2012/05/07

عندما تنطق “النخب” عن الهوى…


نظّمت جمعيّة الوعي السياسي مساء الجمعة 4 ماي 2012 مناظرة فكريّة بين أبي يعرب المرزوقي ورجاء بن سلامة بقاعة سينما الحمراء. كان الموضوع المقترح للـ”مناظرة” هو الدولة والعنف. ومن المفترض في موضوع عنوانه يتضمّن مفهومين من طبيعة مختلفة أن يتمحور البحث حول العلاقة بينهما وبالتالي، فالمسائل المطروحة لا تخرج عن محورين رئيسين: ممارسة الدولة العنف وتصدّيها للعنف الممارس من خارجها. وفي مناظرة، من المفترض أن يتبنّى كلّ من المتناظرين وجهة نظر مختلفة ويدافع عنها. وبالنظر إلى مكانة المتناظرين الأكاديميّة والفكريّة وإلى أهميّة الموضوع وراهنيّته، كان كلّ شيء يغري بالحضور.
وتكلّمت رجاء بن سلامة، ولكنّها لم تقل شيئا…وكأنّها لم تلقي نظرة على عنوان المناظرة، أو لم تقرأ منه سوى كلمة “العنف”. فتحدّثت عن الحكومة الّتي تريد الاستيلاء على الدولة، وعن العنف الّذي مارسه السلفيون، وعن الاعتداءات على الصحفيين، وعن محاكمة نسمة…تحدّثت عن حوادث معيّنة، وركّزت عليها دون أن تسعى إلى ربطها بموضوع المناظرة، فكان كلامها طرائفيا (anecdotique)، أقرب إلى كلام المقاهي، وبعيدا عن بذل أيّ مجهود فكري. أوردت تعريفا للدولة يدرك أيّ طالب حقوق إمعانه في الخطأ. وإجمالا كان كلامها تكرارا للخطاب الممجوج النمطي عن الخطر الإسلامي، وكان خصمها في المناظرة محقّا عندما قال أنّها جاءت لتقديم مرافعة ضدّ طرف معيّن دون أن تبحث عن الحياد. ولعلّ الجملة الوحيدة الّتي نطقت بها والمتعلّقة بموضوع المناظرة كانت حول إفلات مرتكبي العنف من الجزاء.
وتكلّم أبو يعرب المرزوقي، وكذلك لم يقل شيئا…نفى عن نفسه الانتماء إلى حزب النهضة وإلى الحكومة، ولكنّ ما تكلّم به بعد دقائق ناقض ذلك. سعى للتنظير عندما تحدّث عن التحديث القسري، وعن تجفيف الينابيع الّذي يعود إلى عهد الاستعمار دون أن يسعى إلى ربط ذلك بموضوع المناظرة ربطا واضحا. شابت كلامه لحظات من عدم الاتساق عندما كان فجأة يغيّر اللغة من العربيّة إلى الفرنسيّة، ويسترسل في الحديث بالفرنسيّة (ولا أدري إن كان ذلك محاولة للتدليل على انفتاحه ومعرفته بالثقافات الأخرى).  قال أنّ المعاهدات الدولية تعلو الدستور مرتبة، والعكس، طبعا، هو الصحيح سواء تعلّق الأمر بالدستور التونسي لسنة 1959، أو بغيره من الدساتير. عندما سئل عن سبب استعمال التونسيين لكلمةDégage  االفرنسية إبان الثورة وعدم لجوئهم إلى كلمة تؤدّي نفس المعنى باللغة العربيّة، انحدر إلى مستوى غريب من السفسطة عندما قال: “لأنّهم أدركوا أنّه لا يفهم إلا لغة أسياده !!” (وسط تصفيق عدد كبير من الحضور غادروا القاعة ما إن استأذن هو للمغادرة، وهو ما يطرح أكثر من سؤال). وأصبحت الدعاية مكشوفة عندما قال أنّه يجب على كلّ مثقّف يحترم نفسه أن ينخرط في مشروع النهضة !!
اتّخذ كلّ من المتناظرين موقفا، ولكنّه لم يكن موقفا من موضوع المناظرة. جاء كلّ منهما بأفكاره المسبّقة ليدلي بها أمام الآخر وأمام الحضور. جاءت الأولى لترمي بحزمة التهم قصد التخويف، وجاء الثاني بغرض الدعاية…لم تكن مناظرة (والمناظرة تقتضي الاستماع إلى الآخر قبل الردّ عليه) ولا حوارا (اللهم إن كان حوار صمّ !). قد قيل بُعيد الإطاحة بالطاغية أنّ الشعب متقدّم على نخبه، وقد أكّدت هذه المناظرة بين “الأكاديميّة” و “آخر فلاسفة تونس” أنّ النخب ما زالت بعيدة عن الارتقاء إلى تطلّعات شعبها، بل أنّها عاجزة حتّى أن تتكلّم في موضوع معيّن دون أن تخرج عنه وتنطق عن الهوى. ولعلّ ما قاله الكاتب حسن بن عثمان أثناء النقاش يلخّص ما دار في المناظرة: “نزحت رجاء بن سلامة من الأكاديمي إلى الفايسبوكي، ونزح أبو يعرب المرزوقي من الفكري إلى السلطوي”.

