الخميس، 13 فبراير 2020

ما الذي تغيّر بعد مشاهدة الخطّاب على الباب للمرّة الألف؟ 4/1

أنهت القناة الوطنية الثانية يوم الإثنين عرض مسلسل "الخطّاب على الباب" بجزئيه للمرّة الألف. لعلّ من فوائد هذه القناة القليلة جدّا أنّها تعيدنا إلى استرجاع تلك اللحظات المميّزة مع أعمال طبعت ماضينا، والحقّ أنّها لا تعتاش إلّا من ذلك. فعلى الرغم من أنّ هذا المسلسل، كغيره، متوفّر على الانترنت، إلّا أنّ في مشاهدته على التلفزة متعة أخرى. نستعيد ذلك الترقّب اللذيذ لسماع شارة بدايته، ونقلق إن طال انتظاره، فنلعن البرلمان أو ألعاب القوى أو غير ذلك ممّا يؤخّر علينا مشاهدته. نعود مع "الخطّاب على الباب" إلى أجواء المدينة العتيقة في رمضان منتصف التسعينات، هذه المدينة التي كانت تشهد تحوّلات اجتماعية عميقة. ولئن كنّا كدنا نحفظ الحوار في جميع الحلقات من كثرة المشاهدة، إلّا أنّ الإعادة قد تتيح لنا التركيز على بعض النقاط التي ربّما لم ننتبه إليها ونحن ننساق مع لذّة الحكي.


تبدو لي العلاقة بين منّانة وصفيّة من أكثر العلاقات التي تستوجب الوقوف عندها. لطالما كنت منحازا إلى منّانة، وذلك مفهوم. من لا يحبّ الجدّة التقليدية التي توحي بالطيبة المطلقة والتي يكون وجودها في المنزل محلّ كلّ بركة؟ في مقابل ذلك، لا تقصّر للا صفيّة في أن تنفّر الجميع منها: بضيق صدرها وأسلوبها الحاد والمتعجرف أحيانا وحتى في نظراتها التي تقطر سمّا. لكنّ العلاقة أعقد من ذلك. وراء تلك الطيبة الظاهرية، نرى أنّ منّانة تبدع في التلاعب فيمن حولها. كامرأة تعيش وسط الأطلال، لا تقصّر منّانة في تسليط ضغط كبير على ابنها الشاذلي لكي يرتقي إلى المستوى المطلوب منه كسليل وحيد لأسرة عريقة. نرى ذلك واضحا منذ الحلقة الأولى. عندما يأتي سي عثمان إلى منزل العائلة، نرى منّانة تنهر ابنها آمرة "قوم لضيفك" فيهبّ هو مذعورا، وتذكّر هي بماضي الدار التليد في استقبال الضيوف. تقوم بدور الأمينة على تراث العائلة، وتديم التحسّر، بمناسبة أو غير مناسبة، على زوال التقاليد الأصيلة: "وعد الله على هالدار، لاعاد عيدها عيد ولا رمضانها رمضان". تتفنّن في استفزاز كنّتها، فلا تتردّد في دعوة ابنة أختها إلى المنزل على معرفتها بما يثيره ذلك من حساسيات تاريخية، ثمّ تتصنّع بعد ذلك البراءة والغضب، وكأنّها لم تفعل ما يستوجب ملاما. تبرع في إيغار صدر ابنها على زوجته، بكلماتها الموجعة التي تدسّها بدم بارد وسط الحديث، وبزعمها اللامبالاة: "بيناتكم، أنا ما زلت نقول حاجة". يتحوّل التلميح تصريحا في بعض المواقف، عندما طالبت صفيّة بالخروج إلى العمل مثلا. مطالبها مشروعة تماما، خصوصا لامرأة تونسية في التسعينات. هي تزوّجت في سنّ صغيرة فتركت عملها بالبريد، ثمّ انساقت إلى تربية الأبناء والاعتناء بالبيت، فلم تعد إلى العمل. ترفض كلّ الامتيازات المادية المغرية: راتب شهري معتبر، مصوغ باهظ الثمن... وتعلن أنّ هدفها الوحيد هو تحقيق ذاتها. مع ذلك، لا يقابلها زوجها وحماتها إلّا بالاستهجان، بلا سبب حقيقي سوى المحافظة على مظاهر الارستقراطية القديمة: إذ كيف تعمل زوجة الشاذلي التمّار أجيرة؟؟
مع تقدّم الحوار، يصبح الأمر أكثر سخفا، إذ يعترض الشاذلي بكون عملها سيحرمه من قهوته المسائية من يديها، مع قطرة زهر. لمّا تجيبه: ستعدّها لك أمّك، تتدخّل منّانة ساخرة: أنا الزهر بالقطرة ما نعرفوش! تستحقّ صفيّة الإعجاب على تمسّكها العنيد بموقفها حتى تحقيق طموحها. تكمن المفارقة في إهداء الشاذلي المصنع إليها في نهاية الجزء الأوّل، وتحوّلها من أجيرة إلى سيّدة أعمال. لم لم يفكّر منذ البداية في فتح مشروع تجاري لزوجته؟ أخال أنّ العناد وغياب تقاليد الحوار هما ما منع ذلك. نجحت صفية في أن تثبت نفسها كسيدة أعمال مهابة في الجزء الثاني. وبصرف النظر عن مزاجها، يبدو أنّ أكبر فشل لها هو في علاقتها مع ابنتيها التي بقيت على قدر كبير من التوتّر، وهو ما يبدو أنّ صفية توعزه إلى تكبّر آل التمار على عائلتها، وهو ما لم تكن منانة تقصّر في إشعارها به (بنت ناس دافين، أما على قدهم) وكأنّ الشاذلي تنازل ليقبلها زوجة. وأتى رفض ابنتها سعاد الزواج من فوزي تحيفة ليؤكد عند صفيّة هذا التوجّه. "تنتقم" هي، لمّا أصبحت سيّدة أعمال، بمزيد من الصلف، وبتقريب أفراد عائلتها وإيكال وظائف بارزة إليهم على قلّة كفاءتهم، والمقصود هنا إلياس تحيفة.
(يتبع)

