لمّا قام الرحابنة بانجاز أغنية "راجعون" سنة 1957، اعتبرها النقّاد بمثابة الثورة في طريقة تناول القضيّة الفلسطينيّة إذ تمّ الخروج من معجم البكاء و الندب و التحسّر على الأرض الضائعة إلى الحديث عن الأمل و الثورة و التمرّد و الثقة في العودة الأكيدة و قد تأكّد هذا الاتّجاه في الأعمال اللاحقة للرحابنة التي كان من أبرزها "زهرة المدائن"...
في الحقيقة لا أعرف شيئا عن الأعمال السابقة لـ1957 حتّى يمكن لي التأكّد من صحّة هذا القول و لكن أعتقد أنّه كان من الطبيعي أن يكون ردّ الفعل التلقائي على النكبة هو الحزن و ذرف الدموع قبل أن يستيقظ الوعي في اتّجاه التفكير في استعادة الأرض المسلوبة.. و لكن عندما شاهدت "أوبريت الضمير العربي" الّتي حدّثت عنها طويلا و أحيط بهالة من المدح و التقريظ دون أن تتسنّى لي مشاهدته سوى منذ أيام أحسست بأنّ أكثر من خمسين سنة من الارتقاء في المعالجة الفنيّة قد قوّضت لنعود إلى الوراء، إلى النواح و البكاء... شعرت أنّني أشاهد عملا من تلك الأعمال البدائيّة الّتي أسعفني الزمان بعدم مشاهدتها ..
زعم أحد مؤلّفي الأوبريت (الشاعر المصري سيّد شوقي) أنّ "الهدف الحقيقي من الأوبريت التركيز على ضرورة استيقاظ الضمير العربي..." و لكن بالنظر في الكلمات، لم أجد شيئا من الممكن أن يساهم فعلا في إيقاظ هذا الضمير، فما يغلب على العمل هو ذكر الموت، فرغم أنّه وقعت الإشارة في أحد المقاطع إلى استحالة موت الضمير العربي إلا أنّ هذا كان في تناقض مع النزعة الغالبة على "الأوبريت" الّتي تبدو في اللازمة نفسها:
"ماتت قلوب الناس..ماتت بنا النخوة
يمكن نسينا في يوم..إنّ العرب إخوة"
و يتأكّد من خلال باقي المقاطع كما هو الحال في هذا المقطع:
" مات الإحساس جوانا..و لا إحنا الّلي أموات
و لا ضمير العالم..خلاص إحساسه مات"
و أتساءل : إذا كان الشاعر يؤمن أنّ عمله مساهمة في صحوة الضمير، لماذا ينعى في عمله هذا الضمير؟ هل سيحيي ما يعتقد في قرارة نفسه أنّه مات و أصبح رمّة بالية؟ أعتقد أنّ هذا العمل كان ندبا للضمير العربي أكثر ممّا كان رغبة في إيقاظه، فمعجم الصحوة و إن كان موجودا فإنّ حضوره كان باهتا للغاية و بعبارات غاية في السذاجة كـ"لازم نكون صاحيين"، " أيقظ ضمير الأمّة"، "صحّي قلوب الناس"...(كأنّه يكفي أن تقول للضمير اصح فيفيق) و هذه السذاجة كانت سمة غالبة على كامل "الأوبريت" الّتي بدت لي جديرة بأن يغنّيها شعبان عبد الرحيم(مع احترامي له). لست ضدّ البساطة بل بالعكس هي محبّذة في مثل هذه المواقف حتّى يمكن للعمل أن يصل إلى الجميع و لكن أن تتحوّل البساطة إلى عبارات شعاراتيّة فارغة جوفاء فقط ليقال أنّ العمل مساهمة في صحوة الضمير فإنّ ذلك يكون نوعا من المتاجرة بالقضيّة و هو ما يتأكّد من خلال نوعيّة "الفنّانين" المشاركين في هذا العمل فهم ليسوا بالضبط ، على الأقل في أغلبيّتهم الساحقة، من نوع الفنّانين الملتزمين الّذين يودّون تبليغ رسالة ما بل هم من النوع الّذي هوجم مرارا من قبل النقّاد بسبب ضعف أدائه الفنّي(حتّى لا نقول شيئا آخر).. منهم من لم أسمع عنهم قطّ قبل هذا العمل و أنا على يقين أنّهم سيضيفون إلى سيرهم الذاتيّة مشاركتهم في هذا العمل و يصرّون بسبب ذلك على منحهم لقب المناضل.
من الناحية الدرامية، احتوت "الأوبريت" على مشاهد تلخّص تطوّر الأوضاع العربيّة و هي مشاهد كان شبح الموت حاضرا في جميعه و هي و الحقّ يقال مشاهد مؤثّرة للغاية قادرة أن تستدرّ معين الدموع في قلب كلّ عربي و لكن أشكّ في كونها قادرة على أن تساهم في إحياء الضمير العربي. هي مشاهد نراها و أمثالها في كلّ شريط أخبار. قد نتأثّر بها لحظتها و لكن سرعان ما ننساها لأنّنا تعوّدنا عليها و التعوّد على الشيء ينسيك قيمته و كما قالت ماجدة الرومي في حديث مع قناة عربيّة:" نحن شعب تخدّر بالموت حتّى لم يعد يؤثّر فينا". طغت هذه المشاهد على العمل و جعلته شريطا وثائقيّا تتخلّله بعض الأغنيات و هو ما حطّ من قيمة "الأوبريت" الّتي من المفروض أن تكون عملا غنائيا بالدرجة الأولى.
