الاثنين، 16 فبراير 2015

كلمات غاضبة في وجه دب أبيض

يجثم في ركنه الركين منذ ساعات ويرمقني بنظرته الجامدة. أمعن النظر فيه حتى يدب الثلج المتسرب منه في مسام جلدي فتسري فيّ قشعريرة فأحوّل البصر. نظرته تحنقني. بياضه الناصع يحبطني. الطريقة التي يجثم بها تستفزني. إخفاؤه لأنيابه وراء ما يشبه الابتسامة يمزقني. مجرد وجوده الآن وهنا ومشاركته إيّاي في الهواء الذي أتنفّسه يجعلني أشعر بالاختناق. نظرته تزداد حدّة شيئا فشيئا. أتجنّبها وأختلس من خلفها إلى موضع القلب منه. لو كان بين يديّ أيّ شيء حاد، لما تردّدت وانهلت عليه طعنا وتقطيعا، لكن ليس في يدي الآن سوى قلم جفّ حبره. كأنّه تحرّك قليلا. أتراه يتحفّز لمهاجمتي؟ أيبطن الغدر وراء تلك النظرة الوادعة؟ لم أر منه سوى السكون منذ حلّ هنا منذ سنوات. لم عساه قد يبدي الشراسة؟ تغور عيناه فجأة وتمتلئان أسى. ذاك أشقّ عليّ. يا لها من نظرة معذّبة تكاد تخترق صدري. أتراه يخشاني؟ أ أيقن بالنهاية أخيرا؟ ماذا ينتظر منّي؟ نظرته تزداد نفاذا إلى الأعماق. تكاد تصل إلى القاع فترتطم به وتفضح خواءه. لو فعلت، لافترست ما بقي حيّا هناك، ولما تردّد في الأرجاء سوى صهيل ضائع. لا بدّ أن أتصرّف. يجب أن أفعل شيئا إن أردت يوما آخر. عليّ أن أغالب ذلك المعشّش فيّ.
وثبت من مكاني. بحركة سريعة، أمسكت ذلك الدب القطني الحامل بين يديه قلبا ضخما، وألقيته من النافذة...

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

طرقات بلا ألوان

ذهبت مساء اليوم لاصطحاب أختي من المعهد إلى البيت. كنت أجلس وسط السيّارة مطرقا أستمع إلى الموسيقى عندما دقّت على بلّور السيّارة. في الطريق، سألت أختي: كيف كنت لتعرفي بقدومي لو لم أخبرك مسبقا؟ أجابت: ذلك سهل للغاية. "ليلى" (اسم السيّارة) هي الوحيدة الملوّنة وسط باقي السيّارات السوداء والبيضاء والرمادية. أضحكني الأمر في البداية لكن بقينا طوال الطريق نتبيّن السيارات المحاذية لنا وتلك التي نمرّ بها، فوجدنا أنّ ما قالته أختي قاعدة عامة لا تشذّ عنها إلا بعض الاستثناءات القليلة: سيارات الأجرة وبعض السيارات القديمة والسيارات صغيرة الحجم التي لا تتوفر إلا " بالألوان"...فيما خلا ذلك، قليلة هي السيارات الملونة وأغلبها حتى وإن كان يكتسي لونا فقد أضفي عليه شحوب معدني يفقده البريق الذي من المفترض أن تكتسبه الألوان.
كأن الألوان تحولت إلى مخالفة ضد الذوق العام! مزاج البلاد والعباد رمادي مكفهر مغيم. اللون فرح غير لائق...أن تزهو بما في هذه الحياة أمر مثير للشبهات. كأن الأنظار تتجه إليك في عجب ممزوج بالازدراء متسائلة: ما الذي تملكه في الحياة يستحق الاحتفاء به؟

