الأحد، 19 أكتوبر 2025

الأمن...فوق الجبل


منتزه النحلي من أماكني المفضلة. أشعر أني محظوظ لأني أسكن على مقربة منه. هو فسحة يندر أمثالها في العاصمة وضواحيها لاستنشاق جرعة من الهواء النقي وقضاء وقت هادئ.

في ذلك اليوم، كُنت قد بدأت أشفى من نزلة برد حرمتني من ممارسة الركض هناك لعدّة أيام. قرّرت أن أقضي عدّة ساعات هناك كنوع من الاستشفاء الجسدي والنفسي.

بعد أن أتممت لفّتين أو ثلاثا من الركض في المسلك الصحي، اخترتُ مكانا للجلوس تحت أشجار الصنوبر بعيدا عن المسلك الرئيسي، فعلى رغم هدوء المكان عموما، فلا يخلو الأمر أحيانا من بعض المشاة ذوي الأصوات العالية، ولم تكن لي رغبة بالمرة في مواجهة مثل هذا الإزعاج.

يمرّ الوقت هناك دون أن أشعر به. عادة ما أقضيه في التأمّل وتقليب الأفكار والكتابة والمطالعة. كنت بصدد ممارسة هذا الروتين لمّا طرقت مسامعي أصوات سنابك الخيل. لم أستغرب ذلك، فطالما رأيتُ أعوانا من وحدات التدخل يأتون بشاحنات كبيرة محمّلة بالخيل إلى المنتزه، وافترضتُ أنّ تدريبها يقتضي إطلاقها في أماكن فسيحة كالنحلي.

كانت الأصوات تقترب منّي دون أن أعيرها اهتماما. كنتُ منشغلا في الكتابة. بعد ثوان، كان رجل أمن يقف على صهوة جواده أمامي. ألقى التحية فرددتها عليه. سألني: أتركض هنا؟ أجبته دون أن أرفع عيني عما أكتبه: نعم، وها أنذا أستريح. قال: هات بطاقة التعريف!

نظرت إليه مذهولا. لم أكن أظنّ أنني سأحتاج في خلوة على الجبل إلى الاستظهار بهويتي، وفي الحقيقة أنني نادرا ما أحملها حين الركض، ولم أكن متأكدا من أنها معي في تلك اللحظة. همست في تردّد وكأني أتأكد: ماذا؟ أجابني بصوت معروف لدى عموم المواطنين: طقتتعريف!

تحسست الحقيبة الصغيرة التي أضع فيها قارورة الماء بتوجّس، ثم تنفست الصعداء. يبدو أن العناية الإلهية أوحت إليّ أنني سأتعرض لمثل هذا الموقف، فألقيت بحافظة أوراقي وسط الحقيبة قبل أن أخرج.

مددت إليه البطاقة دون أن أغادر مكاني، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة. طبعا، واجبي كمواطن أن أجعل الأمور أيسر على السيد العون. نهضتُ متثاقلا ومددت إليه البطاقة. نظر إليها وقلّبها ثم قال: ألم ترتكب شيئا؟ أجبت: لا. قال محذّرا: يمكنني أن أتأكد من ذلك. أجبته: افعل إذا شئت.

ردّ إليّ البطاقة وقال فيما يشبه التفسير: إنه مجرد 'كونترول' فلا تقلق. لم أدر لم كان عليّ أن أقلق. تذكرت صديقا من أستراليا كان يقول ساخرا: "عمليات المراقبة هذه لا تجدها إلا في الدول المتخلفة، كتونس وفرنسا! ففي الدول التي تحترم مواطنيها ليس من حقّ الأمني أن يتعرّض لك بأيّ شكل إلا إذا كان هناك داع لذلك". أجبت العون على كلّ حال: أفهم ذلك. تركني ومضى.

عدت إلى مكاني تحت الشجرة، وقد تكدّر صفوي. كنت أنوي قضاء صباح هادئ في مكاني المفضل وسط الطبيعة، فوجدتُ نفسي عرضة للاستجواب الأمني. من حسن حظي أني كنت أحمل بطاقة تعريفي. يجب أن تكون معي دائما، حتى لو كنت أغوص في أعماق البحر! ماذا كان يحدث لو أنها لم تكن معي؟ ربما كنت ستتصدر صورتي نشرات الأخبار مع عنوان بارز "القبض على عنصر من العناصر التي تتدرّب في الجبل". تنهّدت وأنا أفكّر في حماقتي إذ أنشد شيئا من السلام في بطن الطبيعة. ظننت أني أتحرر هناك. لعلّ الحرية مجرّد استراحة قصيرة بين عمليتي تفتيش.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