على المستوى "التقني"، هناك ملاحظة تخصّ اللازمة الّتي أعيدت طوال العمل إلى حدّ الإضجار و من المفروض أن تكون ذات مستوى جيّد أو أن تكون على الأقلّ سليمة خالية من الأخطاء حتّى يمكن أن تحفظ و تردّد و لكنّها لم تكن كذلك و أعني بالتحديد عبارة "ماتت بنا النخوة".. سمعتها لأوّل مرّة "ماتت من النخوة" و لم أفهم كيف يمكن أن تقتل النخوة صاحبها و لمّا سمعتها بالشكل الصحيح زادت دهشتي. غنيّ عن الذكر أنّ التعبير الصحيح هو "ماتت فيها النخوة" و لا يمكن أن يكون تعويض "فيها" بـ"بها" إلا جوازا شعريّا سيّئا للغاية لا يمكن للشاعر أن يستعمله عادة إلا ضرورة و بكثير من التردّد، فما بالك إن تعلّق الأمر بلازمة عمل "نضالي"؟
اُريدَ لهذا العمل أن يكون نسخة ثانية من "الحلم العربي" و لكنّه كان أدنى منه بكثير من حيث القيمة الفنيّة و إعلانا مصطبغا بلون اليأس و القنوط عن موت الحلم. قد تكون نيّة أصحاب العمل حسنة و لكنّ حسن النوايا وحده لا يمكن له أبدا أن يبني عملا فنّيّا جيّدا.
2008/05/25
نظرة في "أوبريت الضمير العربي"
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
15:51
3
commentaires
2008/05/07
ما هي صورتك الصينية من العناصر المحليّة؟
أشكر هناني على دعوتي للمشاركة في هذا الاستجواب الطريف(رغم أنّها من الناحية التقنية وجّهت الدعوة إلى ابني، معاذ المطوي).
إن كنت شجرة فما هي؟ شجرة سرو
إن كنت أكلة فما هي؟ بركوكش
إن كنت زهرة فما هي؟ وردة حادة الأشواك
إن كنت قرية أو دشرة أو حارة فما هي؟ المطوية، بكل تأكيد
إن كنت قصيدة فما هي؟ معلّقة عمرو بن كلثوم
إن كنت شخصية تاريخية فمن تكون؟ حمودة باشا الحسيني
إن كنت شخصية خرافية فمن تكون؟ بروموثيوس
إن كنت واديا أو نهرا فما هو؟ نهر الأردن الّذي سيمحو آثار القدم الهمجية
إن كنت شخصية قصصية فمن تكون؟ سيرانو دي برجراك
إن كنت حيوانا فما هو؟ أسد
إن كنت حليا فما هو؟ عقد في عنق حسناء
إن كنت لباسا فما هو؟ مريول الجمعيّة :)
إن كنت شذى أو رائحة فما هي؟ بخورعامل عجعاجي
إن كنت موقعا فما هو؟ جبل الشيخ بلبنان
أو جّه الدعوة للمشاركة لكلّ من: معز، بيل سون، مصطفى، أرابيكا، طارق الكحلاوي، بيبو شلافط
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
19:39
5
commentaires
2008/04/20
"إيماني ساطع"
إيماني ساطع يا بحر الليل
إيماني الشمس المدى و الليل
لا بيتكسر إيماني
و لا بيتعب إيماني..
و فجأة يظهر القطار
تذكّرت هذه الأغنية عندما قرأت التدوينة الأخيرة لبيل سون و خصوصا عبارتها الختاميّة: "إذا أردت أن يقدّرك الناس فعليك أن تبدأ بتقدير نفسك"، و لعلّ هذه الجملة تلخّص وضعنا الحالي و مآلنا أيضا...
لماذا لم نتقدّم ؟ هذا السؤال العويص الّذي نطرحه على أنفسنا منذ عدّة قرون قد يكون جوابه بسيطا للغاية: لأنّنا لا نؤمن في قرارة نفوسنا أنّنا نستطيع التقدّم و هذا الإيمان هو الخطوة الأولى لتحقيق أيّ نهضة. في بلداننا الناس يعيشون لمجرّد العيش و لا يهمّهم كثيرا التفكير في أسباب تخلّفهم و إذا عنّ لأحدهم أن يفكّر و يحاول أن يبدع و يجد وسيلة للتغيير فإنّ ردّ الفعل هو ضحكات سخريّة و سؤال تهكّمي: "من تظنّ نفسك؟" لأنّ كلّ محاولة للخروج من النواميس الاجتماعيّة الّتي تحدّد حياة الفرد منذ ميلاده حتّى وفاته مرفوضة مسبّقا من كلّ المحيطين به و كأنّ الفرد يتحدّى القدر المرسوم في اللوح المحفوظ إذا فكّر لمجرّد لحظة في تغيير مجرى حياته. لذلك فإنّ الهجرة إلى الغرب هي الحلم الكبير الّذي يدغدغ أفئدة كلّ الشباب و كيف لا و هو يعلم أنّ الإبداع هناك غير معاقب عليه و أنّه يمكن له أن يحلم كما يريد و أن يسعى لتحقيق أحلامه الّتي تبدو تافهة لأبناء وطنه دون أن يتّهم بالجنون...