المقال على تونس الفتاة:

2012/04/27

هل يكفي مفهوم الشورى في الإسلام لتأسيس الديمقراطيّة؟


في مواجهة بعض الجماعات الّتي ترى أنّ الديمقراطيّة بدعة غربيّة غريبة عن مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة وعن موروثنا الديني، يحاول بعض المفكّرين الاستناد إلى مفهوم الشورى في الإسلام لإثبات عدم تناقض الإسلام مع الديمقراطيّة (ومن آخر ما استمعت إليه في هذا الصدد محاضرة الأستاذ فرج معتوق في الأسبوع الماضي في منظمّة ألتايير). وعادة ما يقع الارتكاز في هذا الصدد إلى الآيتين الكريمتين “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (سورة الشورى:38) و “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ” (آل عمران: 159) وإلى السنّة النبويّة (خاصة استشارة النبيّ صلى الله عليه وسلّم في غزوة بدر وفي الخروج لغزوة أحد) وكذلك إلى حادثة السقيفة وطريقة اختيار الخلفاء الراشدين. هذه المحاولات قد تكون حسنة النيّة، لكنّها ليست أكثر من قراءة انتقائيّة ومنقوصة للموروث الديني ينقصها التماسك، وذلك لعدّة وجوه:
أوّلا- المشاورة، من الناحية اللغوية، لا تفيد أكثر من طلب الرأي. وطلب الرأي، لو أسقطناه على الأنظمة السياسيّة المعاصرة، لما كان يزيد عن الاستفتاء، الّذي لا يمثّل إلا تقنية واحدة من تقنيات الديمقراطيّة لا تعمل بها حتّى بعض البلدان العريقة في الديمقراطيّة. فضلا عن ذلك، فمفهوم الشورى في النصوص لا يحدّد من يُطلب أخذ رأيهم، ولا إلزاميّة هذا الرأي.
ثانيا- تُقرأ الحوادث التاريخيّة الّتي يقع الاستناد إليها عادة بشكل مبتور. فحادثة سقيفة بني ساعدة غاب عنها جميع المهاجرين (باستثناء أبي بكر وعمر وأبي عبيدة) ولم يقع الاتّفاق على أبي بكر إلا بعد أن بادر عمر وبايعه، دون مشورة أحد، ممّا دفع أغلب الحضور لمسايرته، وهو من هو (ولذلك يرى بعض الفقهاء أنّ الخلافة تنعقد ببيعة الواحد !)  وعمر نفسه كان يقول “إنما كانت بيعةأبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها” كما أنّ العامل القبلي كان مؤثّرا بشكل واضح ولم تكن بيعة أبي بكر محلّ إجماع (رفض سعد بن عبادة البيعة، واعتزل بعيدا، وامتنع عليّ بن أبي طالب عن البيعة ستّة أشهر…) وكانت بيعة عمر بوصيّة من أبي بكر، بل أنّ كلّ الصحابة الحاضرين (باستثناء عليّ) كانوا موافقين مسبّقا على رأي أبي بكر في من يخلفه دون معرفة شخص الخليفة، أمّا بيعة عثمان، فلئن كانت عن تشاور بين ستّة من الصحابة، فإنّ اختيار هؤلاء الستّة كان بقرار أحاديّ من عمر. وأمّا بيعة علي، فإنّ اقتصارها على من حضر مقتل عثمان دون باقي الأمصار كانت من الأسباب المؤدّية إلى حرب أهليّة ما زلنا نعيش آثارها بعد أربعة عشر قرنا (وخاصة التقسيم سنّة/شيعة).