الأحد، 25 يناير 2015

السياسة في رؤوس اليتامى

كان ما تردّد في البداية، على لسان الطيب البكوش، أن النداء سيشكّل "حكومته" مع الوطني الحر وآفاق والمبادرة، وهو كانت نتيجته ستكون أغلبية غير مريحة ولكنها مضمونة على كل حال. وعندما تم الحديث عن تحالف مع النهضة، كان ما يتبادر إلى الذهن، بغض النظر عن "الخفايا"، أن الغرض هو ضمان أغلبية واسعة عند منح الثقة للحكومة
لكن ما حصل أن من وقع تكليفه كان من خارج الحزب الحاصل عن الأغلبية، وهو أمر غريب في ذاته بما أنّ مركز الثقل في الجهاز التنفيذي هو رئاسة الحكومة، ومنطقيا لا معنى للتخلي عنه لشخصية مستقلة إلا في حالة وجود أزمة سياسية خانقة (داخل الحزب ذاته؟)
وزاد الأمر غرابة عندما تم الإعلان عن تشكيلتها بما أنها لا تضم من الأطراف السياسية خارج النداء سوى الوطني الحر. وجاء الإعلان عنها بصفة مفاجئة يوما واحدا بعد لقاء رئيس الجمهورية برئيس الاتحاد الوطني الحر الذي أعلن على إثره هذا الأخير عودة حزبه إلى المشاورات. وقد اعترضت عليها كل القوى الأخرى، بل أن أطرافا من داخل النداء نفسه ليست راضية عنها، بمعنى أن رئيس الحكومة المكلف قدّم تشكيلة تضمن أن لا تحصل على ثقة البرلمان!!!! وهو ما يعني أن البلاد قد تبقى لفترة أخرى دون حكومة وهو ما يطيح بعودة الاستقرار، الوعد الانتخابي الذي قدمه الجميع دون استثناء.
إذا أضفنا إلى ذلك تعيين وزراء في غير ميادين اختصاصهم ( وزير الدفاع، وزير الصحة...) ووزراء تحوم حولهم شبهات(وزير الداخلية، وزير التنمية...) والكم الهائل من الترضيات (الأزهر العكرمي، كمال الجندوبي، ماجدولين الشارني...) والعدد المرتفع نسبيا لأعضاء الحكومة (ما كان محل اعتراض بلغ درجة السخرية والتندر وقت الترويكا)، يكون السؤال المطروح، الذي يمكن توجيهه أساسا إلى رئيس الجمهورية، المحنك الداهية الأريب الذي رضع حليب السياسة منذ المهد، وإلى الفاعلين في حزب نداء تونس (والله أعلم من يكونون تحديدا!): بحق من تعبدون، ماذا تفعلون؟ أ تتعلمون السياسة في رؤوسنا؟ أم أنكم تتفنون في اختلاق الأزمات؟

الخميس، 15 يناير 2015

الخبر عن مولد أبي معاذ وتسميته وقومه وشيء ممّا حدث سنة ميلاده

كان ميلاده يوم خميس، لأربع عشر بقين من رمضان، بقرية يقال لها عين المطيّة من أعمال ترشيش، وهي بلد ذو نخيل وعيون جارية يشتغل أغلب أهله بالزراعة والتجارة، وانتقل كثير منهم إلى ترشيش فشرفوا بها وكان منهم الأعيان والأدباء والوزراء.
وإسمه في أشهر الأقوال: حمزة، على أنّ كنيته غلبت عليه وكانت إليه أثيرة. ويروى في تسميته أن قد أراد بعض أهله أن يسمّيه حمزة وبعضهم معاذا وبعضهم غير ذلك، فاختلفوا. فقالت خالته: هلمّوا نكتب الأسماء جميعا على رقاع وننظر على أيّها تقع يده. ففعلوا وحملوها إليه في مهده، فوقعت يده على الرقعة التي تحمل إسم حمزة. فقال الملأ: قد والله اختار. وكان بذلك يفتخر لمّا أسنّ ويقول: أنا من اخترت اسمي، لم يختره لي أحد.
ويقال أنّه لمّا ولد، حمله جدّه فطاف به أرجاء القرية وهو يرتجز:
ولد فينا سيّد شمردل...أتى بعزّنا فلسنا نخذل