و قد وصل انعدام الإيمان في أنفسنا إلى درجة جعلتنا نشككّ في هويّتنا و ننكر عروبتنا و نتنكر لإسلامنا ونطالب بهويّة مستوردة لكي نتقدّم و أحسب أنّ أصحاب مثل هذه المقولات هم من بلغ منهم اليأس من هذا الشعب حدّا جعلهم يرون أنّ لكي يتقدّم فعليه أن ينقلب شعبا آخر و بعبارة أخرى فعليه أن يقتل نفسه كي يمكنه أن يتدرّج في سلّم الحداثة، و يرحم الله محمّد فاضل الجمّالي لمّا سئل إن كانت اللغة العربية تصلح للتدريس الجامعي فأجاب:"إنّه لما يحزّ في النفس ...أن يوجّه إلى عربي سؤال بهذه الصيغة و كان الأجدر أن يكون السؤال: هل يصلح العرب للبقاء في هذا العصر أم هم أجدر بالفناء؟".
أعتقد أنّه مهما رسمنا من مخطّطات دقيقة و مهما اخترنا من إيديولوجيات مغرية و مهما استوردنا من وسائل حديثة فأنّ كلّ هذا المجهود سيذهب هباء منثورا إذا كنّا نعتقد أنّنا بشر من درجة ثانية، من درجة وضيعة محكوم علينا أن نعيش ما عشنا قانعين مستهلكين نهذي بتقديس أجداد لنا بنوا حضارة عظيمة أو حتّى أسلاف أقرب من ذلك فنتحسّر على زمن الفنّ الجميل و زمن الزعماء الكبار( المفارقة أنّ هؤلاء الزعماء هم من صنعوا النكسة!) و نكرّر إلى حدّ الملل هذه الاسطوانة أو ننظر إلى الغرب المتقدّم الراقي نظرة المتأمّل في الشمس حتّى يعمى، و بين الأسلاف العظام و" الجيران" العظام نسترق اللحظ أحيانا إلى أنفسنا و نقارنها بهم فنجد أنفسنا نفاية أمامهم على أحسن تقدير إن لم نكن عدما فنرتعب و نكره أنفسنا . هذه هي النظرة الّتي نحملها عن أنفسنا و هذه هي النظرة الّتي منعت تقدّمنا و ستظلّ تمنعه، و هذه هي النظرة الّتي يجب أن تمحى من صدورنا و تجتثّ من جذورها و يعوّضها في النفوس "إيمان ساطع" بقدرتنا على أن نغيّر واقعنا و نتحكّم في مصيرنا و هو ما يستدعي النظر قبل كلّ شيء في جذور هذه النظرة ، الشيء الّذي يستوجب عملا أكثر تعمّقا و تفصيلا من هذه التدوينة "البرقيّة" التمهيديّة...
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
22:12
4
commentaires
2008/03/24
مخدّرات قانونية
و حسب الأمثلة الّتي تعرض دوما كنماذج لهذا "الطرب الأصيل"، يبدو أنّ هذا المصطلح يشمل كلّ أغنية تدوم لمدّة طويلة و الّتي يتكرّر فيها المقطع الواحد عديد المرّات(تكفي في العادة لحفظ الأغنية من أوّل سماع) و لا يخرج موضوعها عن المعاني المتكرّرة و الممجوجة : الهجر و الصدود و العواذل و الحبّ الضائع و الرغبة في الوصل، وحتّى تعابيرها معروفة و محفوظة :" الغزال" و "القمر" و "البدر" و"غصن البان" و" روحي" و "حياتي" إضافة طبعا إلى "الليل" و "العين"، إلى درجة تجعل من الصعب التمييز بين مختلف هذه الأغاني و رغم ذلك يقابلها الجمهور في كلّ مرّة بصيحات الإعجاب و الاستحسان و التصفيق الحار كأنّه يسمع في كلّ مرّة فريدة عصره و لا غرابة في ذلك بما أنّه قد وضع تحت تأثير موسيقى من نسل ما عزفه الفارابي في ختام لقائه الأوّل بسيف الدّولة و تأثير مغنّ يتفنّن في ابراز امكانيّاته الصوتيّة(و هذه النوعيّة من الأغاني لا يميّزها سوى هذه الامكانيات الصوتيّ) و في اظهار التفاعل الشديد مع ما يؤدّيه و يتلاعب بالجمهور كيفما شاء، الجمهور الّذي يستولي عليه الذهول و يغرق في هذه النشوة إلى حدّ يجعله مسلوب الإرادة، غير قادر على التمييز بين غثّ المعاني و سمينه فيعيض لحظة من الغياب عن العالم يستيقظ منها و هو يعاني آثار الخُمار..
و أحبّاء "الطرب الأصيل" عريقون في الدّيمقراطيّة و حريّة التعبير اذ أنّهم يتمتّعون بالحقّ المطلق في نقد كلّ ما يصنّفونه خارج دائرة الطرب(في أغلب الأحيان هي "سخريّة عصبية" و ليست نقدا) و يترحّمون على زمن العمالقة، و لكن إذ اجترأ شخص على ذكر كلمة نقد واحدة في أحد المطربين العظام، فستكون الطامة الكبرى و داهية الدواهي و سيتّهم بالمسّ بالمقدّسات الفنيّة و الاضرار الفادح بالنظام العام الفنّي و ربّما بالتعامل مع أطراف أجنبيّة تريد طمس معالم هويّتنا الفنيّة الأصيلة.. أما "المطربون" الحاليون، فانّهم لا يحتاجون إلى كبير عمل اذ يكفي حفظ بعض الأغنيات القديمة من "زمن الفنّ الجميل" و الطواف بها في المهرجانات و الحضور في البرامج التلفزية و التباهي بالقدرات الصوتيّة الخارقة للعادة الّتي نوّه بها فلان و أثنى عليها علان و التحسّر على الحظ الأحرف و انحطاط الأذواق و تآمر المنحطّين فنيّا عليهم..