ثالثا- من الأكيد أنّ الشورى كـقيمة موجودة في التراث الديني كما يدلّ على ذلك نصّا القرآن والسنّة. لكنّ الشورى لم تتحوّل حتّى العصر الحديث إلى مؤسّسة واضحة المعالم تتحدّد من خلالها كيفيّة أخذ الرأي، ومن يؤخذ برأيهم، وإلزاميّة هذا الرأي. وغياب الطابع المؤسساتي عن الشورى جعل اللجوء إليها رهنا لإرادة الحاكم، وتبعا للظروف السياسيّة. والدّليل على غياب هذا الطابع المؤسساتي اختلاف طريقة البيعة من خليفة لآخر، وانقلاب الخلافة إلى ملك عضوض يُتداول بالوراثة بعد فترة قصيرة من وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
رابعا- يُغفل الاستناد إلى الشورى مسألة الحاكميّة، فإذا كان تعريف الديمقراطيّة (المبسّط) يجعل منها النظام السياسي الّذي يكون فيه الحكم للشعب، فإنّنا نجد هذا التعريف يصطدم مع الفكرة القائلة أنّ الحكم لا يمكن أن يكون إلا للّه، وهذه الفكرة هي جوهر الاعتراضات على الديمقراطيّة في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة. فالتناقض الممكن بين الحاكميّتين لم يجد إلى الآن إلا حلولا تلفيقيّة في معظمها، لا سيّما إذا تمسّكنا بالمنظومة الأصوليّة التقليديّة (كما أسّسها الإمام الشافعي) الّتي تجعل فتوى الفقيه تتمتّع بنوع من الحصانة المطلقة (لأنّها، بالاستناد إلى نفس المنظومة، لا يمكن إن تكون إلا ناطقة بما في كتاب الله).
فالاستناد إلى النصوص الدينيّة يمكن أن يبرّر الشيء ونقيضه. وإذا كانت المنظومة الأصوليّة التقليديّة عاشت لعدّ قرون، فذلك راجع لأنّها “منظومة” تترابط عناصرها وتتكامل بشكل يجعلها متماسكة. وتجاوزها لا يكون بانتقاء مفاهيم منها وإسقاطها عليها، بل ببناء منظومة أخرى لها نفس التماسك…على الأقلّ !


المقال على تونس الفتاة:

2012/03/26

الفصل الأوّل و"يمين البكوش..."

بعد أسابيع من السجال حول قضيّة إدراج الشريعة كمصدر للتشريع (البعض يريدها "مصدرا أساسيّا ووحيدا"، ولا أدري كيف يجمعون بين نعتين لا يجتمعان منطقيّا)، وفي اليوم الّذي شهدت فيه العاصمة "غزوة المنقالة"، حزمت الهيئة التأسيسيّة لحركة النهضة أمرها وصوّتت على الحفاظ على صياغة الفصل الأوّل من دستور 1959 "تونس دولة، حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها" دون إضافة تنصيص على الشريعة. تنفّس الصعداء العديد ممّن تخوّفوا على مدنيّة الدولة وعلى الحريات الفرديّة. وبدا وكأنّ الأزمة قد حلّت. ولكنّ الأمر لا يعدو أن يكون هدنة قد يطول أمدها أو يقصر، و سيتكرّر الصدام لا محالة.

كامل المقال على تونس الفتاة:

2012/03/12

الوحدة المنشودة والتمشيات المفقودة

ما انفكّ السيّد الرئيس المنصف المرزوقي يؤكّد في مختلف المناسبات تمسّكه بخيار الوحدة بين تونس و "شقيقاتها" في مستويات مختلفة: حديث عن الاندماج خلال زيارته إلى ليبيا،  تأكيد على أهميّة وحدة المغرب العربي في جولته المغاربية، ومؤخّرا من خلال وضع علمي الاتّحاد الإفريقي والجامعة العربية إلى جانب العلم التونسي في مكتبه خلال استقباله للزوّار. هذه المواقف جلبت ردود فعل مختلفة من الاستهجان إلى الترحيب في الفضاءات الافتراضيّة. ولئن كنت أقدّر في السيّد الرئيس حسن نواياه، على رغم ما تثيره تصريحاته من لغط، فإنّ مواقفه هذه بعيدة كلّ البعد على أن تكون مشروع وحدة حقيقي، بل هي مجرّد تصريحات عاطفيّة، ربّما كانت تحت تأثير الظرفية الثورية وإرادة استغلال فرصة ما يسمّى بالربيع العربي.


كامل المقال على تونس الفتاة: http://www.tounesalfatet.com/article.php?id=a5e00132373a7031000fd987a3c9f87b

2011/12/19

النخيل الجريح: بين الدراما وكتابة التاريخ



يقول الصحفي الفرنسي جون دانيال عن حرب بنزرت:  "كل الحروب قذرة وحرب بنزرت أقذرها". هي حرب ألقي في أتونها الآلاف ممّن دُعوا إليها بإسم أنبل المشاعر وسالت دمائهم في سبيل إرضاء رغبة بعض الساسة في إثبات موقف أو كسب نقاط. ما زال جزء من خفاياها لم ينكشف، وربّما يكون الفضول إلى معرفة تلك الفترة من تاريخ تونس هو الّذي دعا عددا من الجماهير إلى مشاهدة فيلم "النخيل الجريح" لعبد اللطيف بن عمّار.

كامل المقال على تونس الفتاة:
http://www.tounesalfatet.com/article.php?id=76dc611d6ebaafc66cc0879c71b5db5c

2011/12/05

عندما تنظّر جريدة تونسيّة للزواج العرفي...

لفت انتباهي في الصفحة الأولى لجريدة البيان الأسبوعيّة ليوم الإثنين 5 ديسمبر 2011 العنوان التالي: " ما رأي الشرع في الزواج العرفي؟". والمقال الموجود بالصفحة 15 هو إجابة من الشيخ علي خنّاش على تساؤلات وردته حول الزواج العرفي، فيذكر الشيخ أنّ لهذا الزواج صورة جائزة شرعا وصورتين غير جائزتين...

كامل المقال على تونس الفتاة:
http://www.tounesalfatet.com/article.php?id=202cb962ac59075b964b07152d234b70

2011/12/04

صعوبة تمويل أنشطة الجمعيات في العالم العربي


يعتبر وجود مجتمع مدني نشيط من أهمّ مقوّمات الديمقراطيّة في المجتمعات الحديثة. ومع هبوب رياح الديمقراطيّة على العالم العربي هذه السنة، لا بدّ من التفكير في إرساء ركائز مجتمع مدني يمكن له أن يقوم بدور السلطة المضادة للسلطة السياسيّة ويعبّر عن مختلف تطلّعات المجتمع. وبما أنّ المال هو قوام الأعمال، يجدر التفكير في تنمية الموارد الماليّة للجمعيّات في العالم العربي.
 تتأتّى موارد الجمعيات من مصادر مختلفة كاشتراكات الأعضاء والهبات وعائدات المنشورات ومنح الدول ومساعدات المنظمات الدولية. ورغم هذا التنوّع، فإنّ تمويل أنشطة الجمعيات في العالم العربي في العقود الأخيرة كان يتعرّض لمصاعب جمّة.
كامل المقال على تونس الفتاة: