى الإيطالية. تطارح فردي وبوشيني وروسيني روائعهم بأيد تونسية. تفنّن الأركستر بصفة خاصة في المارش الكبير لأوبرا عايدة وافتتاحية حلّاق اشبيلية. وبرزت من الأصوات الصاعدة الميزو سوبرانو أميرة دخلية، التي فضلا عن قدراتها الصوتيّة العالية، تميّزت بكفاءتها التعبيرية. فرغم أنّ الكلمات كانت بالإيطالية، فقد كان من الممكن على المشاهدين استيعاب المعاني من خلال ملامح وحركات الفنّانة الشابة على المسرح.
لازال على الأركستر السمفوني التونسي، رغم ما حقّقه ويستمرّ في تحقيقه حفلا بعد حفل، الكثير لعمله. إذ لا تزال الحفلات تقوم في أغلبها على منطق المختارات، الذي وإن كان مفهوما باعتبار جماهيريته، فإنّه يحرم التوّاقين إلى هذا النوع من الموسيقى من متعة الاستماع إلى أعمال بكاملها. كما أنّه ورغم أنّ الأركستر حقّق بعض الشعبية، على المسارح وحتّى على فايسبوك، فإنّه لم يعد متاحا للجميع نظرا إلى ارتفاع سعر التذكرة الذي بلغ أكثر من ضعف ما كان عليه منذ سنوات قليلة. صحيح أنّ الموسيقى الكلاسيكية، شئنا أم أبينا، نخبوية بطبعها، ولكن يجدر دراسة الأسعار إذا رمنا نشر هذه الثقافة الموسيقية لدى قطاع أوسع من الجمهور، لا سيّما الطلبة.
ورغم هذه النخبوية، يعاني الأركستر السمفوني التونسي نوعا من التشرّد. في ختام الحفل الأخير، أعلن المايسترو أنّ الحفل القادم سيكون في أوّل أيّام العام الجديد، في مكان لم يحدّد بعد، نظرا للأشغال التي ستجرى بقاعة الفنّ الرابع. جال الأركستر في العامين الأخيرين بين المسرح البلدي ودار الثقافة ابن خلدون ودار الثقافة ابن رشيق والريو والفنّ الرابع، ولم يتمكّن من الاستقرار نظرا للظروف التي تمرّ بها مختلف الفضاءات، وخاصة الأشغال التي تكثّفت وتيرتها حتّى أصبحت الساحة الثقافية بالعاصمة أشبه بحضيرة كبيرة. عسانا العام القادم، إذ تنتهي الأشغال وتفتح مدينة الثقافة أبوابها، ننتقل من الجوع إلى التخمة !