أجد من الصعب أن أعتبرهذا "الطرب الأصيل" فنّا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنّ تخدير المجتمع و تنويمه و الإصرار على اغراقه في الغيبوبة لا يمكن أن يكون عملا ابداعيّا.. عندما يتحدّث البعض عن "الست" و يعتبرها، هزلا أو جدّا لست أدري، مسؤولة عن النكسة فإنّ في هذا القول جانبا من الصحّة، اذ الأمر لا يقتصر على مطرب بعينه بل الإقبال على هذه النوعيّة من الغناء هو مرآة لثقافة كاملة ترفض الوعي و تحرص على أن تغيب عن مشاكل واقعها بمختلف أنواع المخدّرات، ثقافة تكرّس الخمول و تؤمن بالحظّ(قرأت مرّة مقالا لصحفي شهير يهاجم فيه ماجدة الرومي، و هي من القلائل الّذين يمكن وصفهم بالفنّانين، و يتّهمها يضعف الامكانيات الصوتيّة و يمجّد أمينة فاخت و يلعن الحظ الّذي جعلها أقلّ شهرة منها) و تبكي على الأطلال و لا تحرص على حسن توظيف مواهبها.. الفنّ لا يمكن أن يكون مجرّد صوت جميل و كفى، صوت يؤدّي من الأغاني ما لا يلامس وجدانك أو يخاطب عواطفك أو يحرّك احساسك أو يعالج أيّ مشكلة من مشاكلك(في هذا الإطار، يمكن أن تكون أيّ أغنية مزود، النوعيّة الّتي بقيت مهمّشة طويلا، أرقى فنيّا ممّا يسمّونه طربا)..الفنّ، رسالة مقدّسة تهدف للرقيّ بالمجتمع و إصلاحه دفعه نحو الأفضل، رسالة ينبغي على حاملها الّذي ألقى الله في نفسه الموهبة أن يلتزم بها و يحارب دفاعا عنها و يصبر لنشرها صبر الأنبياء و إلا لن يكون جديرا بتلك الموهبة و يكون من الأفضل له و للجميع أن يجعلها نسيا منسيّا..
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
18:25
4
commentaires
2008/03/07
تساؤلات حول العلمانيّة
الموضة من الأشياء الّتي لا أفهمها أو ربّما أرفض فهمها لأنّه لا يمكنني قبول فكرة اعتبار شيئا ما جميلا و محبّذا و مرغوبا فيه لفترة محدّدة قصيرة نسبيا ثمّ يصبح بعدها شيئا تجاوزه الزمن و نسيا منسيّا.. هذا الانتقال من النقيض إلى النقيض في " لمح البصر" لا يمكن أن يكون في نظري إلا تقليدا غير واع نقع فيه رغبة في أن نبدو مواكبين للعصر بأيّ ثمن. و يبدو أنّ الموضة لا تكون "مظهرية" فقط بل يمكن أن تكون فكريّة أيضا و الدّليل على ذلك أنّ موضة فيفري 2008 في المدوّنات التونسية كانت العلمانية اذ صارت حديث الجميع فجأة، و لعلّ السبب في انطلاق هذه الحملة هو مقال "جون أفريك" عن المسألة في عدد 3 فيفري 2008. و تمسّكا بموقفي من الموضة، انتظرت حتّى ينتفي عنها وصف الموضة رغم أنّي أعدّ هذه التدوينة منذ دخولي عالم التدوين. خفتت الموجة و أظنّ أنّه يمكن لي أن أتحدّث و أطرح تساؤلات عن العلمانيّة و عن الجمعيّة التونسيّة للدفاع عن العلمانيّة المزمع انشاؤها(رغم أنّ الحديث عنها بدأ منذ شهور عديدة كافية لتتّخذ الدولة قرارها امّا بمنح الترخيص و امّا بالرفض) في جوّ أقل تشنّجا من "موسم الموضة".
أ ليس إحداث جمعيّة للدّفاع عن العلمانيّة يفترض أنّنا نعيش في دولة علمانيّة؟ أ لا يتناقض هذا مع كون دين الدّولة هو الإسلام حسبما يقتضيه الفصل الأوّل من الدستور؟
قد يرى البعض أنّ هذا الفصل تمّ تجاوزه في تونس و يرجعون إلى "تاريخ علماني" يجسّمه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة خاصة في مجلّة الأحوال الشخصيّة، و لكن الملاحظ أنّ الإصلاحات الّتي تضمّنتها هذه المجلّة لم تأتي بالقطع مع الإسلام بل حرص بورقيبة على أن تكون تأويلا للنصّ القرآني ذاته كما فعل مع مفهوم العدل في مسألة تعدّد الزوجات و هو تفسير قابل للنقاش بالتأكيد و لكن المهمّ أنّه تفسير من داخل الإسلام و ليس من خارجه، و حتّى لمّا طرح في خطاب 18 مارس 1974 مسألة المساواة في الإرث فانّه أكدّ فيه أنّ "من حقّ الحكّام بوصفهم أمراء المؤمنين أن يطوّروا الأحكام بحسب تطوّر الشعب .. " و لا أظنّ أنّ أمراء المؤمنين مفهوم علماني. و الأكثر من ذلك، فإنّه حتّى لمّا دعا إلى الإفطار في رمضان فإنّه لم يقم بذلك تحدّيا للدّين بل أنّه استند إلى رخصة شرعيّة تبيح الفطر في حالة الجهاد و حاول أن يطبّقها على "الجهاد ضدّ التخلّف" و قد سانده في ذلك بعض المفتين. و يتبيّن موقف بورقيبة من العلمانيّة في خطابه الشهير أمام البرلمان التركي الّذي انتقد فيه العلمانيّة الّتي فرضها أتاتورك على تركيا(انظر لطفي حجّي، بورقيبة و الإسلام).