الأحد، 9 فبراير 2020

مجلة ماجد... كيف كبرت قبل الأوان؟

أدين لمجلة ماجد بجزء كبير من تكويني الثقافي طوال سنين الطفولة والمراهقة. بدأت في قراءتها منذ أوائل التسعينات، وأظن أن ما كانت تقدٌمه كان لا يضاهى، رغم وجود عدد من مجلات الأطفال التونسية والعربية المتنافسة على الساحة: في الجانب التونسي كانت هناك "عرفان" و"قوس قزح" وكان مستواهما يسير نحو الانحدار. حدث أن اقتنيت من معرض الكتاب مجلدات لعرفان من فترة السبعينات ووجدت أن مستوى المجلة كان أرفع بكثير. كانت هناك أيضا "علاء الدين" التي كانت تبدو لي جافة إلى حد ما. في وقت ما ظهرت مجلة "الشيماء" التي حاولت تقديم مضمون جدي بشكل جذاب، غير أنها كانت باهظة الثمن نسبيا، ولم تستمر طويلا. أما المجلات العربية، فكانت تصلنا منها "باسم" السعودية التي  كانت تعتمد على الإبهار أكثر من العمق، و"العربي الصغير" الكويتية، ولا أذكر عنها الكثير، و"سامر" اللبنانية التي على ثراء محتواها كان وصولها إلينا متقطعا.
كانت مجلة ماجد الوحيدة التي واظبت على قراءتها لسنوات طويلة دون انقطاع، ولا أزال أحافظ على مئات من نسخها القديمة التي كانت رفيقة لياليّ. لم يكن أحبّ إليّ متى وجدت شيئا من الفراغ من نفض الغبار عن نسخة قديمة واستعادة ما بها.
في البداية، كطفل في بدايات التعلّم، كانت تجذبني الصور المتسلسلة، فكنت أتمتع بمطالعة حكايات "كسلان جدا" وأبي الظرفاء وأحاول فهم ما تسرده زكية الذكية وتثيرني مغامرات النقيب خلفان والمساعد فهمان قبل أن  تنضمّ إليهما الملازم مريم. أذكر منها حكاية كانت تملؤني ضحكا عن شاعر شهد حادثا فنظم حوله قصيدة:
بيوت قائمة 
والفجر يعزف أنغامه
لماذا تتلونين أيتها الفتاة بالأحمر؟
سنذهب بالسيارة إلى سنغافورة
توقفوا فالسيارة تطير
والفتاة وردة مكسورة
عنق بجعة. أسنان مشط. طبل. عصاتان.
وبقي فهمان يحاول فكّ رموز هذه القصيدة ليكتشف من ارتكب الحادث. من العجيب أن أتجه إلى كتابة الشعر فيما بعد رغم هذا الموروث الناضح سخرية.
لما كبرت، صار لي صبر على مطالعة النصوص الطويلة نسبيا. أزعم أن المجلة كانت تقدّم محتوى متكاملا يفوق مستوى الثقافة الذي يمكن أن نتوقعه من طفل أو مراهق. كانت العلوم الطبيعية والتجريبية تقدّم بشكل مبسّط في "من كل بستان زهرة". أما "أحباب الله" فكان يقدّم محتوى دينيا تاريخيا. وكانت دائرة المعارف، التي ولعت بجمع قصاصاتها، تقدّم محتوى متنوعا في الجغرافيا والتاريخ والعلوم والفنون وحتى في الطبخ. أما جميع النكت التي كنت أحفظها آنذاك، فلم تكن تعدو ما ينشر في "ضحك ولعب وجد". أذكر أنه كان هنالك كذلك ركن رياضي أخاله كان غير قار، تعلمت من خلاله الكثير بالخصوص عن تاريخ كرة القدم، فأغرمت من خلاله بمنتخب المجر الذهبي