الأحد، 31 أغسطس 2014

موانئ لا تبنى

لبدء الحروبْ
ستحتاج ميناء سلم
يكون اليقينَ ببحر الشكوك
ملاذا لروحك عند زمان الخُطوبْ
لتبنيَ ميناء سلمك
تحتاج تاريخ حرب طويل
يكون الحجارة والكلمات     
على نصب جند مهيبْ
إذا لزم الدور، فابق مكانك
لا تبن شيئا
تمتّع بسلم يجيئك بخسا
رماديّة روحه مثل يوم خريف
دماءك قد هدرت، لم تعد لك
عش ما تبقّى لنفسك
وانعم بما فيك من صدإٍ

وانسَ قرع الحروبْ

الجمعة، 29 أغسطس 2014

أمراء الليل

تنقضي فتوّة الشمس عندما يخالجها حياء. يحمرّ وجهها، وتبدأ بالبحث عمّا يواري سوأتها من العيون الملتهمة. تجد ملاذا لها تحت صفحة الماء أو خلف الجبال الصمّاء فترتمي هناك مذعورة. تنذر بعهدها الجديد الّذي سيبدأ مع قرن الغزالة.
يدخل الليل بخطوات متمهّلة، كأنّما يختبر وقع قدومه على من يشهدونه. حتّى إذا اطمئنّوا للسكينة التي تسري فيهم بعد ضجيج الأنوار، يعلن سلطانه اللامحدود على الكون. فيما مضى، لم يكن هناك ما يخالط كأس سطوته سوى طعم خفيف لقناديل مبعثرة ربّما لا تزيدها إلّا لذّة. أمّا اليوم، فقد أصبحت تفيض بأضواء تغلب على مذاقها وتكاد تذهب بنشوتها.

ينصّب على مملكته الشاسعة أمراء اجتمعوا على أن يكون هو لهم حياة. ولأنّهم لا يملكون من زاد سوى النجوى، يؤاخي بينهم وبين منارات السماء. يصغون لهم ويسمعون شكواهم. وتلفظ ربّة الظلام من عينيها هيبنوس ليقود حملته المظفّرة دائما على كلّ من لم يكلّل جبينه بتاج الإمارة، فيخمد كلّ نشاز، حتّى إذا لم يعد هناك مكان إلاّ للموسيقى الصغيرة، جلس هو كذلك يستمع إلى الحكايا ويسجّل منها على دفتره ما يكفي لتقصير أبديّته الطويلة.
وعلى الأنوار الشاحبة لإخوة أضناهم الدوران وزاحمتهم الأقذاء، يلاقي الأمراء شياطينهم المصفدة نهارا، ويلقون معهم النصف الآخر من أنفسهم، النصف الذّي يعمي عن النظر إليه ضوء الشمس. يخيطون تلك الأنصاف إليهم، فيكونون كلّا لسويعات. وبذلك الكلّ تسري الدماء بين عروقهم كما لم تسري من قبل: يتنفّسون، يتحرّكون، يضحكون، يبكون، يثملون، يصلّون، يصرخون، يعشقون...وتمضي تلك الحياة في خفاء إلاّ عن عيون الإخوة والشياطين والورق الأصمّ.
تفاجئهم دائما نهاية المملكة. لا يكونون أبدا مستعدّين لذلك السقوط. ينسج الضوء المتلصّص خيوطه حول النصف النابض فيعتمه شيئا فشيئا حتّى يغيب تماما إذا استوى على العرش مغتصبه. يودّعونه بصمت من يفقد نفسه، كأن لن يكون لقاء...