ليست لنا في تونس علمانيّة إذن لكي ندافع عنها و لكن لا أظنّ أنّ ذلك مشكل لأنّه يمكن أن تبدّل تسمية الجمعيّة لتتحوّل إلى جمعيّة المطالبة بالعلمانيّة(و هو ما سيضطرّها إلى الكفّ عن ادّعاء التمسّك بالتراث البورقيبي) و بذلك تسمّى الأمور بمسمياتها، و لكنّ المشكل في العلمانيّة ذاتها..
ما هي العلمانيّة قبل كلّ شيء؟ في تعريفها الأكثر شيوعا هي فصل الدّين عن الدّولة. أ لا يعني قبول العلمانيّة إذن الانتقال من دين رسمي للدّولة إلى "لا دين رسمي" للدولة، بمعنى أنّ الدّولة كان لها دين ثمّ أصبحت بدون دين؟ أ لا يعني ذلك التحوّل من "دولة مسلمة" إلى "دولة ملحدة"، و بالتالي تتحوّل من دولة تتبنّى الإسلام كعقيدة إلى دولة تتبنّى "اللادين" كعقيدة؟ أ لا يؤكّد ذلك كون الغالبيّة الساحقة من المتمسّكين بالعلمانيّة من اللا دينيين؟ كيف يمكن لإنسان متديّن أن يدخل دائرة السياسة إذا كان ذلك يعني أن يتخلّى عن معتقداته الدّينيّة الّتي يؤمن بها و يشرع في التفكير خارجها حتّى يلبّي شروط العلمانيّة؟ إذا كان يؤمن بالأحكام الواردة في القرآن و يرى تطبيقها كيف يمكن اقناعه بأن يرمي بها عرض الحائط و يفكّر خارجها دون أن يعتبر أنّ في ذلك خروجا على الدّين؟ أ لا يعني قبوله بذلك أنّه مصاب بانفصام في الشخصيّة؟ إذا كان جزء كبير من المجتمع يقحم الجنّ و الشياطين في كلّ ما يستعصي عليه لمجرّد أنها مذكورة في القرآن، و يصل في ذلك حدّ التكفير(انظر التدوينة السابقة) أ يمكن اقناعه بأنّ عدم تطبيق أحكام الدّين لا يتنافى مع الدّين؟ و إذا كانت أخلاق المجتمع مستمدّة من الدّين أ لا يعني ذلك أنّ الدولة العلمانيّة هي دولة بلا أخلاق أم أنّها سـ"تستورد أخلاقا" لتعبئة هذا النقص؟ و إذا كان المجتمع مسلما في أغلبيّته الساحقة على الأقل أ لا يكون فصل الدّين عن الدّولة هو فصلا للدّين عن المجتمع؟ أ لا يؤسّس ذلك لعلاقة عدائيّة بين الدّولة و المجتمع؟ أ ليس وصول أحزاب اسلاميّة(حتّى ان لم يكن العدالة و التنمية اسلاميا كما يزعم فالرفاه و الفضيلة "أدينا" بالاسلاميّة) إلى السلطة في تركيا بعد 80 سنة من العلمانيّة تجسيما لفشل هذا المفهوم المزروع قسرا في هذا البلد؟
و إذا كانت العلمانيّة في سياقها الأروبي تعني فصل السلطة السياسية عن سلطة الكنيسة فعن أيّ سلطة دينيّة نريد فصل السياسة في العالم العربي الإسلامي؟ أ يمكن مقارنة المؤسسات الدينيّة كالأزهر و الزيتونة بالكنيسة في أروبا في حين أنّ هذه المؤسسات كانت خاضعة للسياسي طول الوقت بما أنّ تعيين و عزل الشيوخ و المفتين و القضاة و الأئمة كان دائما بيد الحاكم ؟ و حتّى إذا سلّمنا جدلا بأنّ هذه المؤسسات هي مرادفة للكنيسة أ لا يمكن اعتبار وجودها انحرافا عن مبادئ الإسلام الّذي يرفض الوساطة بين الإنسان و الله و المطالبة بالتالي بالعودة إلى "الإسلام الأصلي"؟
لا تعبّر هذه الاستفهامات الانكاريّة، أو على الأقل جانب كبير منها، عن رأيي فما سبق هو حوصلة للاعتراضات الّتي يمكن أن تثار ضدّ العلمانية و هي اعتراضات لها وجاهتها في نظري.. لست ضدّ العلمانيّة كفكر و إنّما أنا ضدّ العلمانيّة كاستيراد لمفهوم جاهز..رفع شعار "فصل الدّين عن الدّولة" الّذي تكوّن في ظلّ خلفيّة تاريخيّة معيّنة و في إطار جغرافي و ثقافي معيّن و محاولة اسقاطه على مجتمعات لها خصوصيّتها و ظروفها المختلفة أراه غير مجد.. العلمانية نتيجة لتطوّر فكري استمرّ قرونا في أروبا و لا يمكن نسخه كما هو و القاءه في مجتمع يتّجه حالياّ في الاتجاه المعاكس، في اتجاه تقديس الشيوخ و يهتمّ بفتاواهم و يزدري من يكفّرونه لأنّ ذلك سيكون سباحة ضدّ التيار، فالمطالبة بالعلمانيّة الآن حتّى و ان كانت مطالبة صادقة ترمي فعلا لإصلاح المجتمع أراها منهجيا مخطئة.. محاولة نسخ العلمانيّة تبدو لي مثل الغشّ في الامتحانات لأنّها نقل للنتائج دون اتّباع المنهج، فلكي تقبل العلمانيّة يجب أن تكون نابعة من داخل المجتمع و تعبّر عن مطلب حقيقي في المجتمع و لا يمكن ذلك إذا كانت المجتمع يعتبرها كفرا و إلحادا و لتجاوز ذلك يحب أن تكون مقبولة في وجهة النظر الدينيّة الغالبة و لا يمكن ذلك الا بمشروع إصلاح ديني كبير سيكون موضوع تدوينة أو تدوينات قادمة ان شاء الله.
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
23:23
3
commentaires
2008/03/01
الشياطين و الساحر الّذي يطير

لي صديق مولع بالساحر الأمريكي كريس أنجل إلى حدّ الجنون (تقريبا) و يعتبره فنّانا موهوبا و ساحرا خارقا. عرض هذا الصديق عليّ و على آخرين مجموعة من العروض الّتي قام بها هذا الساحر و طلب رأينا فيها، فأجاب أحدهم بهدوء و ثقة يحسد عليهما:"هذا الشخص يتعامل مع الشياطين..هذا شيء معروف". ضحكت من هذا الردّ و سخرت من الرجل و اتّهمته بجمود التفكير، لكن يبدو أنّي كنت مخطئا في حقّه لأنّه يبدو أنّ رأيي لا يعبّر الا عن الأقلّية..
لمّا دخلت موقعا لمقاطع الفيديو و قرأت ما كتب من تعليقات حول عرض قام فيه هذا الساحر بالطيران في الفضاء، أصبت بصدمة، فنسبة كبيرة جدّا من الّذين علّقوا باللغة العربية أرجعوا الأمر الى الشياطين بصفة آلية، بل أنّ أحدهم أصدر حكما باتا غير قابل للنقض في ذلك و اعتبر أنّ الشك فيه هو عدم ايمان بالقرآن:"..الشياطين تطير بالسماء وهذا الساحر تحمله الشياطين طبعا اذا كنت تأمن بالقران لانه القرأن تحدث عن الجن والشياطين وكيف يطيرون فشغل دماغك هذه حقيقه وهذا الساحر من عبدة الشيطان في امريكا"(أعجبتني "شغل دماغك" الّتي تنسجم جدّا مع التعليق!). أمّا البعض الآخر فاستشهد بأحاديث نبوية عن الساحر الّذي تحمله الشياطين و أحسن ردّ أعجبني ذلك الّذي بعد أن أكّد دور الجنّ في العرض، أعطى رقم هاتقه باعتبار أنّه "باحث و معالج بالرقية الشرعية"! صحيح أنّ هناك من ساندوا نظريةّ الخدعة البصرية أو التواطؤ مع الجمهور و لكنّهم ذابوا في زحام تعليقات "الاتجاه المعاكس".
ليس ما يهمّني في هذه المسألة وجود الجنّ أو عدم وجوده و لكن ما يقلقني هو ذهاب نسبة كبيرة من المشاهدين الناطقين بالعربية إلى هذا التفسير مباشرة دون أن يحاولوا أن يجدوا تفسيرا أكثر منطقيّة، فليس معنى كون الانسان مؤمنا أن يردّ كلّ ما يحار في فهمه الى الجنّ أو الملائكة أو أيّ قوّة غيبيّة أخرى و انّما من المفروض أن لا يتمّ اللجوء الى مثل هذا الحلّ الا بعد استيفاء الحلول المنطقيّة الأخرى، و حتّى في هذه الحالة لا يجب أن يكون ردّ الأمر بمثل هذا الجزم بل من المفروض ابقاء قدر من الشك في امكانيّة وجود حلّ منطقي لم يقع تصوّره.
المشكل أنّنا نميل إلى مثل هذه الحلول و نبرّرها بايماننا بالدّين في حين أنّ المبرّر الأعمق لمثل هذه التفاسير أنّها سهلة و تريحنا من بذل ذلك الجهد المضني و الشاق المسمّى تفكيرا(عافى الله الجميع منه).. اذا مرض شخص فهو مسحور و اذا أصابه نقص في المال فهو محسود و إذا أصيب بأزمة نفسيّة فهو مسكون بجنّ، و لقد قرأت مرّة في احدى المجلات العربيّة الموجّهة للأطفال(انظروا على أيّ قيم نربّي الناشئة) أنّ المسلم الحقيقي لا يمكن أن يصاب بأمراض نفسيّة (هل المريض النفسي اذن كافر؟!!!!). يكفي أن تتصفّح أي جريدة و تنظر في ركن قضايا المجتمع لنعرف الى أيّ قدر يستفيد النصّابون و المحتالون من هذا البحث عن المكاسب السهلة فيقنعون ضحاياهم، الّذين يكونون أحيانا من المتعلّمين، بوجود كنوز أو عبارات سحريّة لقلب الأوراق دولارات(يبدو أنّ الجنّ لا يتابعون الاقتصاد العالمي و الا لعلموا بتدهور قيمة الدولار و حوّلوا الأوراق إلى اليورو).
نعم، تحدّث الدّين عن وجود الجنّ و الشياطين و لكنّه لم يرجع جميع الظواهر إلى الجنّ و الشياطين فالدّين يحتوي على جانب غيبيّ لا يمكن انكاره و لا أرى ضرورة في انكاره لأنّي أعتقد أنّ للعقل حدودا و من وظائف الدّين أن يقدّم تفسيرا لما تجاوز هذه الحدود، تفسيرا لا يفترض بطبيعة الحال أن يكون عقلانياّ و لكنّه معقول (هذه العبارة لمحمّد الطالبي في كتابه "عيال الله") لكنّ الدّين يحثّ كذلك على اعمال العقل و التفكّر في الكون بل أنّ ما ينعاه على المشركين هو عبادتهم للأوثان دون تفكير و بتقليد أعمى للآباء. الدّين توازن بين هذين الجانبين أمّا طغيان الجانب الغيبي على الجانب العقلي فهو لا يعود إلى طبيعة الاسلام في حدّ ذاته و الا لما برزت تياّرات "عقلانيّة"(كالمعتزلة مثلا) و انجازات علميّة في اطار الاسلام و لكنّه يعود الى أفكار سادت لظروف تاريخيّة معيّنة و نشرها أمثال "حجّة الاسلام" الغزالي الّذي قال " انّ وظيفة العقل هي أن يثبت النبوّة ثمّ يعزل نفسه" وغيره ممّن كرّسوا استقالة العقل و خنقوا تطوّر العلوم و كفّروا جميع من خالفهم حتّى أصبح الاسلام في نظر الكثيرين يتماهى مع فكرهم. أرى من الضرورة أن نبحث عن هذا التوازن المفقود في الدّين نفسه فنمكّن العقل من وصول أقصى مداه(و "أقصى مدى" قابل للتغيّر و التطوّر في اتّجاه الزيادة دائما) قبل أن نستورد مفاهيم جاهزة و نحاول أن نطبّقها قسرا على مجتمع غير جاهز فكريّا لتقبّلها و هذا ما سيكون موضوع تدوينة قادمة ان شاء الله.
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
14:38
3
commentaires
2008/02/23
الاشكال القانوني في ترشّح أحمد نجيب الشابي
و لم يطرح الشابي رؤيته لكيفيّة تجاوز هذا المانع القانوني، بل أنّه يصرّ على المضيّ قدما في ترشّحه رغم وعيه بوجود هذا المانع، فتمرير الترشّح لا يمكن أن يكون بتطبيق القانون كما هو، بل أنّه يستوجب اذن قانونا استثنائيا على مقاس الشابي في حين أنّ هذا هو نفس ما يؤاخذه على القوانين الدستورية الاستثنائية التي سبقت انتخابات 1999 و 2004 و الّتي سمحت لأحزاب المعارضة البرلمانية بتقديم مرشّحين للانتخابات الرئاسيّة (بتجاوز الاحالة الى المجلّة الانتخابيّة و تعويضها بشرط أقدميّة في حزب برلماني) و هو يستمدّ قدرته على الضغط من المصداقيّة الّتي أضحى يتمتّع بها كـ"معارض أوّل" في الرأي العام الغربي و هو ما تجسّم في حضور عدد كبير من ممثّلي وسائل اعلان سفارات الدّول الغربيّة للندوة الصحفيّة الّتي أقامها التقدّمي للاعلان عن هذا الترشيح( وليس من باب البراءة أن يكون أوّل ما افتتحت به صحيفة الموقف المقال الموشّح لصحفتها الأولى ليوم 15/02/2008 بتعداد من حضر من ممثّلي وسائل الاعلام و السفارات) و لا يمكن أن يؤثر فيه استهجان أحزاب الوي-وي لترشّحه الا بصورة ايجابيّة باكسابه مصداقيّة اضافيّة لكونه النقيض لأحزاب المعارضة الّتي لا تعارض . حسبما يبدو، فانّ الشابي يضع السلطة أمام 3 احتمالات:
الاحتمال الأوّل هو اصدار قانون استثنائي يمنح للأحزاب البرلمانيّة وحدها حقّ تقديم مرشّحين للرئاسة، و في هذه الحالة يقصى الشابي من دخول هذه الانتخابات و في هذه الحلة سيثيرها حملة اعلاميّة شعواء ضدّ السلطة الّتي لا تسعى لادخال نفس ديمقراطي و لا تدعم الا معارضة الديكور و سيتّهمها بعدم النزاهة و الخوف من المواجهة وووو.. و هذا ما سيضع السلطة في مأزق خاصة بعدما أظهر الشابي قدرته الفائقة على كسب تعاطف الرأي العام العالمي في "معركة المقر" الّتي انتهت في النهاية لصالحه.
الاحتمال الثاني هو اصدار قانون استثنائي يسمح لأيّ مسؤول قضّى فترة معيّنة صلب قيادة أيّ حزب، برلمانيّا كان أو غير برلماني، بالترشّح و هذا الاحتمال مستبعد للغاية لأنّه سيكون عمليا اذعانا لمطالب الشابي لا يمكنه أن تقبله السلطة.
الاحتمال الثالث هو عدم اصدار أيّ قانون استثنائي و بذلك يكون الحزب الحاكم هوالحزب الوحيد قانونا القادر على تقديم مرشّح، وبالتالي سيكون هناك مرشّح واحد للانتخابات الرئاسيّة و هو ما سيكون وقعه سيّئا للغاية في الرأي العام العالمي خاصة وأنّه سيأتي بعد موعدين انتخابيين كانت فيهما الانتخابات الرئاسيّة تعدّديّة، الا أنّه يمكن "اقناع" عدد من الأحزاب بالتحالف فيما بينها لتقديم مرشّح وحيد غير أنّ ذلك سيكون لعبة مكشوفة لأنّه لا يوجد، الى حدّ الآن، أحزاب متقاربة لدرجة تكوين تحالف و حتّى ما يعرف باللقاء الديمقراطي (المكون من حزب الوحدة الشعبية و الاتحاد الديمقراطي الوحدوي و الحزب الاجتماعي التحرّري و حزب الخضر للتقدّم) فانّه ،و بغضّ النظر عن كونه لا يشكّل تحالفا بالمعنى الحقيقي للكلمة،لا يملك النصاب القانوني لتقديم مرشّح وفاقي(عدد نواب هذه الأحزاب مجتمعة 20 نائب) الا اذا دخلت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين على الخط و انضمّت لهذا اللقاء (أتساءل في هذه الحالة من سيكون المرشّح الّذي سيجمع بين الاشتراكيّة و القوميّة و الليبراليّة و "حب البيئة"!).
كلّ هذه الاحتمالات اذن لا تبدو مرضيّة ، فهل يعني ذلك أنّ السلطة ستجد نفسها في مأزق عويص الحل أمام ترشّح الشابي؟
للاجابة عن هذا السؤال، ينبغي التساؤل عن المقصد من وراء تواجد قاعدة الثلاثين نائبا هذه. انّه يكمن في جعل الترشّح لرئاسة الجمهوريّة ترشّحا جدّيا بمعنى أنّه لا يمكن تمكين أيّ مواطن من الترشّح بصفة آليّة اذا رغب في ذلك لأنّ ذلك سيؤدّي الى ترشيح المئات و ربّما الآلاف بل يجب تقديم ما يفترض أنّ من يريد الترشّح له من الوزن ما يمكّنه من المنافسة الجديّة و هو ما يمكن أن يفترض من وجود عدد من النواب أو رؤساء البلديات يساندون الترشّح في حالة القانون التونسي.
هذه القاعدة منطقيّة و معمول بها في جلّ الأنظمة السياسيّة و لا أعتقد أنّ هناك جدوى حقيقيّة من حذفها أو حتّى استثنائها كما وقع سابقا لأنّ الاستثناءات الّتي تتكرّر في كلّ موعد انتخابي تجعل من القاعدة هباء منثورا، و لكن يمكن في المقابل تليين القاعدة دون مساس بالدستور: فـ 30 نائب عدد كبير تتحقّق الجديّة بأقلّ منه، فيكفي تعديل المجلّة الانتخابيّة لتنصّ على عدد أقلّ من النواب(10 أو 5 مثلا) و يذلك لا تكون هناك حاجة لتعديل الدستور ليكون ترشّح المعارضة "بالمزيّة" (لأنّه من المفروض أنّ الدستور لا يمكن أن يعدّل يشكل متواتر) و في نفس الوقت تتمّ المحافظة على شرط الجديّة و اعلان تعديل المجلّة الانتخابيّة خطوة(دائمة في هذه الحال و ليست استثنائيّة) نحو مزيد الانفتاح و تمكين المعارضة من المساهمة بشكل أكثر فعاليّة. ستكون نتيجة هذا التعديل "غير المباشرة" اقصاء الشابي من خوض الانتخابات و لكن سيكون ذلك بالمحافظة على "روح القانون" بما أنّ حزبه لا يملك حتّى هذه "الجديّة المخفّفة" و لن يمكنه بالتالي الاحتجاج بتعنّت السلطة و رفضها لفتح الطريق أمام المعارضة الحقيقيّة (الّتي يمثّلها هو بالطبع!) و سيتعيّن عليه اثبات جدّية حزبه من خلال الانتخابات البرلمانيّة من خلال كسب مقاعد في مجلس النواب ليتأجلّ ترشّحه الى الرئاسيّة إلى الانتخابات القادمة و هذا ما لا يبدو بديهيّا في ظلّ غياب برنامج واضح أو حتّى ايديولوجيا محدّدة لهذا الحزب الّذي يبدو أنّه أصبح ناديا لكلّ من يريد قول لا و كفى اذ ربمّا يكون فعلا الحزب المعارض الوحيد و لكنّه عاجز الى الآن أن يقدّم البديل، البديل الّذي ربّما لا يمكن أن يوجد داخل أحزاب.
Publié par
أبو معاذ المطوي
à l'adresse
16:49
11
commentaires