الذي لعب نهائي 1954، وبقي ذلك الولع، حتى أنني كتبت حوله مقالا بعد سنوات طويلة. أما أكثر ما كان يعبّر عن جانب الالتزام في الطرح الذي تقدّمه مجلة ماجد فهو اعتناؤها البالغ بالقضية الفلسطينية. كان ذلك بالخصوص من خلال ركن "عيون تراقب العدو" الذي يقدًم نظرة عن تاريخ الصراع العربي الصهيوني ولمحات عمّا تكتبه الصحف الاسرائيلية. تصوّروا طفلا في العاشرة يعرف ما تكتبه "يدعوت أحرونوت" و"معاريف" و"عال همشمار" ويدرك النزاعات بين الأشكيناز والسفارديم! أذكر جيدا قصة العميل 512 وهي قصة عملية استخبارية على طراز رأفت الهجان داخل الأراضي المحتلة وداخل مفاعل ديمونا تحديدا. الانتماء إلعربي كان كذلك مما وعيته من مجلة ماجد، التي كانت تكرّر دائما شعار "من المحيط إلى الخليج". في حلقة لزكية الذكية حول العملة الأروبية الموحدة، حلم أخوها بدينار عربي موحًد. يا له من حلم لا يزداد إلا بعدا!
لا أكاد أحصي عدّا لآثار مجلة ماجد عليّ. أحسب أن جميع محاولاتي الأدبية الأولى كانت تقليدا لما كان يرد في ماجد. كنت أكتب وأرسم مجلة أغلب أركانها مستقاة مما في ماجد، فيصبح النقيب خلفان مثلا الجنرال حمزة. تعلّقي باللغة العربية بدأ كذلك مع ماجد. غير أني أخال أن أكبر أثر لها عليّ كان في تلك النظرة المثالية المترفعة تجاه الحياة بأسرها، وأخال أن ظلال هذه النظرة لا تزال ماثلة فيّ إلى الآن.
لم تخل مجلّة ماجد من بعض الشوائب. في جانب  منها، كانت من أجنحة الدعاية لدولة الإمارات ونظامها الحاكم. كانت أكثر الأعداد التي تضجرني تلك التي تعنى بعيد الجلوس وما شابهه إذ كان الجانب الاحتفالي يحتل حينها قسما كبيرا من المجلة، حتى صار ذكر الشيخ زايد، رحمه الله وغفر له، يكلفني من أمري رهقا. كما لم يخل باب "أحباب الله" من نظرة ماضوية، أقرب للسلفية. مما أذكره منه النظرة التمجيدية للغاية للإمام أحمد بن حنبل على حساب المعتزلة الذي لم يكن فكرهم يقدّم إلا بكونه معتقدا خاطئا. كانت هذه النظرة التمجيدية تشمل كل الصحابة والتابعين وحتى المتأخرين إذ نجد مثلا إكبارا  للمستعصم، الخليفة الذي أضاع ضعفه بغداد والخلافة، لعطفه على الفقراء والمساكين! كان خليل الحداد، محرّر هذا الباب، يشرف كذلك على باب "أنا عندي مشكلة" الذي كان يبثّ من خلاله أفكارا من قبيل أن المسلم الحقيقي لا يصاب بأزمات نفسية!
لم يمنعني ذلك من مواصلة الإقبال على مجلة ماجد إلى مرحلة متأخرة، لا سيما أن سعرها بقي طوال سنوات في حدود ستمائة مليم. حتى لما كبرت، بقيت أتعلل بأختي الصغرى لأواصل اقتناءها. ولم أكفّ عن قراءتها إلا وأنا في الجامعة. حدث بعد سنوات أن اقتنيت منها نسخة فوجدتها تتّجه نحو الإبهار في الصورة والتخفيف من المحتوى، فأضربت عنها، ولا أدري إلام آلت الآن.

الخميس، 6 فبراير 2020

هل من معنى للحديث عن التطبيع الرياضي؟


ككلّ مرّة، يعود الجدل حول التطبيع حينما تُوقعنا "صدفة" ما في لقاء رياضي مع الكيان الغاصب. وهذا ما حصل عندما "فوجئنا" أنّ القرعة أوقعت المنتخب الوطني للتنس (سيّدات) في مواجهة غير محبّذة بالمرّة. لعبت أنس جابر وشيراز البشري، وانتصرتا. لكنّ هذا لم يمنع وزارة الشؤون الخارجية من إصدار بيان يدين هذا اللون من "التطبيع" ويذكّر بـ"مواقف تونس الثابتة". وتجنّد الرأي العام بين مدافع ومخوّن، في معركة كلامية داخلية تكشف ولا شكّ هلاميّة الطرح كلّما تعلّق الأمر بمسألة على هذه الشاكلة.
من دواعي السخرية أن نتحدّث عن عنصر المفاجأة. يُشارك في هذه الدورة من "فيد كاب" في هلسنكي الفنلندية ثمانية فرق من مجموعة افريقيا وأروبا تقسّمهم القرعة إلى مجموعتين. يعني ذلك أنّ نسبة وقوعنا في نفس مجموعة إسرائيل كانت وافرة للغاية، حتّى قبل أن نذهب. إذن كان علينا منذ البداية أن نختار: إمّا ألّا نذهب، وإمّا أن نعدّ مسبقا موقفا لمثل هذه الفرضية غير المستبعدة بالمرّة، لا أن نرتبك ونرتجل المواقف في آخر لحظة. طبعا قد يبدو خيار "ألّا نذهب" غير معقول، ولكن إذا كانت مواقفنا ثابتة حقّا إلى هذا الحدّ، فمن المفترض أن نمتنع عن المشاركة في أيّ تظاهرة رياضية يمكن أن تجمع ممثّلي تونس بممثّلي الكيان الغاصب. بل لو شئنا التعمّق أكثر، فمن المفترض أن نسحب عضويّتنا من كلّ اتحاد رياضي يقبل إسرائيل عضوا فيه. أليس القبول بعضوية اسرائيل في اتحاد التنس الدولي تطبيعا من الأساس؟ ولنتصوّر أنّ المسألة طُرحت في رياضة أكثر شعبية. ماذا لو أنّ القرعة أوقعت مثلا منتخب كرة القدم مع إسرائيل في إحدى مجموعات كأس العالم، بعد مشوار ترشّح مضن؟ هل كنّا لنطلب منهم الانسحاب بهذه السهولة ونأسف لهذه الصدفة اللعينة؟  أم أنّنا نستقوي فقط على فتيات يمارسن رياضة غير شعبية؟ وماذا لو جمعت "الصدفة" رياضيا تونسيا بآخر من إسرائيل في الدور النهائي من رياضة ما خلال الألعاب الأولمبية؟ هل نطلب منه الانسحاب ونخسر ميدالية مستحقة تضاف لرصيدنا الضعيف أصلا؟
كلّ المواقف المذكورة واردة. تحقّقها يبقى فقط رهين بعض الحظّ. عوض أن ننتظر وقوعها لنصيح ونندّد ونستنكر ونخوّن، من المفروض أن يكون لنا اتّجاه واضح لا ننتظر لتحديده شيئا من الصدفة. هذا الاتّجاه لا يمكن أن يخرج عن ثلاث:
1- أن تعلن تونس، من جانب واحد، انسحابها من جميع الاتحادات الرياضية التي تضمّ إسرائيل ضمن أعضائها. طبعا سيعني هذا عزلة رياضية دولية، ولن يحذو على الأرجح حذونا أيّ بلد صديق أو شقيق، لكن ماذا يهم؟ المهمّ فقط أن تحافظ تونس على "مواقفها الثابتة".
2- أن تنسّق تونس مع البلدان التي تشاركها نفس الموقف من القضية الفلسطينية للضغط على الاتحادات الرياضية الدولية لطرد إسرائيل من عضويتها. ليس ذلك بأمر مستحيل، وسبق ان تحقّق مثله، فجنوب افريقيا، وقت نظام الميز العنصري، كانت محظورة من المشاركة الدولية في أغلب الرياضات وحتى من المشاركة في الألعاب الأولمبية منذ 1960 وحتى 1992. من المفترض أنّ قوّة العدد (الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب) تمكّن من تسليط ضغط كاف في هذا الصدد. لكنّ ذلك يتطلّب تنسيقا دبلوماسيا كبيرا ومواجهة لضغوط دولية لا أحد مستعدّ حقّا لتحمّلها، في الوقت الحاضر على الأقل.
3- أن نعتبر أنّ الرياضة لا تعني أكثر من الرياضة، فلا نحمّل بذلك رياضيينا عبئا سياسيا في كلّ مواجهة، ولا نتهّمهم بالاعتراف بإسرائيل، وهو اعتراف لا هم قاموا به، ولا احتاجته إسرائيل منّا لتنشط رياضيا على المستوى الدولي. كلّ ما يمكن أن نطلبه منهم هو أن يبذلوا جهدا مضاعفا لتحقيق ولو انتصار رمزي بسيط في زمن عزّت فيه الانتصارات، وهو ما قامت به باقتدار أنس وشيراز. حظّا طيّبا لهما ولكلّ الفريق في بقية المشوار!

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

خطبة حبيب في قومه


خطب حبيب في قومه، فقال: يا بني المختار، كيف علمتموني بينكم؟ قالوا: خيرا، أسمحنا وأتقانا. قال: أما والله إنّ ما مدحتموني به لهو أشدّ الأشياء عليّ، وما هذه السوداء التي تأبى أن تفارقني إلاّ من مداراتكم. لو علمتم ما بي، لأنكرتموني ولما نزلت فيكم هذا المنزل. لو أنّني أرسلت نفسي على سجيّتها لكان لي فيكم المحبّ والمبغض، ولما كان لصدري ليضيق هذا الضيق أو لهذا السدّ أن يُرفع بيني وبيني. قد رضت نفسي على ما تبغون ثلاثين عاما، فكنت فيكم شيخا قبل شبابي حتّى إذا أردت أن أحلّ عقالي وأغتسل بنور الشمس قلتم: أ بعد أن سوّدناه وبلغ فينا ما بلغ يريد أن ينزع إلى الصبا؟ هيهات هيهات، إن كنت غفلت عن نفسي دهرا، فلن أضيعها بعد اليوم ساعة. أنا من أنا، أحبّ وأكره، أشتهي وأنفر، أغضب وأرضى، أضحك وأبكي، ولم تروا منّي إلاّ ما اتشّح بالغمام ولبس الرماد. أما إنّكم سترون منّي ألوانا، ولو أنّكم جميعا سلكتم فجّا ورأيت سبيلي في غيره، لسلكت غير ما تسلكون. ونزل فاعتزل في بيته أيّاما.

الأربعاء، 21 أغسطس 2019

جرعات من العقل


-1-
لست مجنونا بما يكفي
ليجري الشعر منّي مثل سَيلٍ
ليس لي في الدمع حظّ
عندما يهرع نحوي ما يسمّونه خطبا
-خطبنا الأكبر في أنّا هنا نحيا-
فلا يعلو أنينٌ للقوافي
ربّما تفتح عينا في الكرى
لكنها عند جبال الثلج تبني حصنها
تنفي وتنفي بعناد
في انتظارٍ صُبْحُهُ أبلج
أن يصبح للأشياء معنى
-2-
ليس لي عقل بما يكفي
لكي أنفِيَ منه كلّ ما ينفيه
يلقي شمسه في خطواتي
بوضوح ألمح السهل قريبا
غير أنّي أشتهي التيه قليلا
ليلِيَ الساري رفيق تالد الصحبة
نمشي مسرعي الخطو
لَئِلّا يلحق الضوء بذكرانا
نواري في ظلال الغاب
ما نجمعه في العتم لحنا
-3-
نصف عقل معه ربع جنون
وفراغ شاطح بينهما
يَجهَلُ "كُلَّ المَيْلِ"... لا يعرف إلا بعضه
أملؤه بالوقت حينا
بخوف أزرق النابين طورا
بحُلْمٍ دونه سدّ
بصبر صُبغت ناصيته
(كاذبة؟ لم تتعمّد كذبا
خاطئة؟ قد عُمّدت في خطأ)
بين محطّات مضت دون قطار
لم تعد تعرف سنّا...