الطائر الهاوي...تجربتي الأولى مع الموت

حدث ذلك في عُطلة، أخالها عطلة الربيع، لمّا كنتُ في سنّ السادسة. كعادتي وعادة لداتي من أبناء العائلة، كُنت أقضي أغلب أوقات الفراغ، إن لم نقل كلّها، بدار جدّتي. كنّا نلهو طول الوقت متمتّعين باللمجات التي لا تنتهي التي تمدّنا بها ميما. كان يوما معتدلا مناسبا للعب في الفضاء الخارجي. كنّا نتقاذف الكرة في الفناء الاسمنتي المجاور للمطبخ. لا أدري كيف كان ذلك المكان الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار مربعة يسعنا.
قطع لهونا صوت خافت يشبه الزقزقة. لم نبحث طويلا. قرب الحائط الخارجي، كان هناك عصفور صغير واقع على الأرض. أظنه كان من نوع الدوري (البوزويش). لم نكن نعلم تحديدا من أين أتى، ولكن كان هناك عشّ مُقام على عمود الإنارة على الجهة المقابلة من النهج، وافترضنا أنه سقط من هناك، وإن لم نلحظ أثرا لعصافير أخرى من نفس النوع يومها.
تحلقنا حوله. كان بالكاد يتحرك، ويبدو أنه يتنفس بصعوبة. لم نعرف ماذا نفعل معه. كيف بالإمكان أن ترعى طائرا لا يقدر على الطيران؟ خمنّا أنه لا شكّ عطشان وجوعان. كان لنا شيء من الحبوب التي كنّا نطعم بها الصيصان التي نشتريها والتي لا تعيش إلا لساعات أو أيام على أقصى تقدير. جئناه بشيء منها فلم يتناول منه شيئا. ولكن لمّا جئناه بالماء، شرب منه شيئا قليلا، وهلّلنا كلنا لذلك.
قضينا ساعات برفقة ذلك الطائر. كنّا ننتبه لكلّ حركة يبديها ويخيّل إلينا أنها دليل على أنه يتعافى. حفظنا ملامحه حتى خلنا أنه بإمكاننا أن نميّزه عن أقرانه، بذلك الاحمرار الخفيف الذي يمتزج بالبنّي في أعلى رأسه وجناحيه، وبتلك البقعة السوداء الصغيرة أسفل منقاره، وبذلك الملمس الناعم لزغبه الأبيض الذي يغطي بطنه وبتلك الرنة الخافتة في صوته المتعب.  بل أننا بدأنا ننسج مخططات لمستقبله: هل نخصص له قفصا يكمل فيه تعافيه بعيدا عن القطط والكلاب التي تتربص به؟ أم يجدر أن نطلقه في الطبيعة فورا؟
من العجيب أنني لم أمنحه اسما. كنت مولعا بتسمية كل شيء، كأنني أقفو أثر جدّي آدم. لكنّ التسمية امتلاك، ولعلّي كنت أستبطن أنّه مما لا يمكنني امتلاكه.
بعيد الغداء، أردنا تفقّده، ولكنه لم يكن يتحرك. ما باله؟ ألم يكن يومئ برأسه ويشرب الماء قبل قليل؟ ألم تتحسن حاله حتى خلنا أنه سيعود إلى الطيران قريبا؟ في خضمّ تلك الحيرة، لا أدري تحديدا من نطق بتلك الجملة "لقد مات"...
وجدت نفسي أنفجر في نوبة طويلة من البكاء. ربما كان ذلك حزنا على ذلك الكائن الرقيق الذي أفقده حادث عارض حياته. ربما كان ذلك أسفا على صداقة مأمولة بدأت أنسج أحلامها. ربّما كان ذلك خوفا من هذه النهاية المفاجئة التي تعصف بالأرواح...
أخذ الجميع يواسونني ويحاولون تهدئتي، ويعدونني باقتناء طائر أجمل. لكني لم أكفّ عن البكاء. تفتقت قريحة ابن عمي عن فكرة سرعان ما رضيت عنها: سنقيم مراسم دفن لهذا العصفور. أعددنا ما يشبه التابوت من الأخشاب التي كانت بورشة جدي. حفرنا حفرة صغيرة قرب مدخل الدار ووضعنا جثة العصفور هناك، وغطيناها بتلك الأخشاب. لعلّ أحدنا نطق ببعض الكلمات التأبينية حينها. وهكذا ودّعت ذلك الكائن الذي عبر حياتي لساعات...