إنّ الغد الوضّاء فيه يؤمل
وكان مولده في سنة شهباء يقال له "سنة الغارة"، وذلك أنّ الحبيب بن عليّ، صاحب ترشيش، وكان شيخا كبيرا عركته السنون مضى عليه زهاء ثلاثين سنة وهو مالك لرقاب أهلها، كان قد أجار قوما من شعب الجبّارين وأسكنهم مكانا يقال له "الحمّام"، فعدا عليهم جمع من بني إسحاق غدرا وغيلة ففتكوا بهم فتكا ذريعا وقتلوا معهم بعض رعيّة ابن علي، فغضب لذلك، ودعا رسول قيصر، وكان له صديقا، فقال: بلغني أنّكم مالأتم بني إسحاق حتّى فعلوا ما فعلوه، على ما تعلمون من يدي إليكم. وايم الله لئن لم تنتهوا لأخرجنّكم فلا يعود لكم بهذه البلاد ذكر. فبلغنا أنّ رسول قيصر كان يرتعد فرقا. وبلغ الأمر قيصر فأرسل إلى الحبيب بن عليّ فاسترضاه حتّى رضي. ولم تكن لترشيش أجناد تقيها سوى لطف الله. قال أبو معاذ: قد أخبرتني أمّي أن كانت الأرض تهتزّ لمقدم بني إسحاق حتّى ظُن الزلزال، وأنا ابن أربعة أشهر يومئذ.
أمّا أهل أبي معاذ فهم بنو المختار بن عمر، وكان المختار سيّدا شريفا مطاعا في قريته. وقد اختلف في شأنهم النسّابة، فقال ابن الكلبيّ: هم من نسل حمدان بن حمدون بن الحارث، من صليبة بني تغلب ملوك الشام. وقال إبن هشام: بل هم من بني عديّ بن كعب رهط عمر بن الخطّاب، فالله أعلم بحقيقة ذلك.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

انطباعات فوريّة عن ضرس مقلوعة


نظر إلى صورة الأشعّة وظلّ جامدا. كنت أترقّب جوابه في لهفة، فلمّا أبطأ، سألته: أهناك أمل في إنقاذها؟ التفت إليّ، وبملامح وجه لاعب بوكر، قال: ولا حتّى 1%. اختفت تلك الابتسامة الحائرة من على وجهي ولكنّي عزّيت نفسي بأنّه لن يقلعها اليوم، فقد قال في الموعد الفارط أنّ الأمر يمكن أن ينتظر. تجلّدت وأبديت الشجاعة، ولكنّي فوجئت به يشهر سيفه (حقنة البنج) في وجهي فانخلع قلبي، ولا حرج في الاعتراف بذلك. حتّى ربيعة بن مكدّم وعتيبة بن الحارث وعنترة الفوارس كانوا ليفزعوا في مثل موقفي. ملاقاة الفوارس في ساحة الوغى أمر هيّن يسير إذا قورن بغريب يعبث بفيك ويستبيح عذابك دون أن تقدر حراكا، بل وتتجرّع غصّات الألم  صامتا أملا في عافية جديدة. صحت فيه: ماذا تفعل؟ أو لم تقل أنّ الأمر مؤجّل؟؟؟ تغيّرت ملامحه فجأة لتأخذ شكل قرصان عتيد في ابتسامته الماكرة عندما قال: تغيّر الأمر. الوضع دقيق ودقيق جدّا. "الوضع دقيق"؟ سمعت العبارة من قبل. لكن كان وقتها مستقبل بلاد بأسرها على المحكّ، لا ضرس عبد فقير إلى ربّه. ما الذي يجعل من سنّ واهنة وضعا دقيقا مستعجلا خطيرا تستباح فيه الحرمات؟؟ سلّمت أمري إلى الله والرجل يصول ويجول بين فكيّ. كنت أسرح أحيانا، فأفكّر في شكلي الجديد الذي سيكون بعد قليل خاليا من التناظر، وأفيق على صوته آمرا: افتح فمك، لم أطبقته؟ فأفتحه إلى أقصى اتّساع وأنا أتخيّله، في نفسي، يتمثّل بقول الشاعر:
لمّا رآني قد نزلت أريده...أبدى نواجذه لغير تبسّم
للإنصاف لم يكن الأمر مؤلما البتّة. ولكنّ لم يكن هناك مفرّ من الهلع. لعلّه آلية طبيعيّة لحفظ النفس. نظرت إلى الضرس المتآكل في شيء من الأسى وبعض عجب: كان هذا الشيء منذ قليل جزءا من جسدي، ولم يعد. هكذا تقوم الساعة بغتة! الآن هرمت وعليّ من هنا فصاعدا أن أبحث عن استبدال أعضائي إن أردت أن أنعم بما بقي لي. كأنّه قرأ أفكاري. فابتسم في بعض الودّ (اكتشفت أنّ بإمكانه إبداء التعاطف إذا شاء!) وقال: عد إليّ بعد شهر أو أكثر لنبحث كيف نملأ ذاك الفراغ. دفعت تلك الثروة الصغيرة، وخرجت تاركا جزءا منّي، بعد أن ضرّسني الزمان هناك...

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

المقامة الانتخابية

حدّث حمدان الحفيان قال:
كنت في مجلس من مجالس العادة، في مقهى الحومة مع رفيقي حمادة، وثلّة من الشباب البطّال، كلّنا للوقت قتّال، فخضنا كباقي الشعب في حديث الانتخابات، وتعالى الجدال عمّن سينال منّا التصويتات، فإذا بشيخ جليل ينهض من كرسيّه ويأتينا، ويقف بجانبنا مستمعا رصينا، ثمّ قال: لكم منّي سلام، وعفوا إن قطعت عليكم الكلام، إنّكم تخوضون في حديث هو إليّ محبّب، فإنّي في السياسة عذيقها المحكّك وجذيلها المرجّب، فسلوني أجبكم، وعمّا خفي من أمورها أخبركم، فقلنا له: فأخبرنا بأمر هذا الأحزاب، وعن أيّها الأجدر بالانتخاب، فقال: أمّا النهضة فأخلاط ممّن يتشدّقون بالدين، وأكثرهم عن أخلاقه لمتنكبّون، لا تكاد تمسك لهم موقفا، فعن كلّ ما يقولون يجدون مصرفا، في عهدهم ذقنا الويلات، من انعدام الكفاءات، وأمّا النداء، فكرب وبلاء، فيهم جمع عظيم من غلاة الانتهازيّة، ممّن يسبّح بحمد الذات الباجية، طوال اللسان بلا حلول، وأكثرهم عن مشاغلنا جهول، وأمّا الجبهة الشعبيّة، فأهل العويل والصياح والمزايدة بمسمّى العدالة الاجتماعيّة، قلوبهم شتّى وإن حسبتهم جميعا، لا تجد فيهم على كثرتهم حازما يكون لشعبه سميعا، وأمّا المؤتمر وأبناءه الفرقاء، من تيّار ووفاء، فهم من بلغوا غاية الشعبويّة، وأقصى المتاجرة بالثوريّة، لا تكاد تجد عندهم فكرا، ولن نلقى من تعنّتهم إلّا عسرا، وأمّا التحالف، فهو على الحياد حالف، لا تجده كيفما قلّبته لا يمينا و لا يسارا، لا يمتح ماء ولا يوقد نارا، وأمّا التكتّل فهو الغراب الذي قلّد مشية الحمامة، فآل به الأمر إلى الندامة، ما عاد يجد له في الناس واثقا، ومهما تكلّم أقسم الجميع أن ليس صادقا، وأمّا الجمهوري فأطلال حزب، ما عاد يجدر به سوى الندب، قد فارقه جمع عظيم من الأبناء، وليس يُدرى أين تحمله الأنواء، وأمّا العريضة أو المحبّة أو ما كان له من أسماء، فالضحك على الذقون صباحا مساء، وأمّا حزب آفاق، فتوحّش الرأسمالية بوجه برّاق، وأمّا حزب المبادرة، ومن ادّعى مثلهم الانتماء إلى الدساترة، فهم الجسد الجديد السقيم، لظلم قديم، ولو علمنا فيهم خيرا، ما آلى أحد ألّا يموت إلاّ حرّا.
فعجبنا من حسن ما فصّل، ووددنا سؤاله عمّا أهمل، فقلت: فماذا عن باقي الأحزاب وعن المستقلّين، ألا نكون إن اخترنا أحدهم من الموفّقين؟ فقال: يا بنيّ لا يخلو أحدهم أن يكون أحد اثنين، لا يخلو أمرهما من الشين، إمّا طامع في الكرسيّ يتاجر بالأصوات، وإمّا ساذج حسن النيّة ستلهو برأيه الدهاة، ليس منهم غير ذلك إلّا نفر قليل لا يكادون يُعلمون، في بحور هذه اللعبة مدفونون، قلت: فإنّ الجماعة ينصحون بالتصويت المفيد، الذي يورد البلد إلى الطريق الرشيد، فما تقول في ذلك يا صاحب الرأي السديد؟ فغضب وصاح فيّ: كأنّك لم تكن تسمع ما كنت أقول، أيّها الغرّ المخبول، والّذي نفسي بيده لا يفيدكم منهم أحد، وكلّ ما يعدونكم هو من البحر كالزبد، وولّى  مدبرا وهو يقول:
كلّهم يمشي رُويدْ...كلّهم خاتل صيدْ