الأربعاء، 19 يونيو 2019

"باب العلوج"... التاريخي في انتظار الروائي

لا أنكر ضعفي تجاه الروايات التاريخية. في صغري، نشأت على روايات جرجي زيدان التي غذّت، على ضعف بنيتها السردية، ولعي بالغوص في أعماق التاريخ. إذ كان زيدان يعتبر أنّ عموم القرّاء لايهتمّون بالتاريخ إذا لم يقدّم إليهم في قالب روائي شائق، ولعلّه لا يجانب الصواب في ذلك. ولئن تعرّض زيدان إلى جانب من تاريخ البلاد التونسية، وتحديدا الحقبة الفاطمية، في روايته "فتاة القيروان"، فإنّ اهتمام الروائيين بالتاريخ التونسي ظلّ عموما محدودا. فرغم أنّ بواكير الرواية التونسية كانت مع عمل تاريخي وهو "الهيفاء وسراج الليل" لصالح سويسي في بداية القرن العشرين، فإنّ الرواية التاريخية ظلّت شبه غائبة في النثر الأدبي التونسي، وظلّت رواية "برق الليل" للبشير خريّف ما يشبه بيضة الديك، واستمرّ الظمأ إلى مطالعة تاريخنا، المليء حدّ الثقل بالمشاريع السردية، في قالب روائي...
على  أنّ غزارة أعمال الروائي حسنين بن عمّو توحي بمشروع جاد لإرواء هذا الظمأ. عالج كاتبنا فترات مختلفة من تاريخ تونس في أعماله: أواخر العهد الحفصي والاحتلال الإسباني مع "رحمانة" و"باب الفلة"، عهد البايات "مع الخلخال"، ثورة علي بن غذاهم مع "عام الفزوع"... أمّا "باب العلوج"، باكورة أعماله الروائية المنشورة (صدرت طبعتها الأولى سنة 1988 وقرأتها في طبعتها الصادرة عن "نقوش عربية" سنة 2019)، فقد تعرّض إلى النصف الأوّل من القرن الخامس عشر، وهو ما يوافق أواخر العهد الذهبي للدولة الحفصية، أي الأعوام الاخيرة من حكم أبي فارس عبد العزيز وحكم حفيده المنتصر وبداية حكم أبي عمرو عثمان...
تأخذنا الرواية في رحلة أنطونيو، عاشق ماريا، في مدينة البندقية ومحاولته للتقرّب منها. يقعان معا في أسر قراصنة وتأخذهما الرحلة إلى مدينة تونس حيث تدخل ماريا قصر القصبة ويعمل أنطونيو في التجارة محاولا اقتناص الفرص للوصول إلى حبيبته...
لا نجد الكثير من الأحداث التاريخية (أو السياسية التاريخية على نحو أدق) في أكثر من نصف الرواية. إذ يقتصر وجود التاريخ على ضبط الإطار العام مكانا وزمانا. ولعلّ إضافة الرواية البارزة تكمن في التفاصيل الهامة التي تقدّمها عن مدينة تونس في العهد الحفصي، وخاصة منها عن المعالم الدارسة كالأبواب التي اختفت والأسواق التي تغيرت وجنان أبي فهر ورأس الطابية وقصر باردو. لا نجد في المقابل الكثير من التفاصيل حول التاريخ الاجتماعي لتلك الفترة، ماعدا بعض الإشارات العابرة حول العادات في الحمّام مثلا، أو حول مظاهر الفقر بالمدينة
تتركّز الأحداث في فترة أولى حول قصة الشخصيتين الرئيسيتين أنطونيو وماريا، دون أن يتقاطع ذلك كثيرا مع مسار الأحداث التاريخي. طابع السرد الشائق يجعلنا نتناسى ذلك ونتطلّع إلى نهاية قصتهما. لكن أملنا يخيب بسبب بناء شخصياتهما ذاته. لانجد تطوّرا يذكر  في هذا البناء على امتداد الرواية. يظلّ أنطونيو شابا (فكهلا) أخرق يراكم الحماقات ليقترب من معشوقته. قد نشعر أحيانا أنّ له قابليّة للتطوّر خصوصا في رجعته إلى البندقية وتحصيله لثروة معتبرة، لكنه مايلبث أن يعود إلى طبعه الأوّل. نراه أحيانا يحمل توقعات غريبة، أو لنقل سخيفة، مقارنة بعصره: كيف له أن يرجو مثلا أن يُعوّض في مخازنه التي راحت هباء مع غزوة القائد رضوان لجزيرة مالطا؟ أما ماريا، فإن كانت البوادر توحي بشخصية تملك بذور القوة، فإنها لا تلبث أن تصبح نموذجا للاستكانة. كل "النجاحات" التي تحققها تأتيها دون أن تسعى هي إليها. هذه الاستكانة تصل إلى حدود غير مفهومة، وبشكل خاص عندما تتيح الفرصة لصديقتها ريحانة لتشاركها حبيبها!!
 يبدأ دخول الشخصيات التاريخية مع وليّ العهد محمد المنصور. ولئن ظلّ عموما يوحي بالرزانة والاعتدال، خصوصا مع تعلّقه بماريا منذ لقائهما الأوّل، فإنّ نجد أنّ هذا الاتّزان يختلّ أحيانا، خصوصا في المشهد الإيروسي الذي يجمعه بريحانة، وهو مشهد قد لا يخلو من جمال في ذاته، لكنّه يظل منعزلا تماما عن مجرى الأحداث ولا يؤثّر فيها بالمرّة، ولو شئنا استعارة "الكليشيهات" حول مشاهد الإغراء في السينما، لقلنا أنه مشهد غير موظّف.
ننتظر الكثير من شخصية السلطان أبي فارس عزّوز، أحد مفاخر دولة بني أبي حفص، لكن الرواية لا تتعمّق في شخصيته كثيرا. ولعلّ السلاطين هم أكثر "المظلومين" في هذا العمل. إذ نجد أن الأحداث تُطوى طيّا لنتجاوز بسرعة حكم محمّد المنتصر الذي يستحقّ، على قصره، حيّزا أكبر بكثير. أمّا السلطان عثمان، فلئن كانت شخصيته تبشّر بنوع من التركيب لا سيّما مع تسلّمه السلطة وهو لايزال مراهقا، فإنّ نسق الأحداث يغمره ويغمر عهده على ثرائه، إلى حدّ إهمال حدث فارق في تاريخ البلاد كطاعون 1443، ذلك أنّ التعجّل طغى على الصفحات الأخيرة التي طبعها هاجس الوصول إلى سرّ العنوان...
 لا نلمح كذلك دورا يذكر لعبد الله الترجمان (سيدي تحفة) في أحداث الرواية، على أهميّة الحيّز النصّي الممنوح له. أمّا سيدي بن عروس، فرغم أنّ وجوده أضفى طابعا عجائبيا مميّزا، فإنّ الأسلوب المعتمد للإشارة إليه لم يخلُ من الإسقاط إذ نجد الوزير يدخل، أثناء حواره مع المنتصر، في سرد طويل لسيرة حياته يبدو وكأنّه مقتطع من كتب التراجم. والحقيقة أنّ الحوارات عموما اتّسمت بالضعف، خاصة منها ما كان له طابع تبشيري برسالة الإسلام أمام المسيحية، حتّى أنّه يبدو من الغريب أن تؤدّي هذه الخطابات النمطية إلى تغيّر في قناعة المخاطَب، على غرار ما حصل لماريا.
أمّا لغة الرواية، فقد اتّسمت عموما بالابتعاد عن التعقيد، مع إقحام بعض العبارات العامية في الحوار، وهو ما لا يعاب، لكنّنا نجد كذلك بعض التراكيب العامية في السرد ذاته. كما أنّ النصّ عموما لا يخلو من أخطاء لغوية (أكثر ما استفزّني منها، لتكرارها، أنّ كلمة "جنان" لا يُعترف قطّ أنّها جمع "جنّة")  وهي وإن لم تؤثّر على مقروئيته، فإنّها تطرح السؤال حول وجود تدقيق لغوي قبل النشر.
لا تُنقص هذه الملاحظات من قيمة "باب العلوج" كمحاولة جادة لاقتحام الرواية التاريخية تثير فضولي لاكتشاف كتابات حسنين بن عمّو اللاحقة، التي آمل أن تكون اقتربت أكثر إلى التوازن بين الروائي والتاريخي.


الجمعة، 14 يونيو 2019

مجموعات القرّاء والأمية الجديدة


يورد توفيق الحكيم في روايته "عصفور من الشرق" آراء قد تبدو غريبة عن تعميم التعليم، إذ تربطه بتردّي حالة الأدب. إذ يعتبر (أو ينقل رأي ألدوس هكسلي، موافقا إيّاه) أنّ جمهور القرّاء كان محدودا، بحكم ارتفاع نسبة الأميّة، غير أنّ قراءاتهم كانت تقتصر على كتب قليلة لكنّها على درجة عالية من الرقيّ. لكن لمّا تضخّمت سوق القراءة، أسرع أصحاب الأعمال إلى تعويمها بسلع للاستهلاك لا تعدو أن تكون أدبا من الدرجة العاشرة، وتجد رغم تفاهتها جمهورا عريضا.

لمّا دخلتُ عالم الفايسبوك، كان ممّا أسعدني أن أجد عددا من المجموعات التي تُعنى بالكتب وتتخصّص في نقاشها. لكن لم ألبث أن تذكّرت الحكيم، وحكمته التي غابت عنّي في حينها. رحمة الله عليه!
يتداول جمهور القرّاء الافتراضي كتبا، وخاصة روايات، يغدقون عليها من الأوصاف بما يجعلها جديرة بجائزة نوبل. كان الإسم الأوّل الّذي وجدته يتكرّر "في قلبي أنثى عبريّة". رغم أنّي لم أرتح إلى عنوانه، إلّا أنّي غالبت حدسي وحدّثت نفسي أنّه لا يجوز أن أحكم على كتاب دون الاطّلاع عليه. كانت قراءة هذه الرواية في الحقيقة تجربة فريدة. أذكر أنّ زوجتي (خطيبتي آنذاك) كانت تسألني عنها، فأقول: هي من أردأ ما قرأت على الإطلاق. تسألني: لم لا تتوقّف عن مطالعتها إذن!؟ فأجيبها: هي رداءة ممتعة! أريد أن أعرف كيف تنتهي الحكاية. فقد "شدّتني" هذه الوثبات غير المفهومة الّتي ميّزت الأحداث: الأب المسلم الذي يترك عند وفاته ابنته لتنشأ عند صديقه اليهودي، إلى الفدائي الفلسطيني الذي يأوي (صدفة) إلى بيت عائلة يهودية بلبنان (علما وأنّ عدد اليهود بلبنان لا يتجاوز بضع عشرات)، وانتهاء بحادثة فقدان الذاكرة واستعادتها، كما كان يحصل في بعض المسلسلات المكسيكية. أخال أنّ الكاتبة اعتبرت هذا التفكّك الّذي يطبع الأحداث، والشخصيات كذلك، مغفورا بما أنّه يقود إلى النهاية السعيدة: الجميع يسلم ويعتنق الدين الحق. هذا "الجهاد الأدبي" في سبيل الدين الحق قد يكون كذلك مبّرر الكاتبة لاستعراض بعض المعطيات، غير الدقيقة في أحسن الأحوال، حول اليهودية وطابعها التحريفي.
لئن كان لهذه الرواية من ميزة، فقد تكون في سلامة لغتها عموما، وهو ما لم أكن أعتبره في البداية ميزة وأفترض توفّره في كلّ عمل منشور. لكن تغيّر رأيي بعد أن اطّلعت على العنوان الثاني المتداول "حبيبي داعشي". كالعادة، كان حدسي يخبرني أنّ العنوان غير مشجّع. غير أنّي فضّلت مجدّدا أن أكون "موضوعيا" وأطّلع على العمل. لم أصل إلى ثُلث الرواية إلّا بعد مشقّة. علاوة على الرابط غير المنطقي (أو غير الموجود) بين الأحداث، تتالت الأخطاء النحوية والإملائية والصرفية والتصريفية على النص لتحطّمه تحطيما. لم أملك إلّا أن أغلق الكتاب متنهّدا: كيف يقرؤون هذا الغثاء؟
لندع عنّا المثاليات، من قبيل: المهمّ أنّهم يقرؤون. ألّا يقرأ المرء على الإطلاق أفضل بكثير من أن يقرأ مثل هذا. ربّما تلبّي مثل هذه الأعمال حاجات لدى قارئيها، مثل الشعور بتفوّق الإسلام أو حتّى مجرّد الشعور بالإثارة لتتابع الأحداث. لكن من المفروض أن لا تحظى بهذه الشعبية أعمال لا يتوفّر فيها الحدّ الأدنى من الشروط الفنّية. ربّما يتعلّق الأمر ببناء الذائقة منذ الصغر، إذ أنّ نظامنا التعليمي يفرض علينا نصوصا معيّنة، ولا يدعونا إلى تذوّقها بل فقط إلى تحليلها، أو حفظ ما قيل في تحليلها. نتمّ تعليمنا ولا نعرف ما الذي يميّز النصّ الجميل عن النصّ الرديء. نعرف فقط أنّ هناك نصوصا جميلة لأنّه قيل لنا أنّها كذلك. أمّا إذا دُعينا -بعد أن ننسى في أشهر ما درسنا- إلى أن ننتقي بأنفسنا خبطنا خبط عشواء. لا يقتصر ذلك على الاعمال الأدبية، بل يشمل الأعمال الفنية عموما (موسيقى، مسرح، سينما، أعمال تلفزية...). ومع غياب نقّاد مؤثّرين على الساحة، لا توجد "سلطة" حقيقية تحدّد ما هو جميل، إلّا سلطة الجمهور... وهي سلطة ليس مستعدّا لها.