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

عطر أنثى


كان يكفيه أنّها من فردوسه المفقود. لو عرف ذلك مسبّقا، لسعى إلى لقاءها بنفس أكثر انشراحا. ربّما كان اختار قميصا أكثر أناقة. ربّما كان أكثر من وضع عطره المفضّل. ربّما كان سأل أخته، بشيء من التوتّر الّذي يجتهد في إخفائه، عن رأيها في شكله. ربّما كان ألقى نظرة إلى المرآة قبل أن يخرج. لم يفعل شيئا من ذلك. نظر إلى ساعته في تبرّم وصفق الباب بقوّة كعادته عندما يضطرّ إلى فعل شيء بسبب الواجب ولا شيء غير الواجب. اضطرّ فيما بعد إلى الانتظار لعدّة دقائق حدّث نفسه فيها أنّه لا يأتي من ورائهنّ إلاّ وجع الدماغ. أقبلت تحثّ الخطى وهي تتمتم باسمة بكلمات اعتذار. دون أن يشعر وقف لاستقبالها. كان قد غفر لها قبل أن تنطق. منذ لمحها والفجر يلوح من شفتيها، صلّى في نفسه صلاة السكينة. لمّا مسّت يدها كفّه، سرت إليه كالعدوى ابتسامتها. لمّا نطقت، بلثغتها الظريفة، أيقن أنّه قطع المسافة كاملة من الضيق إلى الابتهاج في بضع ثوان.

لم يأخذ الواجب من لقاءهما سوى وقتا قصيرا. حرص هو على ذلك وانتقل بلباقة، تغيب عنه عادة، إلى حديث أكثر شخصيّة، ولم تمانع هي. سألها عن بلدتها، ولمّا أجابت، قال: "هذا يفسّر كلّ شيء". أغضت تخفي احمرار وجهها، وداخله شيء من ارتباك، إذ أدرك فجأة أنّه خطا عن غير وعي إلى الغزل. ولكنّه كان متوقّد البديهة في تلك الأمسية فلم ينثن. خاض بين قطع الرياض اللائي ملئن زهرا. طويت له الأرض في حديثهما ودنا بعيدُها، وكلّما انقضت أحدوثة، ودّ لو تعيدها...
لمّا ودّعها، تردّد في صدره قول إمرئ القيس:

أ لم ترياني كلّما جئت طارقا
وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وما إن غابت عن ناظريه، حتّى وجد نفسه يطفو على غيمة من عطر.