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

إثم البحث عن روح رحبانية في ألبوم "يا حبيبي" لهبة طوجي

لم أكن ممّن قصدوا الحفل الذي أحيته هبة طوجي رفقة أسامة الرحباني بالمهرجان الدولي للحمّامات. كانت فكرة الذهاب قد خطرت ببالي فقط لأنّ بي ضعفا لا أنكره تجاه لقب "الرحباني". على أنّ الخشية من الوقوع على تجربة ليس لها من الرحبنة دون الإسم إضافة إلى بعد الشقّة (وشيء من الكسل كذلك) كانت عوامل حسمت الموقف فلم أذهب. لم أسمع فيما بعد الكثير عن الحفل، حتّى شاهدت منذ أيّام تغطية تلفزية شديدة الإطراء له، وذهب المذيع إلى حدّ اعتبار هبة طوجي فيروز الجديدة. طبعا، كفيروزيّ عريق، اعتبرت الأمر محض هرطقة وهمست لنفسي: "اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون". ولكن ليطمئنّ قلبي، لم أستطع الامتناع عن البحث عن أغاني الألبوم الجديد  لهبة طوجي المعنون "يا حبيبي".

يضمّ الألبوم 15 أغنية كلّها من ألحان أسامة الرحباني. أربع منها كتبها منصور رحباني، واحدة كتبها هنري زغيّب والبقيّة كانت من كلمات غدي الرحباني. على أنّ أغنية "قصّة ضيعة"، وهي استلهام طريف لموسيقى رقصة زوربا اليوناني، وإن لم يكتبها الراحل منصور، فقد كتبت على نمطه. كلماتها رحبانيّة مولّدة إن صحّ التعبير.

حاول أصحاب العمل أن يكون هناك توازن بين الأغاني العاطفية والأغاني التي تحمل هموما إنسانية ووطنية. وفي الحقيقة، غلبت السذاجة في التعبير على هذا الصنف الثاني، وهو ما يظهر في "الربيع العربي" و"صباح الخير" و"المرأة العربية". والسذاجة في حدّ ذاتها لا تشين الأغاني، فهي ليست مطالبة بتقديم تحاليل معمّقة عن الأوضاع السائدة، بل أنّها ميزة طبعت الأعمال الوطنية للرحابنة الكبار، غير أنّ ما يصنع الفارق هو الدور الذي يلعبه اللحن في إيصال الروح الكامنة في الكلمات. وهنا، كان النجاح نسبيّا ومتفاوتا من أغنية إلى أخرى. ففي "الربيع العربي"، وهي أكثر الأغنيات تحيّزا، كان اللحن ساترا يحجب هذه السذاجة، وخصوصا عندما يدخل فيه ما يشبه المارشات العسكرية وعندما يطلق العنان لصوت هبة طوجي للهمس تارة والصراخ تارة أخرى، والكلّ في موضعه. نفس الشيء يمكن ملاحظته بالنسبة إلى "المرأة العربية" الّتي استمدّت طرافتها إضافة إلى كلماتها من نسقها السريع. ويشدّ في "إلي وإلك السماء"  منذ البداية الطباق في إسمها (غير المقصود على الأرجح)  مع "الأرض لكم" التي لحّنها زياد رحباني، وقد لخّصت، بشيء من الهدوء، المثاليات الرحبانية.  يختلف الأمر بالنسبة إلى "صباح الخير" التي كانت دون روح وذكّرتني بالوطنيّات المناسبتية التي طالما عرفناها في بلادنا. وكان الانطباع الذي خلّفته الأغنية  لديّ أنّ مصير "بحبّك يا لبنان" مثلا كان سيكون مشابها لو وقعت بين الأيدي الخطأ. لديّ  أمّا "بيروت"، فهي كلمات تمّت خيانتها موسيقيّا، ولولا مقطع الفالس، على ما آل إليه من جموح، لكانت ممّا يُنسى فور سماعه.