الأحد، 24 أغسطس 2014

هبة القوّاس...حلم لم يكتمل

ليست هبة القوّاس من الأسماء ذائعة الصيت في الساحة الفنيّة العربيّة وليست معروفة كثيرا لدى الجمهور التونسي. والحقيقة أنّي على الأرجح لم أكن لأسمع بها لولا حفلها بالمسرح البلدي بالعاصمة سنة 2005. أذكر أنّي لمّا سمعت أنّها ستفتتح مهرجان المدينة لتلك السنة، وكانت المرّة الأولى الّتي يفتتح فيها فنّان غير تونسي هذا المهرجان، استغربت كيف يمنح هذا الشرف لفنّانة مجهولة. بعد ذلك شاهدت ومضة في التلفزة التونسية تتحدّث عنها وعن حلمها لإنشاء أوبرا عربية، وتبدّل الاستغراب فضولا. ذهبت إلى شبّاك المسرح البلدي أسأل عن ثمن التذاكر فاُخبرت بسعر خيالي بالنسبة إلى طالب مثلي في ذلك الوقت (على ما أذكر 25 و15 دينار). هممت بالانصراف، فاستوقفني الموظّف ليعلمني أنّ التذاكر بأعلى المسرح ("الخمّ" أو "بيت الدجاج" كما درجت العادة على تسميته) متوفرّة بسعر خمسة دنانير. اقتنيت تذكرة واحدة، فقد كان من الصعب عليّ إيجاد رفيق يقاسمني نفس التوق للاكتشاف. ذهبت إلى تلك الأمسية الرمضانية، وكان ندمي فيما بعد كبيرا لأنّي لم أضحّ بشيء من المال لحجز أفضل مكان ممكن. كان ذلك الحفل أحد أحلى المفاجآت في حياتي. خرجت منه بين النشوة والذهول: نشوة لذلك العناق الحميم بين فخامة الموسيقى الكلاسكية وعبق الكلمة العربيّة المنتقاة بعناية، وذهول عند الخروج من المسرح بشعور من هوى بعد طول تحليق. كان الحفل خطواتي الأولى في عالم جديد يتمازج فيه الشرق والغرب دون تنافر، عالم تتألّق فيه الأحلام كنجمات حانية تضيء الطريق. أغنيتان شدّتاني بشكل خاص وقتها: "روح واتركني" لطرافة ألحانها ولطف الجناس في كلماتها وتفاعل قائد الأوركسترا الأرمني معها ومع الجمهور، و"عرفت بيروت" لمسحة الحزن الجليل التي طبعتها. وعلى الفور، حلّت هبة الله من نفسي محلّا لا يضارعها فيه سوى القدّيسة والماجدة.
بعد الحفل، حاولت جاهدا البحث عن أغاني هبة القوّاس. لم تكن أسطواناتها متوفّرة بتونس ولم أجد على الانترنت سوى عدد ضئيل من الأغاني ومقتطعات الأغاني، ولم يكن نشر فيديوهات للأغاني رائجا، وكانت مواقع الفيديو العالمية مغلقة أمام العموم. اكتفيت مؤقّتا بما وجدت وظللت أتحيّن الفرص لالتقاط إبداعاتها أغنية بعد أغنية. ولم يخب أملي قطّ. لم أجد في السنوات الأخيرة ترجمة أصدق لعمق الكلمات من ألحان إبنة صيدا وصوتها. شيء نبيل يغزو الروح عند الاستماع إليها. أنشئ الشعر الصوفي خلقا آخر مع أغانيها: "يا نسيم الريح"، "لقد صار قلبي"، "سبحان من خلق القلوب"...
منذ حوالي ثلاث سنوات تقريبا، استمعت إلى أغنية "نجوم الدني بعينيك"، ولعلّها كانت آخر عمل موسيقي أطرب له إلى حدّ الدهشة. كانت من ذلك النوع من الأغنيات التي لا تجد بدّا من الاستماع إليها مرّة بعد مرّة بعد مرّة لتتشرّبها. تكتشفها من جديد في كلّ حين، ولا تعرف ريّا.
ومعها يستمرّ الظمأ...تضنّ علينا هبة فلا نظفر منها بعمل جديد إلا في الفينة بعد الفينة. كأنّي بها لا تتقدّم في طريق حلم الأوبرا العربية إلاّ بخطوات وئيدة جدّا. ربّما يكون ذلك لأنّها لا تجد ما بين المحيط والخليج من الاهتمام ما تجده في المحافل العالمية للموسيقى الكلاسيكية. ربّما يكون ذلك لأنّ من يتذوّقون فنّها قطرات من بحار من الجماهير الباحثة عن الوجبات السريعة. أو لعلّ ذلك يرجع إلى أنّ وسائل الإعلام ومديري المهرجانات يفضّلون الأصداف على اللآلئ، إلا من رحم ربّك، ولعلّها لذلك لم تعد إلى تونس منذ تسع سنوات، رغم أنّي على يقين من أنّ عرضها الوحيد ترك أثرا لا يمّحى في قلوب جميع من حضروه.
قد يكون الأمر مزيجا من ذلك كلّه. ولكنّ الحلم لا ينتهي إلا بالموت كما يقال. سنظلّ نغالب ظمأنا ونحفظ شوقنا، عسى الشوق إلى التحليق يصنع الأجنحة...

الجمعة، 22 أغسطس 2014

أرجلنا الراقصة

كتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد بالجزيرة، وكان قد بَلغه عنه أنّه يتلكّأ في بَيعته: "أما بعد. فإني أراك تُقدّم رجلاً وتُؤخِّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئتَ، والسلام". 

من الطبيعي أن تعرف حياتنا بضع مفترقات طرق. نقف عندها لمدّة قد تطول فنفكّر في جميع الخيارات التي أمامنا، ونمعن النظر فيها، نحاول أن نحسبها جيّدا، ثمّ نحسم فنسلك سبيلا لا رجوع منها.
لكن من غير الطبيعي أن تكثر فترات الوقوف فتتجاوز زمن الحركة، فنقضي وقتنا نعتمد على رجل تارة  ثمّ على أخرى طورا، فتمرّ أعمارنا ونحن بين تقديم وتأخر فنجد، قرب النهاية، أنّ الحياة مضت بنا ونحن في رقص ليس منه جدوى.
أن يشكل الأمر علينا مرّة كلّ عدّة سنوات فنتردّد ونحتار قبل أن نهدى الطريق شيء عادي، بل لعلّها علامة صحيّة، فالحياة الواضحة التي تسير دون تعرّجات هي إمّا حياة واهمة أو حياة لاواعية. كلّ إنسانيّتنا تقوم على فكرة الاختيار، لذلك لا بدّ أن نمارسها فيما يتعلّق بجوهريّات حياتنا بين الفينة والأخرى. أمّا أن تصبح الأسئلة الكبرى اللون الطاغي على عيشنا، فذلك يعني أنّنا لسنا نحيا...
قد تكون الحياة معقّدة. لكن من المفروض أن يكون لنا ما يكفي من اليقين الذّي نكوّنه بتراكم تجاربنا متى جزنا مرحلة المراهقة حتّى نتمكّن من الحسم في جلّ أمورنا دون حيرة. لا تكون لنا حياة حقّا أن لا يكون لنا هذا الحدّ الأدنى من اليقين.
الحيرة المزمنة سامة، تنزع المذاق من أيّامنا. ونحن نعرف أنّها لن تؤدّي بنا إلى أيّ مكان مادام ليس لنا ضوء نستنير به، وهو ما قد يجعلها قاتلة. الرقص المتواصل مرهق، معذّب، أسهل منه أن لا نفكّر...أن نتّخذ قراراتنا بعشوائية...برمي قطعة نقود إن لزم الأمر. أن نعتمد على الرجل الخطأ أكثر راحة بكثير من رقصة أبدية.

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

شيء من المرض


يلزمنا أحيانا شيء من المرض لنتأكد أننا لسنا آلهة. ذاك الضعف هو شيء مما يميّزنا نحن معاشر بني آدم.... أن نكون في أقصى عنفواننا، في ذروة توهجنا، في أوج عطائنا، فيخيّل إلينا أنّنا فارقنا مرتبة الإنسانية وارتفعنا فوقها بخطوة أو بخطوات، ثم يأتي ذلك الانكسار من حيث لا نأتي. نصير حبيسي أنفسنا، أسارى للعجز، غير مستطيعين إلا بشق الأنفس، أو بغيرنا. ينال من وجوهنا الشحوب فيذوي بعض جمالنا. يضني أجسادنا التعب فتنهدّ وقد كنّا واثقين قبل لحظات أنّها تزحزح الجبال. يسكن أعيننا الأرق وقد كنّا من قبل نمرح متى شئنا ونستلقي فننام أنّى أردنا دون أن يخطر ببالنا أنّ الكرى قد يضحي سلطانا منيع الأبواب، شديد الحجّاب.
للمرض جمال. نكون معه في أقرب الأحوال إلى أنفسنا. ومهما بلغ بنا التشويش، فإننا ندرك أننا نلامس جوهر أنفسنا في تلك الحالة. لعلّنا إذ نجرّد من قناع التألّق، من رداء الصحّة،  لا نجد بدّا من الغوص في أعماقنا ونصافح نائما فينا قد نكون نسينا شأنه منذ أمد. في ذلك المزيج بين التشويش والاضطراب من ناحية ولقيا النفس من ناحية أخرى نصل مرحلة من السكينة المعذّبة ربمّا ليس لها طريق آخر.
للمرض جلال. هو رسالة اللّه إلينا أنّ الكمال سيظلّ حلما لا نطاله. هو نذيره إلينا أنّنا معرّضون في كل آن لمفارقة جذوة الحياة. هو بشيره لنا أنّنا لن نعرف الراحة إلا حين نلقاه...

الاثنين، 18 أغسطس 2014

"موزار: أوبرا الروك"" عرض شبه محترف يختتم دورة استثنائية


قبل المرور إلى نظام الاحتراف، مرّت بطولة كرة القدم التونسية بمرحلة انتقالية أطلق عليها إسم مرحلة "اللاهواية" كانت منزلة بين المنزلتين، وسطا بين الهواية والاحتراف، إذ كان كلّ فريق ملزما بأن يكون عدد معيّن من لاعبيه محترفين في حين تتكوّن بقية الرصيد البشري من الهواة. ولعلّها كانت مرحلة ضرورية للانتقال إلى الاحتراف، ولكنها لم تكن تخلو من الغرابة باعتبار تعايش نمطين مختلفين دون حسم واضح لصالح أحدهما.

وهذه التناقض بين الهواية والاحتراف كان السمة المميّزة للعرض المقرّر لاختتام مهرجان قرطاج الدولي، فقد كان من الصعب تصنيفه ضمن العروض الهاوية أو المحترفة نظرا لأنّه احتوى على عناصر من كلا الصنفين، وإن كانت الكفّة تبدو أرجح لصالح الهواية.

أمّا عناصر الاحتراف، فيمكن أن نلمحها في العدد الكبير للعاملين على العرض: أوركسترا تتكوّن في أغلبها من عازفي كمنجة، فرقة روك، خمسة مغنّين، عدد محترم من تقنيي الإضاءة والصوت...وهذا ما كان يوحي بعرض ذي مستوى راق، ولكنّ عناصر الهواية كانت الأغلب.

كان السؤال الذي حيّرني طوال العرض: هل لهذه الأوبرا المزعومة مخرج؟ كان كلّ من المغنّين يصعد على الركح فيؤدّي أغنية دون أن يبالي كثيرا بتجسيد شخصيّته ثمّ يخرج وتصمت الموسيقى حتّى دخول من يتلوه، وكأنّ العرض مجموعة من الأغاني المنفصلة، لا أوبرا مترابطة الفقرات من المفروض أن تقص علينا قصة موزار. غاب التنسيق وبدا جليا أنّ كلّ فرد من المغنّين يرتجل حركاته، فمؤدّي شخصية موزار كانت حركته المميّزة الركض على غير هدى على الركح والقفز في الهواء أحيانا، تحت تصفيق وصرخات جزء كبير من الجمهور يبدو أنّه كان مستعدّا للتهليل لأيّ شيء. 

ويبدو أنّ المفاهيم الأساسية "أوبرا" و"أوبرا روك" كانت مفاهيم غير واضحة بالمرّة في أذهان أصحاب العمل، فالعمل الأوبرالي يتطلب حدا أدنى من القصّ المسرحي والحوار بين الشخصيات، لكن كان من الصعب تتبّع القصّة، أيّ قصّة، في العمل. أمّا عن الحوار، فيكفي القول أنّ موزار لم يدخل في حوار مع إحدى الشخصيات إلا في مناسبة واحدة قبل المشهد الختامي للدلالة على الضعف الفادح لهذا الجانب في العمل. وفيما يتعلّق بجانب "الروك"، فما قيل عن العرض أنِّه تزاوج بين الموسيقى السمفونية وموسيقى الروك، لكن طيلة الساعة الأولى من العرض، ما سمعته في جميع الأغنيات "دخلة" سمفونية يقطع عليها الروك الطريق لينتقل صوت الكمنجات إلى الظل. أما في نصف الساعة الأخيرة، فقد كان هناك محاولة لإيجاد توليفة بين النمطين كانت نتيجتها "زنزانة"كبيرة.

أما عن تعامل المغنين مع "الأوبرا" ومع الجمهور، فقد كان شبيها بذاك الذي عرفناه عن أشباه النجوم من الشرق: خطاب من طينة "تونس بلدي التاني" وتبادل للتحيات وسط العرض، وكأنهم غافلون تماما أن الجانب المسرحي للعرض يقتضي امتناعا تاما عن مثل هذه التصرفات البدائية، التي يمكن أن نضيف إليها أنّ أصواتهم عوّضها فيما يبدو البلاي باك في أحيان كثيرة. كما لم يمتنع أحد أفراد الأركسترا (التي تبين أنها تونسية) عن مغادرة مكانه وسط العرض (ربما لحاجات طبيعية !) ثم العودة إليه تحت أنظار الجمهور الذي خاله ممثلا ينضم إلى الفريق.
وهكذا أسدل الستار على دورة كان من المفترض أن تكون استثنائية بما أنها تختم نصف قرن من عمر المهرجان بعرض هو أقرب للهواية منه للاحتراف رغم الهالة التي أحيطت به والجوائز التي تحصّل عليها والتي قد تكون نتيجة جديّة أكبر تم بها العرض في "بلاد برّة" بعيدة تماما عن الاستسهال الكبير الذي نفّذ به في تونس، استسهال يصل إلى مرتبة قلة الاحترام لتونس وجمهورها.