وينطبق هذا التفاوت كذلك على باقي أغاني الألبوم. ففي "يا حبيبي"، ورغم كلاسيكيّة الكلمات التي توحي بأنّ أقرب سبيل لتلحينها هو النمط الشرقي التقليدي (وقد توقّعت أن تكون من طراز "يا حبيبي كلّما هبّ الهوى" للأخوين رحباني)، يفاجئنا أسامة باختيار نمط الجاز، وقد كان اختيارا موفّقا نجح في العثور على إيقاع القصيدة والتناغم معه رغم بعض الهنات في نطق بعض الكلمات، فـ"الأرض الحزينة" تُنطق بالخفض في موضع النصب، وكلمة "قرصان" تنطق مكسورة القاف. وفي "معقول"، كانت تجربة الاستماع ممتعة من خلال التمازج البديع بين "الجاز"و"اللاتينو". كثير من البهجة ظلّت مصحوبة بصوت الكونترباس الرتيب والهادئ في الخلفيّة، ولو أنّ "اللاتينو" لم يلائم في بعض الأحيان شيئا من الحزن في الكلمات. وتأتت طرافة "أنا حبيتو" من الدور الذي لعبه البيانو في تأمين الإيقاع، وهي أغنية دافئة رغم إيغال الكلمات في البساطة. وكانت "خلص" أغنية فراق هادئة، وهي مفارقة عجيبة أن لا يحظى الفراق بشحنة عاطفية من غضب أو حزن. وينطبق على "لمّا بيفضى المسرح" نفس ما قيل عن "بيروت" فالكلمات الشبيهة بتصوير سينمائي يقلب السمع بصرا لم تحظ موسيقيّا بما يفيها حقّها. أمّا في "أوّل ما شفتو"، فقد كان يمكن أن تكون مستساغة، على فتور كلماتها، لولا إيقاعها المزعج والإسراف في اعتماد تقنيات التلاعب بالصوت، وهو ما تخلّصت منه "حبّي اللي انتهى" الرومانسيّة الهامسة. أمّا "يمامة"، فقد تكوّن رأيي منها في الثواني الأولى وتحديدا مع عبارة "لكلّ من في الأرض لا أعرفهم" التي كان لحنها العجول غاية في "التبلفيط"، وتساءلت إن لم يكن اللحن وضع مسبّقا ثمّ وقع الإصرار على اعتماده قسرا على الكلمات بصرف النظر عن كلّ إنسجام. ولا تبقى من أغاني الألبوم سوى "حلوة يا بلدي" التي هي مجرّد إعادة توزيع لأغنية داليدا حرت في معرفة وجه الإبداع فيها أو سبب إقحامها في الألبوم.

قيل عن هذا الألبوم أنّه ينتمي إلى صنف الجاز، ولكنّ ذلك لا ينطبق على كلّ الأغنيات، ولا يتوافق مع التعويل على الأركسترا السمفونية الأكرانية. لا مجال للشكّ في طابعه الغربي، وقد أضفى عليه الاعتماد على البيانو خاصة بصفة دائمة شيئا من الفخامة. تتيح مختلف الأغنيات المجال لصوت هبة طوجي المميّز حتّى يستعرض قدراته في التدرّج من أخفض الدرجات إلى أعلاها، ويدخل في تجربة متعدّدة الأبعاد مع المستمع فيداعبه ويؤانسه ويؤسيه ويستفزّه. ويتعزّز صوت طوجي ببعض المؤثّرات التي تضفي على الأداء بعدا مسرحيّا: الضحكات، الصرخات وحتّى الزغاريد. على أنّه قلّما كان جمال الصوت وحده عنصرا محدّدا في نجاح التجربة. وإذا كان نجاح الأغنية يقاس ببراعة ترجمة الكلمات لحنا، فإنّ النجاح في هذا الألبوم كان جزئيّا. في عديد الأحيان، بدا كأنّ الإصرار على تقديم نمط موسيقيّ ما يأتي على حساب التقاط حساسية الكلمات، وإن غلبت على جلّ الكلمات بساطة تخلو، على خلاف البساطة الرحبانية، من العمق. وإذا كان هناك تشابه مع تجربة الأخوين رحباني، فأراه يكمن في نهايتهما، وتحديدا فيما قاما به في برنامج "ساعة وغنيّة" من إعادة توزيع لأغانيهما بطريقة أضفت عليها نزعة آليّة وسلبت منها صفاءها الشرقيّ.


التقييم العام للألبوم: